سَيُهْزَمُ “الجمع” يا قدس

سَيُهْزَمُ “الجمع” يا قدس

طه اغبارية
لا يخفى على أحد أن من أهم الاستراتيجيات التي قام عليها المشروع الصهيوني، هي مقولة مؤسسيه الأوائل: “لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل”، ومن الواضح أن المشروع الصهيوني نجح بفرض واقع سياسي جديد على حساب نكبة فلسطين اسمه إسرائيل، ونجح بفرض سيادته الباطلة على القدس المحتلة، وهذا يقول إنه حقق مرحلتين من ضمن المراحل الثلاث التي تحدد معالم هذا الخط الاستراتيجي الوارد أعلاه، وبقي أن يحقق هذا المشروع المرحلة الثالثة من هذا الخط الاستراتيجي، والتي هي بناء الهيكل، وقد يسأل سائل لماذا لم يقم المشروع الصهيوني ببناء هيكل وهو الذي يملك الأرض والمال وكل التقنيات لبناء هيكل في أي بقعة من الأرض حتى لو كانت في القدس المحتلة، وبذلك يحقق كل المراحل الثلاث لهذا الخط الاستراتيجي الوارد أعلاه؟! الجواب الواضح لأن المشروع الصهيوني لا يريد بناء هيكل في أية بقعة من الأرض حتى لو كانت في القدس المحتلة، بل يصر وفق حساباته على بناء هيكل على أنقاض المسجد الاقصى المحتل!! وهذا يقول: إن الخطر الذي يتهدد المسجد الأقصى اليوم ليس فرض التقسيم الزماني أو المكاني عليه، بل الذي يتهدده في المدى القريب هو صناعة حدث مفتعل يتسبب ويقود إلى هدم المسجد الاقصى كله أو هدم قبة الصخرة على الأقل التي هي من أهم معالم المسجد الاقصى المبارك!! ولماذا هدم قبة الصخرة بالذات؟ لأن المشروع الصهيوني يصر على بناء هيكل فقط وتحديدا على أنقاض قبة الصخرة، وإن الوثائق والخرائط التي كانت قد كشفت عنها مؤسسة الاقصى المحظورة إسرائيليا، تشير إلى ذلك بوضوح!!
ويبقى السؤال هل ستنجح الأمة الاسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني بإنقاذ المسجد الاقصى من الاحتلال الاسرائيلي قبل أن تقع هذه الكارثة؟! سيّما إذا عرفنا أن المشروع الصهيوني ليس هو الوحيد المعني ببناء هيكل على أنقاض المسجد الاقصى، بل إن معسكر “البروتستانت الصهيوني” الذي يزيد عدد أتباعه على المائة مليون في أمريكا والذي بات له امتداده المؤثر والملموس في أوروبا!! هذا المعسكر الذي يؤمن أنه لا بد أن يهدم المسجد الاقصى كمقدمة ضرورية لا بد منها لوقوع معركة (هار- مجدون) بين أمة الخير التي هي الأمة البروتستنتية- الصهيونية، في حسابات هذا المعسكر، وبين أمة الشر التي هي الأمة الاسلامية وفق حسابات هذا المعسكر، ولا بد من وقوع هذه المعركة كمقدمة ضرورية لابد منها، وفق حسابات هذا المعسكر، حتى ينزل نبي الله عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض، وينصر هذا المعسكر الذي يمثل أمة الخير على الامة الاسلامية التي تمثل أمة الشر، ثم لا بد من نزول نبي الله عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض، وفق حسابات هذا المعسكر، حتى ينتقل أتباع هذا المعسكر إلى الالفية السعيدة، وعندها سيعيش هؤلاء الاتباع الف عام في الأرض برخاء وهناء وسعادة، ولا يعكر صفو عيشهم وجود الأمة الإسلامية التي تمثل أمة الشر، لأن نبي الله عيسى ابن مريم، وفق حسابات هذا المعسكر، سيبيد الأمة الإسلامية في معركة “هار- مجدون”، وسيخيّر الشعب اليهودي بين أمرين، وفق حسابات هذا المعسكر: إمّا أن يقتل كل فرد فيه أو أن ينضم كل فرد فيه إلى هذا المعسكر، وحتى يتحقق كل ذلك، لا بد من هدم المسجد الاقصى في حسابات هذا المعسكر، ومن أراد التوسع أكثر في هذا الموضوع فانصحه بقراءة كتاب (النبوءة و السياسة) للكاتبة الامريكية هكسلي، ففيه تفصيلات مذهلة ومقلقة حول هذا المعسكر، وحول حجم قوته في الولايات المتحدة، ومن هم أتباعه، وكم يملك من المال والإعلام والجامعات؟!
لذلك لا تخدعكم ابتسامات ترامب وكوشنير، وسائر زبانيتهم فإنها تخفي وراءها مخططات هذا المعسكر الإرهابية، بل لا تخدعكم ابتسامات رؤساء الدول الأوروبية، فإنها تخفي وراءها الاحقاد الدفينة التاريخية الصليبية، ومن ظن غير ذلك فهو واهم، وكم صدق أحد قيادات منظمة التحرير الفلسطينية الذي عاش طوال عمره في أوروبا حتى مات، فتمكن من التعرف على حقيقة العقل الأوروبي وكيف يفكر هذا العقل، وماذا يظهر هذا العقل وماذا يخفي، وذات يوم سأله القيادي ورئيس لجنة المتابعة السابق محمد زيدان: كيف وجدت الشعب الأوروبي والقيادات الأوروبية ؟! فقال له: لقد وجدت أنهم لايزالون يحملون في داخلهم الثارات الصليبية؟! ولذلك يوم أن دعم اللورد بلفور المشروع الصهيوني، ويوم أن دعمت أوروبا الغربية والشرقية قيام إسرائيل، كان من وراء هذا الدعم، العامل التاريخي الصليبي، والمؤثر الديني الطامع بهدم المسجد الاقصى في يوم من الايام، كيف لا ومقولة مؤسسي المشروع الصهيوني: “لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل”، لم تكن يومها خافية على أصغر القيادات الأوروبية.
لذلك أعود واتساءل هل ستنجح الأمة الاسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني بإنقاذ المسجد الاقصى من الاحتلال الاسرائيلي قبل أن تقع الكارثة؟! لذلك أنا أظن أن غاية ما تصبو إليه “صفقة القرن” في أوراقها السرية، التي جندت لها إلى جانب ترامب ونتنياهو، كلا من: السيسي وابن سلمان وابن زايد وسائر الزبانية، إن غاية ما تصبو اليه هذه الصفقة في آخر سطر منها، ليس مجرد فرض وصاية ابن سلمان وشطب الوصاية الاردنية على المسجد الاقصى المحتل، بل هي تصبو إلى بناء هيكل على أنقاض المسجد الاقصى المحتل، أو على أنقاض قبة الصخرة التي هي من أخص وأهم معالمه، وها هو جمعهم قد التقى في مؤتمر البحرين، ولكن لا تقلقي يا قدس ولا تقلق أيها المسجد الاقصى، فقريبا بإذن الله تعالى سيهزم “الجمع” ويولون الدبر، وإن غدا لناظره قريب.