الشرع يكشف تفاصيل تجربته في العراق ويدعو لحصر السلاح بيد الدولة

طرح الرئيس السوري أحمد الشرع رؤية لتعزيز التعاون بين دمشق وبغداد، تقوم على توسيع المصالح الاقتصادية والتجارية، وتطوير مشروعات نقل النفط، وتعزيز التنسيق الأمني، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، معتبراً أن البلدين أمام فرصة تاريخية لاستعادة قرارهما المستقل بعد عقود من الحروب والانقسامات.
وجاءت تصريحات الشرع خلال مقابلة مع قناة “دجلة” العراقية بثت مساء الثلاثاء، تناول فيها مستقبل العلاقات بين البلدين، والفرص المتاحة للتعاون في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، إلى جانب قضايا الحدود والتنظيمات المسلحة والمعتقلين السوريين في العراق، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية “سانا”.
مشروعات النفط والنقل في صدارة التعاون
وضع الشرع مشروعات الطاقة والربط التجاري ضمن المجالات التي يمكن أن تحقق مصالح مباشرة للبلدين، مشيراً إلى استمرار العمل على مشروع متكامل للتعاون النفطي، بمشاركة شركات إقليمية وأمريكية، يشمل خطوط الأنابيب ومصافي التكرير وتأهيل البنية التحتية المرتبطة بها.
وأوضح أن مذكرات تفاهم بشأن التعاون النفطي وُقعت في الولايات المتحدة خلال المرحلة الأولى من المسار، وأن شركات عدة زارت سوريا خلال العام الماضي، وكانت لديها استثمارات بمئات ملايين الدولارات، قبل أن يوجهها إلى بحث فرص الاستثمار في العراق.
وأكد الرئيس السوري أهمية إعادة بناء خطوط نقل النفط إلى بانياس، موضحاً أنه سبق أن شدد على ضرورة العمل على المشروع قبل أزمة مضيق هرمز، بالنظر إلى أهميته بالنسبة للعراق وما يمكن أن يوفره من منافع اقتصادية لسوريا.
وبحسب الشرع، شهد المشروع نقاشات مع الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، لكنها ظلت في إطار عام خلال المرحلة الانتقالية وما سبق الانتخابات، قبل استكمال المباحثات مع وصول رئيس الوزراء علي الزيدي.
ولا يقتصر التعاون المقترح على قطاع النفط، إذ أشار الشرع إلى أهمية الموقع الجغرافي السوري بالنسبة للعراق، باعتبار سوريا منفذاً بحرياً يمكن أن يربط الأراضي العراقية بالبحر المتوسط، فضلاً عن دورها في تسهيل حركة التجارة والنقل بين العراق ودول المنطقة.
وفي هذا السياق، تحدث عن إمكانية الربط بين ميناء طرطوس السوري وميناء الفاو العراقي، إلى جانب الطرق البرية التي تصل السعودية بسوريا عبر العراق، والمسارات التي تربط تركيا بالعراق من خلال الأراضي السورية.
وكشف الشرع عن نمو حركة النقل والتبادل التجاري خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية، قائلاً إن أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت عبرت من سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى دول أخرى عبر الأراضي السورية، فيما تجاوز عدد الشاحنات المخصصة للاستيراد والتصدير بين البلدين 40 ألف شاحنة.
وأضاف أن الاستثمارات العراقية في سوريا بدأت تشهد خطوات عملية، وكان قطاع الإسمنت من أوائل المجالات التي استقطبت استثمارات عراقية بعد المرحلة الجديدة، مع وجود فرص للتوسع في قطاعات أخرى.
الزراعة والمياه والأمن الغذائي
وربط الشرع بين تطوير العلاقات الاقتصادية والاستفادة من الموارد الزراعية والمائية المشتركة، داعياً إلى التعامل مع هذه الملفات من منظور استراتيجي يتجاوز الاحتياجات الآنية، ويتيح للبلدين زيادة الإنتاج وتوفير الغذاء للمنطقة.
وقدّر المساحات الزراعية في سوريا والعراق بنحو 80 إلى 100 مليون دونم، وقال إنها قادرة على المساهمة في تلبية احتياجات ما بين 100 و130 مليون نسمة، إذا جرى تطوير آليات استثمار الأراضي والموارد المائية ورفع الإنتاجية.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة والخبرات الدولية، ولا سيما في ترشيد استهلاك المياه وتحسين المحاصيل، لافتاً إلى أن الدراسات تشير إلى إمكانية زيادة الإنتاج الزراعي بنحو 50 إلى 70 بالمئة، وربما أكثر في بعض المناطق، عند تطبيق التقنيات المناسبة.
وأكد أن نهري الفرات ودجلة يمثلان أحد أبرز المشتركات بين البلدين، ما يستدعي وضع رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية والاستفادة منها في تطوير القطاع الزراعي، مع توظيف خبرات الشركات والكوادر المتخصصة.
واعتبر الشرع أن الإمكانات الزراعية في سوريا والعراق تتيح لهما أداء دور مهم في توفير الغذاء للمنطقة، خصوصاً في ظل الأزمات والتحديات التي قد تواجهها مستقبلاً.
استقرار الحدود وتوحيد السلاح
وفي الملف الأمني، شدد الشرع على أن بناء علاقات مستقرة مع العراق يرتبط بوضوح سلطة الدولة على السلاح والقرار العسكري، مشيراً إلى أن تعدد الفصائل المسلحة خلال سنوات الثورة السورية أثار مخاوف بشأن احتمال تبني بعض الجهات أجندات مختلفة.
وقال إن دمشق عملت على معالجة ملف القوى المسلحة بالتوافق مع الدولة السورية، وإن سياستها ركزت على إعادة البناء والتنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الأمني، مؤكداً أن الحكومة العراقية تفهمت الرسائل السورية منذ المراحل الأولى.
وأضاف أن التنسيق الأمني بين البلدين وصل إلى مستوى مرتفع، وأن الحدود تشهد حالة من الاستقرار والأمان، مع استمرار التواصل لمعالجة أي ملاحظات تتعلق بالتهريب أو أمن الحدود.
وأشار إلى أن بغداد تستطيع إبلاغ دمشق بأي مخاوف أمنية، مؤكداً أن قنوات التنسيق بين الجانبين تتيح التعامل مع القضايا المطروحة بصورة فاعلة.
وتطرق الشرع إلى تنظيم “داعش”، موضحاً أن التهديدات المرتبطة به تراجعت مقارنة بمراحل سابقة، من دون أن يعني ذلك انتهاء المخاطر بصورة كاملة. وشدد على أهمية استمرار التعاون، محذراً من أن ضعف مؤسسات الدولة والانقسام الداخلي يهيئان بيئة مناسبة لانتشار التنظيمات المتطرفة.
كما أشار إلى وجود قواعد عسكرية تابعة لقوى دولية في شرق سوريا، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا، موضحاً أن معالجة ملف التنظيمات المسلحة ارتبطت بمسار دمج القوى ضمن الدولة السورية.
مكافحة الفساد وتعزيز مؤسسات الدولة
وأكد الرئيس السوري دعمه توجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نحو مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، داعياً القوى السياسية العراقية إلى مساندة هذه الجهود.
واعتبر أن وجود تشكيلات عسكرية متعددة مرتبطة بقوى سياسية وفصائل يضعف مؤسسات الدولة، لأنه يوزع القوة والقرار على جهات مختلفة، ويجعل هذه الجهات شريكة في صلاحيات يفترض أن تتولاها المؤسسات الرسمية.
وشدد على أن الجيش وحرس الحدود والشرطة ووزارة الداخلية ينبغي أن تكون المؤسسات المعنية بإدارة الملفات الأمنية، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة، باعتباره من أهم مظاهر السيادة الوطنية.
وفي تقييمه لمسار العلاقات بين دمشق وبغداد، قال الشرع إن استقرار سوريا يخدم العراق، كما أن استقرار العراق ينعكس إيجاباً على سوريا، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية المركزية اتخذت موقفاً إيجابياً تجاه سوريا بعد التغيير.
ووصف توجه الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني بأنه كان صحيحاً، معتبراً أن التطورات اللاحقة أسهمت في تصحيح المسار الذي كانت بعض القوى السياسية تدفع باتجاهه.
وأضاف أن سوريا شهدت خلال السنة والنصف الماضية تحولات متسارعة شملت بناء علاقات دولية وتعزيز اللحمة الوطنية وإعادة تموضعها على الخريطة الجيوسياسية، إلى جانب العمل على إعادة بناء الاقتصاد.
روابط تاريخية تتجاوز الخلافات السياسية
ورأى الشرع أن العلاقات السورية العراقية لا ينبغي أن تخضع للتغيرات السياسية أو الحسابات المؤقتة، مشيراً إلى أن الروابط بين الشعبين تمتد عبر التاريخ، وتشمل علاقات الأنساب والعشائر التي تتوزع امتداداتها بين البلدين.
وقال إن بناء العلاقات بين دولتين متجاورتين ينبغي أن يبدأ من القضايا المشتركة، لا من المخاوف والخلافات، موضحاً أن الاتفاق على جميع الملفات ليس شرطاً مسبقاً للتعاون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد انفتاح سوريا على تعزيز العلاقات الاجتماعية مع العراق وتسهيل السفر والتنقل بين البلدين، مشدداً على أن العلاقة بين الشعبين لا تقوم على أساس طائفي أو عرقي، بل تستند إلى الروابط التاريخية والاقتصادية.
وفي ما يتعلق بزيارة العراقيين مقام السيدة زينب في سوريا، قال الشرع إن الزيارة متاحة ولا يوجد مانع منها، موضحاً أن دمشق تحرص على ضمان الظروف الأمنية المناسبة، في ظل محاولات بعض الجهات استغلال القضية لإثارة التوترات الطائفية.
وأضاف أن السلطات ألقت القبض خلال الأشهر الماضية على أشخاص حاولوا استغلال هذا الملف لإثارة الفتنة.
ملف المعتقلين السوريين في العراق
وتناول الشرع قضية السوريين الذين تسلمتهم الحكومة العراقية من قوات التحالف الدولي، موضحاً أن عملية التسليم جرت خلال مرحلة شهدت اشتباكات وخروجاً للقواعد الأمريكية من سوريا، وشملت محتجزين على خلفية ارتباطات بتنظيم “داعش” أو غيره.
وقال إن عدد السوريين بين المعتقلين يبلغ نحو ثلاثة آلاف، مشيراً إلى أن القضية نوقشت خلال لقاءات مع مجلس القضاء العراقي، وأن رئيس المجلس زار سوريا والتقى وزارة العدل، حيث اتُفق على وضع برنامج لمعالجة الملف.
وأوضح أن بعض المعتقلين لا تربطهم صلة بتنظيم “داعش”، وأن العمل يجري على تصنيفهم إلى فئات، ثم دراسة مسؤولية سوريا عنهم وإمكان إعادتهم، وفقاً لما تسفر عنه المراجعة.
وتبرز هذه القضية ضمن الملفات التي تحتاج إلى تنسيق قضائي ومؤسسي بين البلدين، في إطار معالجة أوضاع المعتقلين وتحديد الحالات التي يمكن بحث إعادتها إلى سوريا.
عودة اللاجئين واستعادة القرار المستقل
وفي ختام حديثه، دعا الشرع السوريين والعراقيين والقوى السياسية في البلدين إلى استثمار المرحلة الراهنة لبناء دول قوية ومستقلة القرار، قادرة على التعبير عن إرادتها وحماية مصالحها بعيداً عن التجاذبات الدولية والإقليمية.
وقال إن المنطقة تمتلك مقومات كبيرة تتيح لها تجاوز عقود من الحروب والانقلابات والنزاعات الداخلية والطائفية، معتبراً أن الفرصة الحالية لم تتوافر للبلدين منذ عقود طويلة.
وأشار إلى أن أكثر من عشرة ملايين من أبناء سوريا والعراق يعيشون لاجئين في الدول الغربية بسبب عدم توافر فرص الحياة في بلدانهم، مؤكداً أن التعاون بين دمشق وبغداد ينبغي أن يسهم في تهيئة الظروف المناسبة لعودتهم وتنمية الموارد البشرية.
وشدد على ضرورة أن تركز القيادات في البلدين على توفير فرص الحياة والتنمية والازدهار، محذراً من أن المبالغة في استحضار الخلافات التاريخية وتفسير الأحداث وفقاً لرغبات الأطراف قد تؤدي إلى تفويت فرص مهمة.
واعتبر الشرع أن العراق لم يشهد استقراراً كافياً منذ عام 2003، وأن أكثر من عقدين من الزمن كانا كافيين لبناء دولة قوية تستثمر مواردها وتوفر الطمأنينة لمواطنيها، مجدداً دعمه توجه الحكومة العراقية نحو مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
وأكد أن بناء مؤسسات قوية وتعزيز التعاون بين سوريا والعراق يمثلان، وفق رؤيته، مدخلاً لاستعادة البلدين قوتهما ومكانتهما، والانتقال من إدارة الأزمات المتراكمة إلى بناء مصالح مشتركة أكثر استدامة.
