المقاطعون.. جسر العودة

المحامي خالد زبارقة
في كل موسم انتخابي، تعود إلى الواجهة الجدلية السياسية الأعمق والأكثر تعقيدًا: المشاركة أم المقاطعة؟ وتتحول الساحات السياسية والاجتماعية إلى ميادين لتبادل الاتهامات؛ حيث يرى بعض المشاركين في المقاطعة انسحابًا وتفريطًا بالحقوق وعزلًا للذات، بينما يرى المقاطعون في المشاركة شرعنةً لواقع مختل، وتنازلًا عن المبادئ الجوهرية (الثوابت)، ودفع أثمان باهظة من وعي المجتمع مقابلًا بخسًا.
وسط هذا الاستقطاب الحاد، هناك حاجة ماسة لإعادة صياغة العلاقة بين الطرفين، والانتقال بها من مربع التخوين المتبادل إلى مربع التكامل الاستراتيجي.
الفكرة الجوهرية هنا ليست في ترجيح كفة على أخرى، بل في إدراك حقيقة سياسية بالغة الأهمية: المقاطعون ليسوا أعداء للمشاركين، بل هم الحراس الاحتياطيون للوعي الجمعي، والذين يجب الحفاظ عليهم ليكونوا الجسر الذي تعبر عليه الجماهير حين تصل مسارات العمل في الكنيست إلى طريق مسدود.
يدخل المشاركون في المؤسسات البرلمانية، وتحديدًا الكنيست، بتوجه يهدف إلى إحداث تغيير، أو على الأقل لتقليل الأضرار وحماية ما يمكن حمايته من حقوق ومكتسبات يومية. هذه الرغبة تنبع من رؤية براغماتية بأن التواجد في ساحة اتخاذ القرار، مهما كانت قواعد اللعبة قاسية أو منحازة، يظل أفضل من الغياب التام وترك الساحة خالية للخصوم.
ومع ذلك، فإن العمل من داخل الهياكل المؤسسية يفرض تنازلات مستمرة. إن الدخول في هذا المعترك يتطلب تكييف الخطاب، وتخفيض سقف المطالب، والانخراط في تسويات سياسية قد تنتهي بتمييع القضايا الأساسية الجمعية.
المشكلة الأعمق في مسار المشاركة ليست في التنازلات اللحظية، بل في التغير التدريجي للوعي. فعندما يعتاد السياسي على لغة المؤسسة وقواعدها، فإنه، دون أن يشعر، يبدأ في تبني جزء من محدداتها وخطابها، وبالتالي سينعكس هذا الخطاب على المجتمع ككل، وعيه وقناعاته. يصبح معيار النجاح هو إقرار ميزانية هنا، أو تعطيل قانون فرعي هناك، بينما تمر الهيكليات الكبرى التي تمس جوهر واقعه. هذا التآكل التدريجي للوعي، أو الانغماس المفرط في التكتيك البرلماني، قد يُفقد السياسي رؤيته الكلية للصورة، وبالتالي عجزه أو فشله عن حل مشكلات المجتمع الحقيقية.
في المقابل، يقف المقاطعون في موقع يُساء فهمه غالبًا في ذروة الحماس الانتخابي. المقاطعة المبدئية والواعية ليست سلبية، وليست كسلًا سياسيًا أو عدم اكتراث. إنها موقف سياسي نشط وحازم يرفض قواعد اللعبة المفروضة سلفًا.
المقاطعون يختارون البقاء خارج الصندوق المؤسسي؛ لأنهم يدركون أن بعض الهياكل مصممة بطريقة لا تسمح بإصلاحها من الداخل دون دفع أثمان باهظة من المبادئ، أو حتى لو دفعوها (لن يرضوا عنك). باختيارهم هذا، قد يتحملون عبء التهميش أو الاتهام بالتقصير، لكنهم، في الوقت ذاته، يحافظون على “البوصلة” غير متأثرة بالمغريات البرلمانية أو الإكراهات المؤسسية.
إنهم يمثلون الثوابت التي تعتبر القلب النابض للمجتمع، والسقف السياسي الذي لم يخضع للمساومة، والمساحة النقية التي تحتفظ بالأسئلة الكبرى دون الحاجة إلى تقديم إجابات مجتزأة لإرضاء الائتلافات السياسية.
يعلمنا التاريخ السياسي أن العمل المؤسسي من داخل أطر مصممة لخدمة أغلبية معينة أو توجه أيديولوجي مهيمن، غالبًا ما يصطدم بسقف زجاجي صلب. تأتي لحظات فاصلة تكتشف فيها القوى المشاركة أن الكنيست قد فشل في تلبية الحد الأدنى من طموحاتها، أو أنه تم استخدام وجودها لتجميل واجهة النظام دون منحها تأثيرًا جوهريًا، أو قد يستخدمها النظام في هندسة وعي الجماهير، وزكي وعيه. (مثال على ذلك الاعتراف بيهودية الدولة، والدعوة للخدمة المدنية، والخطاب الذي رافق عمليات الشطب).
في لحظات الخيبة هذه، أو حين يتم إقرار سياسات تقوض المبررات التي بُنيت عليها دعوات المشاركة، يجد المشاركون أنفسهم، والأهم، يجد المجتمع نفسه، أمام أزمة وعي عميقة وضياع للبوصلة ومفترق طرق تاريخي دون طريق للعودة.
هنا، وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبرز الدور المحوري للمقاطعين؛ فهم الجسر الوحيد للعودة إلى الوعي الصحيح؛ لأنهم يمتلكون الخطاب الذي لم يُستهلك في دهاليز اللجان النيابية، والموقف الذي لم يُساوم عليه في جلسات التصويت.
وهذا يتطلب منهم (من المقاطعين) الثبات بشكل حقيقي وواعٍ على الثوابت، وإظهار خطاب الثوابت بوضوح وبدون مواربة، وخاصةً في القضايا المصيرية والجمعية للمجتمع ككل، لا من منطلق المناكفة السياسية أو التشفي، وإنما من منطلق المشفق على مجتمعه والداعي له بالخير والتوفيق، حتى لو كان ذلك داخل أروقة الكنيست.
لذلك، تصبح الدعوة “احفظوا المقاطعين” ضرورة سياسية حتمية للمشاركين أنفسهم. إن الحفاظ على المقاطعين تعني التوقف عن حملات الإقصاء والتخوين، والاعتراف بشرعية خيارهم كجزء من الطيف السياسي الطبيعي، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
الحكمة هي إدراك قوة تيار المقاطعة، إذ تمنح المشارك نفسه ورقة ضغط داخل المؤسسة، وأن البديل متوفر خارج أروقة المؤسسة الرسمية.
في الختام، إن النضج السياسي يتطلب رؤية المشهد بكل تعقيداته. وعليه، لا يمكن اختزال الفعل السياسي في الكنيست.
