أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرشؤون إسرائيليةومضات

استعراض إسرائيلي لاستعدادات تركيا العسكرية للحرب القادمة

مع تزايد حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب، تقول صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية إن الجيش الإسرائيلي يراقب عن كثب أي تحركات تركية بحرية أو برية أو جوية حول مناطق تعتبرها إسرائيل ذات أهمية، من اليونان وقبرص إلى سوريا وغزة.

في حزيران/يونيو الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبي تركيا، بل من حلب ودمشق وبيروت، وهو ما ترفضه تل أبيب التي ترغب بالاحتفاظ بأجواء مفتوحة لشن هجماتها متى ما رغبت.

شهدت العلاقات السياسية بين البلدين توترات عديدة في العقد الأول من القرن الحالي، ثم تدهورت بشكل كبير في أعقاب حرب غزة، حيث اتهمت تركيا إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في القطاع، معلنة قطع العلاقات التجارية مع الاحتلال في أيار/مايو 2024.

بهذا الصدد، تقول صحيفة “معاريف” العبرية إن تركيا لم تعد تكتفي بصورة الدولة التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية نامية.

ففي السنوات الأخيرة، أصبحت تركيا من أبرز القوى العالمية في مجال الطائرات المسيّرة، ويتضح أن هذا التغيير لا يقتصر على تطوير الأسلحة فحسب، بل إن أنقرة تُجري تغييراً جذرياً في أساليب تدريب الجيل القادم من قادتها.

واستشهدت الصحيفة بمنشور للصحفي رجب صويلو على منصة “Substack”، حول كيفية تشكل تصور في الأكاديميات العسكرية التركية بمفهوم مفاده أن الضباط والجنود يجب أن يعرفوا كيفية تشغيل الطائرات بدون طيار بشكل طبيعي كما يستخدمون البندقية.

وترى “معاريف” أن التوجه نحو إصلاح شامل للتعليم العسكري بدأ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، حيث باتت أنقرة مصممة على تكييف قواتها المسلحة مع عصر الطائرات بدون طيار، والحرب الإلكترونية، والحرب السيبرانية، والأدوات الروبوتية.

وتشير الصحيفة العبرية إلى أن تركيا سارعت في أعقاب محاولة الانقلاب إلى إغلاق المدارس الثانوية العسكرية القديمة ومؤسسات التعليم العسكري التقليدية، مطلقةً ثورة عبر إنشاء جامعة الدفاع الوطني مكانها.

وتتضمن الجامعة الجديدة الأكاديمية العسكرية، والبحرية، والقوات الجوية، والمدارس المهنية لفروع عدة، والهدف من هذه الخطوة إنشاء إطار عمل موحد مسؤول عن جزء كبير من نظام التدريب العسكري التركي لأول مرة.

وبحسب “معاريف”، جاء هذا الإصلاح لسد النقص في أعداد الضباط والجنود الذي تسبب به فصل وإبعاد أفراد عسكريين يُشتبه في صلتهم بحركة غولن المسؤولة عن الانقلاب الفاشل، حيث تم البدء بالسماح لطلاب الجامعات المدنية بالالتحاق بالكليات العسكرية.

وفي شباط/فبراير 2017، بدأ الطلاب الجدد دراستهم في أكاديمية القوات الجوية، وفي أكاديميتي الجيش والبحرية في آذار/مارس من العام نفسه، وتم لاحقاً فتح مسارات مماثلة للمرشحين من الكليات المدنية.

على الرغم من الاضطرابات التنظيمية، أتاحت السنوات اللاحقة لتركيا فرصةً لاختبار مفاهيمها القتالية الجديدة على أرض الواقع.

ففي ليبيا وقره باغ وإدلب عام 2020، عمل القادة الأتراك بالتنسيق مع القوات الخاصة ووحدات الطائرات المسيّرة والقوات المحلية المتحالفة، وأصبح تكامل الأنظمة المختلفة أحد أبرز عناصر نجاحات أنقرة العملياتية في هذه المناطق.

البروفيسور إرهان أفيونجو، الرئيس المؤسس لجامعة الدفاع الوطني التركية، شرح بالتفصيل الثورة التي قادها منذ عام 2016 والتوجه الذي تسعى أنقرة إلى اتباعه في قيادة ضباطها المستقبليين.

كان من أوائل التغييرات تمديد فترة الدراسة في الأكاديميات العسكرية إلى خمس سنوات بإضافة سنة تحضيرية، والهدف من هذه الخطوة، من بين أمور أخرى، هو التعويض عن إلغاء المدارس الثانوية العسكرية وتمديد فترة التدريب العسكري للطلاب.

في الوقت نفسه، شهدت دراسات اللغات توسعاً ملحوظاً، فبالإضافة إلى اللغة الإنجليزية، يمكن للطلاب العسكريين دراسة اللغة العربية والفارسية والروسية والصينية والفرنسية والألمانية واليونانية، وهو ما يعكس إلى حد كبير المجالات التي قد تعمل فيها تركيا حالياً أو مستقبلاً.

كما شهد الهيكل الأكاديمي تغييرات جذرية أيضاً. ففي السابق، كان عدد المحاضرين المدنيين الدائمين في الكليات العسكرية قليلاً جداً، وكان عمداء ومديرو المؤسسات عادةً من ضباط برتبة مقدم، وأحياناً بدون شهادة ماجستير.

في الوقت نفسه، شدد الأتراك على الانضباط والتدريب القتالي، حيث تم تعزيز كتائب وأفواج الطلاب العسكريين، وزيادة ساعات الدراسة في المواد العسكرية، وإضافة التدريب العملي.

كما أدخلت الأكاديمية البرية، من بين أمور أخرى، تدريب الكوماندوز خلال العام الدراسي، حيث يمكن للطلاب العسكريين الذين يكملون بنجاح التدريب المتقدم في مدرسة الكوماندوز الجبلية الحصول على شارة الكوماندوز أثناء دراستهم. أما طلاب القوات الجوية، فيخضعون لتدريبات البقاء والتحمل.

وأيضاً، تم بناء ميادين جديدة، ومنطقة تدريب على القتال في المناطق المبنية، ومركز محاكاة للدفاع والقتال، ومختبرات إلكترونيات الطيران والديناميكا الهوائية، ومختبرات الواقع الافتراضي، وجهاز محاكاة لجسر السفينة، ومراكز محاكاة إطلاق النار السريع.

يشمل الإصلاح أيضاً محاولة لمعالجة إحدى أكثر القضايا حساسية في التاريخ التركي، ألا وهي تدخل الجيش في السياسة، حيث أُضيفت إلى المناهج الدراسية مقررات مثل “الديمقراطية والمجتمع المدني”، و”فلسفة الحرب والثقافة الاستراتيجية التركية”، و”تاريخ التنظيم العسكري”، و”التاريخ العسكري العالمي”.

ومنذ عام 2017، يتم تدريس دورة الديمقراطية والمجتمع المدني، وتتناول، من بين أمور أخرى، الأضرار التي لحقت بتركيا وجيشها نتيجة للانقلابات العسكرية والإنذارات التي أصدرها الجيش على مدار التاريخ السياسي للبلاد.

وفي الوقت نفسه، ترغب أنقرة في التأكيد على أن النظام الجديد قد تم بناؤه أيضاً على أساس مبدأ الرقابة الديمقراطية وخضوع الجيش للحكومة المدنية المنتخبة، وهي قضية حساسة بشكل خاص في بلد شهد سلسلة طويلة من الانقلابات ومحاولات الانقلاب.

أثَّر هذا التغيير أيضاً على تدريب كبار الضباط. فقد أُغلقت الأكاديميات العسكرية الأربع التي كانت تابعة لهيئة الأركان العامة، وأُنشئت بدلاً منها معاهد حربية. أما مسار تدريب ضباط الأركان، الذي كان برنامجاً مستمراً لمدة عامين، فقد قُسِّم إلى عدة مراحل، ووُصف بأنه مسار تدريجي قائم على الأداء.

بحسب أفيونجو، كان الهدف هو توسيع دائرة الضباط المؤهلين للتدريب المتقدم، والتوقف عن اعتبار منصب ضابط الأركان “امتيازاً”. كما تم توسيع نطاق التدريب العملياتي في البحرية.

واليوم، يقضي كل طالب في الأكاديمية البحرية أسبوعاً في كل فصل دراسي على متن سفن التدريب في توزلا، حيث يدرس في الميناء ويشارك في رحلات بحرية فعلية. وأصبحت دروس الإبحار إلزامية لجميع الطلاب، وتم تمديد فترة التدريب في أعالي البحار من 20 إلى 30 يوماً.

كما زادت أكاديمية القوات الجوية عدد الرحلات الجوية التي يخضع لها المرشحون خلال عملية الاختيار. فبعد أن كان العدد سابقاً ست رحلات، بل وأُلغيت الرحلة الفردية، رُفع العدد إلى 13 رحلة، وأُعيدت الرحلة الفردية، وذلك عقب الإصلاحات.

كتب أفيونجو: “كل جيش يستعد للحرب السابقة”. وأضاف أن الحروب في قره باغ وليبيا وأوكرانيا وإيران تثبت أن الدول بحاجة إلى تغيير أنظمة تدريبها بسرعة، وإلا فإنها تخاطر بالوصول إلى الصراع التالي غير مستعدة. وتابع: “لقد بدأ عصر الحرب الآلية بالفعل”.

في الوقت نفسه، يجري العمل على إنشاء ورش صيانة للطائرات بدون طيار، وقد تم بالفعل افتتاح برنامج للحصول على درجة الزمالة في تكنولوجيا المركبات الجوية غير المأهولة في الكليات البحرية. ولا تقتصر هذه الثورة على المجال الجوي فحسب، بل بدأ التدريب على استخدام المركبات الجوية غير المأهولة أيضاً في الأكاديمية البحرية والكلية البحرية.

يُضاف إلى ذلك الاستثمار في الحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني. وقد أُنشئت مختبرات متخصصة في الأكاديميات والمدارس لمكافحة التمرد في جميع الفروع، وبدأ التدريب العملي في مجالات تُعتبر الآن جزءاً لا يتجزأ من ساحة المعركة.

والهدف النهائي، بحسب أفيونجو، هو إنشاء جيل جديد من الضباط والجنود الذين يكونون مستعدين ليس فقط لحرب اليوم، ولكن أيضاً للحرب التي لم تبدأ بعد: من مشغلي الطائرات بدون طيار إلى خبراء الفضاء الإلكتروني والحرب الإلكترونية والأنظمة الروبوتية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى