أخبار وتقاريرمحلياتمرئياتومضات

«فُسحة».. حين تتحول الرحلات إلى مساحة للمتعة والتربية والانتماء

مارِيّة محاجنة

بإدارة إسراء أمارة وزوجها خالد زعبي، من بلدة الدحي يواصل مشروع «فُسحة» تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الرحلات والترفيه من جهة، والتربية والانتماء والتعرف إلى البلاد من جهة أخرى، مستهدفًا مختلف الفئات، من الرجال والنساء والأطفال واليافعين، وصولًا إلى العائلات والمدارس والمؤسسات.

فسحة
فسحة

وانطلق المشروع من فكرة بسيطة مفادها أن الرحلة يمكن أن تكون أكثر من مجرد نزهة أو يوم للترفيه؛ إذ يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعلم، وبناء الشخصية، واكتساب القيم، وتعزيز الانتماء إلى المكان والتعرف إلى تاريخ البلاد وقراها وطبيعتها.

وفي هذا السياق، التقى «موطني 48» السيدة إسراء أمارة، للحديث عن المشروع.

تقول أمارة، إن فكرة «فُسحة» بدأت كمبادرة بسيطة استجابة لحاجة لمسها القائمون على المشروع في المجتمع، حيث كان هناك، بحسب أمارة، عدد كبير من الأهالي والشباب والصبايا الذين يبحثون عن رحلات وفعاليات ممتعة، ولكن في أجواء ملتزمة ومريحة وتحافظ في الوقت ذاته على القيم التي يؤمنون بها.

وتضيف أن المشروع بدأ بتنظيم عدد من الرحلات والبرامج، قبل أن يلقى إقبالًا واستحسانًا من المشاركين والأهالي، الأمر الذي شجع القائمين عليه على الاستمرار وتطوير الفكرة.

تتابع: «بعدها بدأت الفكرة تكبر معنا خطوة خطوة، وتوسعت الفئات والبرامج، وبدأنا نتعاون مع مدارس ومؤسسات ومجموعات من بلدات مختلفة».

وحول اختيار الطبيعة والرحلات الميدانية وسيلة للتأثير التربوي والمجتمعي، تؤكد أمارة أن التربية لا تقتصر على الصفوف الدراسية أو المحاضرات.

وتوضح أن «موقفًا بسيطًا في رحلة أو مخيم قد يعلم الطالب أشياء كثيرة»، مشيرة إلى أن الميدان يتيح رؤية شخصية الطالب بصورة مختلفة، من خلال طريقة تعامله مع المجموعة، وقدرته على مساعدة الآخرين، وتحمله للمسؤولية، وكيفية تصرفه في المواقف المختلفة.

وفي الوقت نفسه، توفر الرحلات فرصة للمشاركين للتعرف إلى بلدهم وطبيعته وأماكن ربما لم يسبق لهم زيارتها.

وتقدم «فُسحة» مجموعة واسعة من البرامج والفعاليات، تشمل الرحلات والمسارات في الطبيعة، والمخيمات، وفعاليات التدريب خارج القاعة (ODT)، والورشات التربوية والقيادية والإيمانية، إلى جانب الأنشطة المائية والرياضية، والجولات التاريخية والتراثية، فضلًا عن برامج خاصة للمدارس والمؤسسات.

وتوضح أمارة أن المشروع ينظم فعاليات منفصلة للإخوة، وأخرى خاصة بالأخوات والصبايا، إلى جانب برامج مخصصة للأطفال واليافعين، فضلًا عن البرامج والرحلات العائلية.

وتشير إلى أن توفير بديل ملتزم كان هدفًا حاضرًا منذ بداية المشروع، للعائلات وللإخوة والأخوات الذين يبحثون عن هذا النوع من البرامج، مع الحرص، قدر الإمكان، على الحفاظ على الضوابط الشرعية والخصوصية، دون أن يكون ذلك على حساب المتعة أو تنوع البرامج.

كما يعمل المشروع مع المدارس ضمن منظومة «جيفن»، وهو مجال تعتبره أمارة مهمًا، لما يتيحه من إمكانية الوصول إلى شريحة واسعة من الطلاب وتقديم برامج تربوية وميدانية مختلفة عن اليوم الدراسي التقليدي.

ولا تقتصر رؤية «فُسحة» للرحلات على الجانب الترفيهي، إذ يسعى المشروع إلى استثمار الرحلة لتعزيز معرفة المشاركين ببلادهم وتاريخها وقراها، بما في ذلك القرى المهجرة والمواقع التاريخية.

وتقول: «إذا كنا في منطقة فيها قرية مهجرة مثلًا، نتعرف إلى اسمها وقصتها، وإذا مررنا بموقع تاريخي نتحدث عنه. وأحيانًا نقدم المعلومات من خلال مسابقة أو سؤال أو فعالية».

وترى أن هذا الأسلوب، خصوصًا مع الأطفال واليافعين، يساعد على إيصال المعلومة بصورة أبسط وأكثر تفاعلًا، مؤكدة أن من المهم أن يعرف الأبناء بلادهم وطبيعتها وتاريخها وقراها، وألا يمروا بالأماكن دون معرفة شيء عنها.

وترى أمارة أن أثر الرحلات والفعاليات يظهر في تفاصيل عديدة، خاصة لدى الأطفال واليافعين. فقد يأتي الطالب إلى المخيم وهو لا يعرف أحدًا، ثم يعود بعد عدة أيام وقد كوّن صداقات جديدة، وحمل معه ذكريات وتجارب متعددة.

كما تلاحظ تطورًا في اعتماد المشاركين على أنفسهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية، وفي بعض الأحيان تظهر لدى أحد الطلاب الهادئين قدرات قيادية أو روح مبادرة لم تكن واضحة من قبل.

وتولي أمارة ردود فعل الأهالي أهمية كبيرة، إذ تصل إلى فريق «فُسحة» بعد البرامج رسائل وانطباعات وصور، وأحيانًا يخبر الأهالي عن تغييرات لاحظوها لدى أبنائهم بعد مشاركتهم في البرامج.

وعن تجربتها كامرأة وأم بادرت إلى مشروع من هذا النوع، وكيفية التوفيق بين الأسرة والعمل، تؤكد أمارة أن الأمر يمثل تحديًا مستمرًا، موضحة أنها تتحمل مسؤوليات البيت والأسرة، وفي الوقت ذاته لديها مشروع تحبه وتريد أن تراه يتقدم.

وتؤكد أن مساندة زوجها وأولادها، بعد توفيق الله، كان لها دور كبير في نجاح التجربة، مشيرة إلى أن أفراد أسرتها أدركوا منذ البداية أن «فُسحة» ليست بالنسبة إليها مجرد عمل، وإنما فكرة أحبتها وآمنت بها.

وعن الرسالة التي تريد إيصالها من خلال المشروع، تختصر أمارة فلسفة «فُسحة» في فكرة أساسية، هي أن الالتزام لا يتعارض مع المتعة.

وتقول: «يمكن لأبنائنا وبناتنا وعائلاتنا أن يخرجوا ويستمتعوا ويسافروا ويخوضوا تجارب ومغامرات جديدة، وفي نفس الوقت يحافظوا على قيمهم».

وبشأن المرحلة المقبلة، تقول أمارة إن «فُسحة» تودع موسم صيف حافلًا، شهد تنفيذ العديد من الرحلات والمخيمات والبرامج، مع استمرار عدد من الفعاليات الصيفية التي لا يزال بإمكان الراغبين الانضمام إليها.

لكن المشروع، كما تؤكد، لا يقتصر على فصل الصيف، إذ بدأ فريقه منذ الآن في الاستعداد لفصلي الخريف والشتاء، مع إعداد برامج وأماكن جديدة تتناسب مع طبيعة كل موسم.

وتؤكد أن الطموح الأساسي يتمثل في وصول «فُسحة» إلى بلدات وفئات أكثر، ولكن من دون فقدان الفكرة التي انطلق منها المشروع.

وتختتم أمارة حديثها لـ«موطني 48»، بالتأكيد على ترحيب المشروع بتواصل الأهالي والمجموعات والمدارس والمؤسسات، سواء للانضمام إلى الرحلات والفعاليات المعلنة، أو لترتيب برامج خاصة، موضحة أن فريق «فُسحة» يستطيع بناء البرنامج وفق الفئة المستهدفة والهدف والميزانية والموسم، بما يضمن تقديم تجربة تناسب كل مجموعة واحتياجاتها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى