أعداؤنا بالأمس.. حلفاؤنا اليوم؟!

يوسف خضر (الفريديس)
الكثير من المناكفات تدور على مواقع التواصل حول قضية “واجب المشاركة في الانتخابات القادمة”.
في البداية، سأضع جانبًا قضية أن الكنيست أصلًا هي الرمز السياسي الأهم للمشروع الصهيوني الذي قام على دماء أجدادنا، وسؤال هل يمكن اعتبار أي مشاركة “فعّالة” فيها شكلًا من أشكال المشاركة في منظومة تستمر، في الوقت نفسه، في إبادة إخواننا على أرضنا وفي الدول المجاورة؟
هذه أسئلة صعبة، وأكاد أجزم أنها لن تُطرح أصلًا في غرف المفاوضات. لذلك، سأضعها جانبًا مؤقتًا، وأكتفي بالنظر إلى من يجلس في الطرف الآخر من غرفة مفاوضات “التغيير”: من هم الذين يُطلب منا اليوم أن نراهن عليهم؟
يخرج علينا إخوة يدعوننا إلى “واجب” إسقاط حكومة نتنياهو، وإفشال الفاشية المتسلطة علينا. وكأن المشهد بسيط: تخرج الجماهير إلى صناديق الاقتراع، فنرسم مستقبلنا الوردي؛ مستقبلًا مليئًا بالحب والميزانيات والحقوق.
لكن مهلًا… من هم هؤلاء الأبطال الذين سيأتون لانتشال المجتمع العربي من الحضيض ورفعه ليعانق السماء؟
ربما تبدأ الإجابة في آخر استطلاعات الرأي.
يتزعم كتلة المعارضة والتغيير، وفق هذه الاستطلاعات، غادي أيزنكوت. ولن أقف عنده طويلًا؛ يكفيني أن أذكّر بأنه شغل سابقًا منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وأنه تصدّر عناوين الأخبار خلال الإبادة في أرض العزة بعد مقتل ثلاثة من أفراد عائلته، بينهم ابنه وابن شقيقته.
ثم يأتي، بالترتيب، العائد من الموت السياسي: نفتالي بينيت. وهنا دعوني آخذكم معي في رحلة قصيرة إلى عام 2012، حين كانت الاستعدادات لانتخابات الكنيست عام 2013 على قدم وساق.
كان هناك شاب سياسي واعد اسمه نفتالي بينيت، يشغل منصب المدير العام لمجلس يشع – أي مجلس المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة وقطاع غزة. تقدّم بينيت آنذاك لقيادة حزب “البيت اليهودي”، وكان مشروعه واضحًا: تمثيل الصهيونية الدينية سياسيًا، والدفع بأجندتها إلى مركز القرار.
وفعلًا، نجح الشاب بينيت في حصد 12 مقعدًا، وانضم إلى حكومة نتنياهو، وخلال السنوات التالية ساهم في صعود وجوه سياسية أصبحت اليوم من أكثر الشخصيات حضورًا في المشهد الإسرائيلي، مثل أيليت شاكيد، وأوريت ستروك، وبتسلئيل سموتريتش، وهليل هوروفيتس وغيرهم.
وفي تلك الفترة، واجه النواب العرب موجة جديدة من التحريض السياسي. فإلى جانب “البعبع” القديم، والحليف الحالي، أفيغدور ليبرمان وحزبه “إسرائيل بيتنا” الشهير بالعنصرية والقوانين الفاشية مثل منع الأذان، ظهر لاعب جديد أكثر خطورة في نظر الأحزاب العربية: نفتالي بينيت، الذي استغل كل فرصة حينها لترويج حملته العنصرية على فلسطينيي الداخل.
ومن بين القوانين التي دفع بها بينيت كان رفع نسبة الحسم، وهو إجراء هدف إلى تهديد قدرة الأحزاب العربية على اجتياز العتبة الانتخابية، الأمر الذي انتهى لاحقًا إلى تشكيل القائمة العربية المشتركة عام 2015. حتى النائب مسعود غنايم، من القائمة الموحدة العربية للتغيير، قال آنذاك في تصريح لـ”تايمز أوف إسرائيل” إن عدم توحّد الأحزاب العربية سيعني “تقديم مكافأة لليبرمان والآخرين”. فما أشبه اليوم بالبارحة.
لكن الفارق أن بينيت كان يومها جزءًا من المعسكر الذي كنا نُحذّر منه.
والآن يأتي السؤال الأهم: هل بينيت 2013 يختلف حقًا عن بينيت 2026؟
في مقابلته الأخيرة في برنامج “המנגנון” مع الإعلامي شاؤول أمستيردامسكي، لم يقدم بينيت مراجعة سياسية جذرية لمواقفه السابقة، بل أكد مواقف، من بينها موقفه تجاه ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهو موقف كان حاضرًا أصلًا في حملته الانتخابية قبل أكثر من ثلاثة عشر عامًا. بمعنى آخر: بينيت لم يتغيّر بالقدر الذي تغيّر فيه موقعه داخل حساباتنا السياسية.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف. إذا كان نفتالي بينيت وليبرمان عام 2013 يشكلان خطرًا وجوديًا على التمثيل السياسي العربي، وإذا قضينا سنوات ونحن نحذّر منهم ومن أمثالهم، فكيف أصبحا بين ليلة وضحاها أهم الأسماء التي يُنظر إليها اليوم باعتبارها جزءًا أساسيًا من “معسكر التغيير” الذي سيأتي لإنقاذنا من الفاشية؟
والسؤال موجه إلى أولئك الذين كنت أشاهدهم وأنا طفل في التاسعة من عمري، عبر شاشة الحاسوب، وهم يحاربون تارة ليبرمان، وتارة أناستاسيا ميخائيلي، وتارة نفتالي بينيت وتارة إيليت شاكيد.
كيف تحوّل هؤلاء، الذين تربّينا على أنهم أعداؤنا السياسيون، إلى الحل الذي يُطلب منا اليوم أن نثق به لإنقاذنا؟
هل تغيّروا هم فعلًا؟ أم أننا نحن الذين غيّرنا تعريف “العدو” و”الحليف” بما يتناسب مع صندوق الاقتراع؟ وهل يكفي أن يكون السياسي ضد حكومة نتنياهو حتى يصبح تلقائيًا من “المعسكر”؟
