من منصة القضاء إلى قفص الاتهام.. قصة “القاضي المزيف” التي هزت مصر (شاهد)

هزّت واقعة احتيال غير مسبوقة أروقة محكمة شمال القاهرة، وأثارت موجة واسعة من الغضب والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تمكن شخص من انتحال صفة مستشار والتردد على المحكمة، مستغلا هيبة المنصب للإيقاع بعدد من المواطنين والاستيلاء على أموالهم.
كيف انكشفت القضية؟
وكشفت تحقيقات نشرتها النيابة العامة المصرية عبر صفحتها على منصة فيسبوك عن تفاصيل مثيرة للواقعة، إذ تبين أن عاطلا عن العمل انتحل صفة مستشار داخل محكمة شمال القاهرة، بمساعدة 3 من موظفي المحكمة، بهدف خداع المواطنين والاستيلاء على أموالهم مقابل وعود كاذبة بإنهاء إجراءات أو تقديم خدمات قضائية.
واعترف المتهم الرئيسي أمام النيابة بأنه قدم مبالغ مالية للموظفين الثلاثة على سبيل الرشوة، مقابل تمكينه من دخول مبنى المحكمة وقاعات الجلسات بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية.
وأوضح أنه استغل خلو القاعات من العاملين والمتقاضين لتصوير مقاطع فيديو يظهر فيها مرتديا وشاحا قضائيا صنعه خصيصا ليحاكي الوشاح الرسمي للقضاة، في محاولة لإضفاء المصداقية على شخصيته الوهمية، وإقناع ضحاياه بقدرته على إنهاء القضايا والتدخل في الإجراءات القضائية مقابل مبالغ مالية.
وبحسب التحقيقات، لم تكن تلك المقاطع مجرد استعراض، بل كانت أداة رئيسية في عملية الاحتيال، إذ كان المتهم يرسلها إلى ضحاياه عبر تطبيقات المحادثات لكسب ثقتهم، مستغلا قدسية القضاء وهيبة المحاكم لإقناعهم بصفته المزعومة.
وبدأت خيوط القضية في الانكشاف بعد رصد الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية مقطع فيديو نشره أحد المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “فيه قاضي نصب عليا”، اتهم فيه المتهم الأول بالاستيلاء على أمواله.
ملايين الجنيهات.. مقدم البلاغ ضد القاضي المزيف يكشف تفاصيل النصب على المواطنين: "موظفون في المحكمة طلعوه على المنصة علشان يتصور"
تصوير محمد القماش pic.twitter.com/dug9KOuadH— المصري اليوم (@AlMasryAlYoum) August 3, 2026
وعقب فحص الفيديو وإجراء التحريات، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد هوية المتهم الرئيسي والموظفين الثلاثة المتورطين معه، قبل إلقاء القبض عليهم وإحالتهم إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات.
تفاعل واسع وتساؤلات حول تأمين المحاكم
وأثارت الواقعة تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انصب جانب كبير من النقاش على كيفية تمكن المتهم من دخول المحكمة والتصوير داخل قاعاتها، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن إجراءات التأمين وحماية ملفات القضايا.
وفي هذا السياق، قال المحامي محمد علاء الدين إن ما جرى لا يتعلق بشخص انتحل صفة قاض فحسب، بل بانتهاك حرمة مؤسسة العدالة، متسائلا عن كيفية استخدام قاعات المحكمة وملفات القضايا كديكور لتصوير مقاطع احتيالية، مضيفا أن “ما حدث عار لن يمحى وجريمة لا تغتفر، لأن قدسية العدالة ورمزيتها تعرضتا لانتهاك غير مسبوق”.
كما نشر صورة قال إنها من حساب “القاضي المزيف” تعود إلى مايو/أيار 2025، معلقا بسخرية على استمرار نشاطه طوال هذه الفترة قبل ضبطه، ومتسائلا عن حقيقة الأشخاص الذين كان يدعي ارتباطه بهم.
من جانبه، أثار المستشار نبيل الشاهد تساؤلات بشأن الملفات التي ظهرت في الصور المتداولة، قائلا: “هل كانت تلك ملفات قضايا حقيقية تحمل حقوق ومصائر الناس؟ وهل تحولت إلى مجرد إكسسوارات للتصوير؟”، داعيا الجهات المختصة إلى مراجعة جميع القضايا التي كانت بعهدة الموظفين المتورطين، والتدقيق في صلاحياتهم وأعمالهم.
بين السخرية والصدمة
تناول الكاتب المصري محمد وازن القضية بسخرية، معتبرا أن المتهم حاول تقمص شخصية القاضي بصورة بدت -بحسب وصفه- سطحية ومليئة بالتناقضات، وأن ما نشره عبر حساباته يكشف عن حجم الجرأة التي وصل إليها في انتحال الصفة.
بدوره، وصف الإعلامي المصري أشرف الرفاعي الواقعة بأنها أقرب إلى مشاهد الأفلام، مشيرا إلى أن المتهم استخدم قاعات المحكمة ومنصة القضاء لتصوير مشاهد أوهم بها ضحاياه بأنه قاض يمتلك نفوذا يمكنه من إنهاء القضايا مقابل مبالغ مالية، متسائلا: “كيف تمكّن شخص من انتحال صفة قاض والصعود إلى منصة القضاء؟ ومن سمح له بذلك؟”
وفي السياق ذاته، سخر الناشط أحمد ضاحي من أحد المقاطع التي ظهر فيها المتهم وهو يقلد تصرفات القضاة بصورة وصفها بـ”العبثية”، معتبرا أن مقاطع الفيديو كشفت افتقاره لأبسط ملامح العمل القضائي رغم نجاحه في إقناع بعض الضحايا.
وأشار ناشطون إلى أن المتهم صنع لنفسه هالة من الهيبة عبر الصور ومقاطع الفيديو التي التقطها داخل المحكمة، لكن المفارقة أن تلك المواد نفسها تحولت لاحقا إلى أدلة ساعدت المحققين في كشف حقيقته، لتنتهي القصة بانتقاله من “قاض مزيف” أمام الكاميرا إلى متهم أمام جهات التحقيق.
ورأى متابعون أن القضية لا تكمن فقط في نجاح شخص بانتحال صفة مستشار، بل في استغلاله هيبة القضاء لبناء صورة زائفة أقنعت ضحاياه بقدرته على التأثير في مجريات العدالة، معتبرين أن الواقعة تبرز أهمية تشديد الرقابة داخل المؤسسات القضائية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تسهيل مثل هذه الممارسات حفاظا على ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة.
