حكاية كتاب مُنِع 15 سنة في أمريكا.. معلومات مرعبة

الإعلامي أحمد حازم
الكتاب اسمه “اعترافات قرصان اقتصادي… الاغتيال الاقتصادي للأمم”، والكاتب اسمه جون بيركنز، الذي لم تكن له علاقة بالصحافة ولا بأي شيء يمت إلى الكتابة، بل كان موظفًا رسميًا في شركة اسمها “MAIN”، وهي واجهة لوكالة الأمن القومي “NSA”. وظيفته الرسمية في الشركة، كما تقول البطاقة: “خبير اقتصادي”.
لكن عمله الحقيقي هو: “قاتل اقتصادي (Economic Hit Man)”.
تعودنا في السابق على رؤية أفلام عن الجاسوسية، مثل أفلام جيمس بوند، وأفلام القتل والرعب. لكن ما يقوله بيركنز في كتابه أكبر وأعنف من ذلك بكثير.
صحيح أنه لم يحمل مسدسًا ولم يطلق رصاصة، لكنه حمل حقيبة مليئة بملايين الدولارات لقتل دولة من دون رصاصة واحدة.
الكتاب مُنع في أمريكا 15 سنة، لكن صحيفة “نيويورك تايمز” تنبهت إلى أهمية الكتاب. وعندما نُشر سنة 2004، أصبح أكثر كتاب مبيعًا في نيويورك تايمز، لأنه يكشف كيف سرقت أمريكا العراق وإيران والسعودية بنفس السلاح.
الكاتب بيركنز يرى أن أمريكا عندها ثلاثة جيوش لاحتلال العالم:
أولها، القتلة الاقتصاديون مثل بيركنز، يذهبون بداية بالإغراء.
وثانيها، فرق “Jackals”، وهي فرق اغتيال تابعة لـ “CIA”، إذا فشل القاتل الاقتصادي.
والجيش الثالث هو الجيش الأمريكي نفسه، إذا فشل الاثنان.
ويقول الكاتب إن إيران كانت أول حقل تجارب.
في الجزء الأول من الكتاب، يتحدث الكاتب عن كيفية اغتيال الزعيم الإيراني محمد مصدق سنة 1953، والذي كان ضد السياسة الأمريكية.
مصدق، كما يقول بيركنز، لم يكن شيخًا ولا عسكريًا، بل كان دكتور قانون درس في فرنسا وسويسرا، وكان عمره 70 سنة.
يقول بيركنز عن مصدق إنه كان يلبس بدلة قديمة، وينام على الأرض، ويبكي إذا تكلم عن الفقراء، وكان الشعب الإيراني يعشقه، وأنه أول رجل قال: “نفطنا يكفينا لنصبح مثل سويسرا”. وقتها كانت إيران أغنى دولة بالنفط في العالم، لكن شركة النفط الإنجليزية “BP” كانت تأخذ 90 بالمئة من الأرباح وتعطي إيران 10 بالمئة فقط.
في العام 1951، وقف مصدق في البرلمان وقال جملته الشهيرة: “الإيراني ينام على بحر من النفط ويستورد بنزينًا من بريطانيا، هذه ليست شركة، هذه عصابة”.
وصوّت البرلمان على تأميم النفط. بريطانيا فقدت عقلها، لأن نفط إيران كان يشغل كل مصانعها وكل سفنها الحربية، وحاصرت إيران اقتصاديًا، ومنعت بيع نفطها، وجمّدت أموالها في لندن.
وهنا دخلت أمريكا على الخط. بيركنز يكشف بالوثائق أن “CIA” أرسلت إلى طهران رجلين: الأول اسمه “كيرميت روزفلت”، حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت، وكان وقتها برتبة ضابط في CIA، ويتكلم الفارسية بطلاقة. دخل طهران بحقيبة فيها مليون دولار نقدًا سنة 1953، بما يساوي اليوم 100 مليون دولار. والرجل الثاني، جنرال أمريكي اسمه “نورمان شوارتزكوف”، والد الجنرال الذي غزا العراق سنة 1991.
فماذا فعلوا بالمليون؟ يقول روزفلت في مذكراته، التي نشرها بعد 30 سنة: “ذهبت أولًا إلى سوق طهران، وهناك تعرفت على شيخين مهمين؛ الأول اسمه حجت الإسلام فلسفي، والثاني حجت الإسلام بهبهاني. كانا من أهم خطباء المساجد الكبار. أعطيت كل واحد 10 آلاف دولار ليخطب يوم الجمعة ويقول: مصدق بهائي كافر، مصدق يريد أن يمنع الحجاب، مصدق عميل للشيوعيين، سيجعل إيران مثل روسيا”.
ويقول الضابط إنه اشترى فيما بعد 80 بالمئة من صحف طهران. وفجأة، كل الصحف تكتب: “مصدق مريض نفسيًا، مصدق يهودي وأمه يهودية، مصدق سيسلّم إيران لستالين”.
ثم ذهب ضابط الـ”CIA” إلى الشارع. كان هناك زعيم عصابات مشهور في طهران اسمه “شعبان جعفري”، الملقب “شعبان بي مخ”، يعني شعبان بلا عقل. كان بلطجيًا يملك 500 مصارع. روزفلت أعطاه 20 ألف دولار وقال له: اجمع لي كل البلطجية ونظّم مظاهرات تهتف: الموت لمصدق، وتحرق صور مصدق.
شعبان جمع 3000 بلطجي من المدمنين والسكارى. ثم ذهب إلى الجيش.
هناك جنرال اسمه “فضل الله زاهدي”، كان يكره مصدق لأنه طرده. روزفلت وعده بأنه سيكون رئيس وزراء إذا انقلب على مصدق، وأعطاه 100 ألف دولار لتوزيعها على الضباط.
يوم 19 آب 1953، الساعة 9 صباحًا، بدأت المسرحية: الشيوخ الذين قبضوا خرجوا في مظاهرات يقولون: مصدق ضد الإسلام. وبلطجية شعبان بي مخ هجموا على بيوت وزراء مصدق وحرقوها. وإذاعة طهران التي اشتراها روزفلت أذاعت خبرًا كاذبًا: “مصدق هرب إلى روسيا”.
ثم دخلت دبابات الجنرال زاهدي إلى بيت مصدق واعتقلته. حُكم على مصدق بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى السجن 3 سنوات، ومات في بيته فقيرًا. بعدها عاد الشاه محمد رضا بهلوي من إيطاليا، حيث كان هاربًا، على طائرة أمريكية.
بيركنز يقول: مصدق كان أول تجربة. نجحنا لأننا فهمنا أنك لا تحتاج أن تحتل شعبًا؛ فقط اشترِ رجال دينه وصحافته وبلطجيته، وسيهدم بيته بيده.
ونفس الطريقة طبقها الأمريكان على العراق بعد 10 سنوات، عندما جاء عبد الكريم قاسم وأمم النفط ورفض القروض. أمريكا، وكما يقول بيركنز، أرسلت نفس كيرميت روزفلت إلى بغداد، بنفس الحقيبة، واشترى نفس الأنواع: شيوخ مساجد، صحف، بلطجية، وضباط بعث، وأسقط قاسم في 8 شباط 1963.
ويقول الكاتب إن أمريكا حاولت اغتيال صدام حسين اقتصاديًا 5 مرات، من 1979 إلى 1990، بنفس الأساليب الأولى، لكنها فشلت واضطرت إلى أن ترسل الجيش الثالث.
