في غزة.. أمنية الصيف ليست السفر ولا البحر بل بطيخة باردة

في كل صيف، كان البطيخ ضيفًا دائمًا على موائد الفلسطينيين في قطاع غزة، لم يكن يُعدّ من الكماليات، بل فاكهة شعبية ارتبطت بحرارة الأيام الطويلة، واجتماع العائلات، وضحكات الأطفال وهم يتسابقون على اختيار أكبر قطعة وأكثرها حلاوة، أما اليوم، فقد تحولت البطيخة إلى أمنية مؤجلة.
فبين الارتفاع الكبير في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، لم يعد السؤال: “هل البطيخ ناضج؟”، بل: “هل نستطيع شراءه أصلًا؟”.
وحتى من ينجح في شراء شريحة صغيرة أو بطيخة كاملة، يصطدم بواقع آخر أكثر قسوة؛ انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد، ليؤكل البطيخ دافئًا في عز الصيف، فاقدًا جزء من متعته التي عرفها الغزيون لسنوات طويلة.
أسعار لاهبة
“أبو محمد” (48 عامًا)، موظف حكومي، يقول: “قبل الحرب كنا نشتري البطيخة دون أن نفكر كثيرا في سعرها، وكانت أول شيء نضعه في الثلاجة، اليوم أقف أمام البائع وأحسب ثمن كل كيلو، وأحيانا غالبة أغادر دون شراء شيء، وإن اشتريتها، آكلها ساخنة لأن الثلاجة لا تعمل، فأشعر أن طعم الصيف لم يعد هو نفسه”.
وفي السوق تقف “أم أحمد”، وهي أم لخمسة أطفال أمام بسطة لبيع البطيخ، بينما يحدق أطفالها في الثمار الخضراء الكبيرة، التي أصبحت متوفرة في السوق، لكن لم يعد في الجيب شيء متوفر يمكنها من شرائه.
تقول “أم أحمد”: “كلما مررنا من هنا يطلب الأطفال البطيخ، أعدهم كل مرة بأن أشتريه لاحقا، لكن الظروف لا تسمح، وأكثر ما يؤلمني ليس طلبي أنا، بل نظراتهم وهم يشاهدون الفاكهة ولا يستطيعون تذوقها”.
وترى أن المجاعة اليوم موجودة في غزة لكن ليس بصورتها التي اعتاد عليها العالم، وتقول: “في الحرب كانت المجاعة عبارة عن غياب تام لكل أشكال الطعام، لكن شكلها تغير الآن، فمع توفر المنتوجات والأطعمة والخضار والفاكهة في الأسواق بتنا غير قادرين على شرائها إما لسعرها المرتفع أو حالة الفقر والعوز الشديد الذي يعيشه غالبية الناس في قطاع غزة”.
يقول أحد باعة البطيخ في سوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة: “الناس يقفون ويسألون عن السعر ثم يغادرون، كثيرون يطلبون شريحة صغيرة بدل بطيخة كاملة، حتى الفاكهة أصبحت تُشترى بالحد الأدنى، لأن معظم الأسر بالكاد توفر احتياجاتها الأساسية”.
بطيخ ساخن
ولا تقف المعاناة عند حدود الشراء، بل تمتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فالشاب محمود (27 عامًا)، يقول: “اشتريت شريحة بطيخ بعد أشهر من الحرمان، كنت أحلم أن أضعها في الثلاجة ساعة واحدة فقط، لكن لا كهرباء ولا تبريد، فأكلتها كما هي.. كانت حلوة، لكنها لم تمنحني الإحساس الذي كنت أبحث عنه.. إحساس البطيخ البارد في يوم شديد الحر”.
وشدد أن الحياة في غزة لا تشبه شيئا سوى الجحيم، فلم يعد شيئا كما كان في السابق، حتى أضحى أكل شريحة من البطيخ باردة حلما صعب المنال.
وفي أحد مراكز الإيواء، تجلس الحاجة “أم خالد”، تحت مروحة متوقفة عن العمل، وتقول: “في السابق كنا نرسل الأطفال ليشتروا بطيخة كبيرة، ثم نجلس مساء حولها بعد أن تبرد في الثلاجة، اليوم لا بيت كما كان، ولا ثلاجة، ولا كهرباء، ولا قدرة على الشراء، وأصبح أكل بطيخة مبردة من الذكريات والأمنيات”.
ويرى باعة أن الإقبال على شراء البطيخ لم يعد كما كان، ليس بسبب تغير رغبة الناس، وإنما لأن الأولويات تبدلت.
في غزة.. الأمنيات ليست كبيرة
فيما تبدو أمنية تناول بطيخة باردة تفصيلاً بسيطا في حياة كثيرين، فإنها في قطاع غزة تعكس حجم التدهور الذي طال أبسط مقومات الحياة.
فوفقًا لتقارير حديثة صادرة عن الأمم المتحدة، لا يزال معظم سكان قطاع غزة يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة رغم تراجع حدة العمليات العسكرية في فترات مختلفة.
وتشير التقارير إلى أن غالبية السكان ما زالوا نازحين، ويعانون من نقص حاد في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه المأمونة والصرف الصحي والرعاية الصحية، فيما يعيش كثيرون في مراكز إيواء أو مساكن متضررة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن معظم سكان القطاع لا يزالون يفتقرون إلى الحد الأدنى من مستويات المعيشة والخدمات الأساسية، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وتعثر جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن الفقر والعوز وانعدام الأمن الغذائي لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياة مئات الآلاف من الأسر، بينما تواجه المنظمات الإنسانية تحديات متزايدة في تلبية الاحتياجات الأساسية، وسط نقص التمويل واستمرار الضغوط على الخدمات الإنسانية.
وسط هذه الصورة القاتمة، لم تعد أمنيات الغزيين تتجاوز حدود الأشياء البسيطة؛ فاكهة موسمية يستطيع الأب شراءها لأطفاله، وبطيخة تُحفظ في ثلاجة تعمل، وساعة كهرباء تكفي لتبريدها، ففي غزة اليوم، قد تختصر شريحة بطيخ باردة قصة شعبٍ ما زال يبحث عن حياة طبيعية، بعد أن أصبحت أبسط تفاصيلها رفاهية بعيدة المنال.
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام
