الأسرة.. المدرسة الأولى لصناعة الوعي

د. إيهاب الشيخ خليل (الناصرة)
قبل أن يعرف الطفل معنى المدرسة يكون قد قرأ وجوه من حوله، وقبل أن يفهم معنى الأخلاق يشاهدها تمارس أمامه ولهذا تبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان بما تقوله ويراه فيها كل يوم. فالطفل يتعلم الصدق من تعريف الصدق حين يرى والديه صادقين ولا يفهم الاحترام من النصائح بقدر ما يكتشفه في الطريقة التي يتحدث بها أفراد أسرته بعضهم إلى بعض! وحتى يتعلم الرحمة حين يجدها في لحظة ضعفه وخطئه، وهذه إحدى أعمق حقائق التربية فنحن نربي أبناءنا أحيانًا في اللحظات التي لا نظن أننا نربيهم فيها! فحين نختلف أمامهم نعلمهم كيف يكون الاختلاف… وحين نغضب نعلمهم كيف يتعامل الإنسان مع غضبه… وحين نخطئ ونرفض الاعتذار نعلمهم دون قصد أن الكبير لا يعترف بخطئه… وعندما نعتذر لهم نمنحهم درسًا بالغ العمق في أن الكرامة لا تتعارض مع الاعتراف بالخطأ!
لقد جعل الإسلام مسؤولية الأسرة إطعام وكساء وحماية وأمانة في بناء الإنسان… يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وهي مسؤولية تتجاوز الأمر والنهي إلى بناء الضمير الذي يعرف الخير ويختاره، وأجمل ما يكشف فلسفة التربية في القرآن وصية لقمان لابنه فهو لا يبدأ معه بسلسلة من الأوامر المجردة وإنما يخاطبه بقوله ﴿يَا بُنَيَّ﴾ وفي هذا النداء تختصر فلسفة كاملة فالحب يسبق التوجيه والقرب يسبق التكليف والعلاقة تسبق النصيحة ثم يأتي بناء العقيدة والضمير والصلاة والأخلاق والصبر والتواضع في سياق واحد وكأن التربية بناء متكامل للإنسان لا أجزاء منفصلة منه، فإن الأسرة الواعية هي الأسرة التي يستطيع الابن أن يعود إليها بعد الخطأ دون أن يخشى أن يفقد مكانه فيها!، فالخوف قد يمنع بعض الأخطاء لكنه قد يصنع أخطاء أكثر خطورة في الخفاء! أما الثقة فإنها تفتح باب المصارحة والتي تمنح الأسرة فرصة التربية قبل أن يبحث الابن عن الإجابة في مكان آخر، ويزداد ذلك أهمية في الجيل الحرج حين يبدأ الناشئ بمحاولة الانفصال النفسي عن طفولته ويصبح رأي أصدقائه مؤثرًا ويبحث عن خصوصيته ويختبر الحدود التي وضعتها أسرته وقد يفسر الأهل هذا التغير على أنه تمرد بينما يكون جزء منه سؤالًا طبيعيًا صامتًا يقول: من أنا وهل أستطيع أن أصبح نفسي دون أن أفقد محبتكم؟؟
ويحتاج الأبناء إلى حدود واضحة لتفسيرها فهناك فرق بين بيت يقول لا لأنني قلت لا… وبيت يقول لا لأننا نخاف عليك ونريد أن تفهم سبب موقفنا ثم نسمع رأيك! فالسلطة تستطيع أن تنتزع الطاعة لبعض الوقت أما التربية فغايتها أبعد من الطاعة لأنها تريد أن يصل الابن إلى مرحلة يفعل فيها الصواب حتى حين لا يكون الأب حاضرًا ولا تكون الأم قادرة على مراقبته، ولا يعني ذلك أن تتحول الأسرة إلى مساحة بلا قوانين فالحب الذي لا يعرف الحدود قد يصبح إهمالًا كما أن الحزم الذي يخلو من الرحمة قد يتحول إلى قسوة والتربية الحكيمة تقف بين الاثنين فلا تجعل الحنان ضعفًا ولا تجعل السلطة إهانة.
إنَّ أخطر ما يمكن أن تفعله الأسرة أن تجعل قبولها للابن مشروطًا بنجاحه أو تفوقه أو طاعته الكاملة لأن الإنسان الذي ينشأ وهو يشعر أن قيمته مرتبطة برضا الآخرين قد يقضي عمره يبحث عن نفسه في عيونهم!
إن أبناءنا يحتاجون إلى أن يعرفوا أننا قد نرفض تصرفًا صدر عنهم دون أن نرفضهم وأننا قد نغضب من خطئهم دون أن نسحب منهم محبتنا وأن البيت ليس محكمة تنتظر سقوطهم، بل مكان يستطيعون العودة إليه حين يضيع الطريق
فالأسرة لا تستطيع أن تمشي مع أبنائها في كل طرق الحياة ولا أن تمنع عنهم كل تجربة مؤلمة لكنها تستطيع أن تزرع في داخلهم شيئًا يبقى معهم حين يخرجون من الباب صوتًا داخليًا يسأل قبل القرار … ويدًا معنوية تعيدهم حين يخطئون… وقيمة لا تتغير بتغير الرفاق… وإيمانًا يجعل الإنسان يعرف أن الله يراه حتى حين لا يراه أهله… وعندها تكون الأسرة قد أدت أعظم أدوارها… لم تصنع أبناء يخافون الخروج من حدود البيت… بل صنعت إنسانًا يحمل قيم البيت معه حين يخرج إلى العالم.
العلامة التي أخفتها مريم.. قصة للجيل الحرج
عادت مريم من المدرسة على غير عادتها لم تلقِ حقيبتها قرب الباب، ولم تتجه إلى المطبخ تبحث عن شيء تأكله! دخلت غرفتها بهدوء… أغلقت الباب… وأخرجت من بين دفاترها ورقة مطوية مرتين…
في أعلاها داخل دائرة حمراء كانت العلامة واضحة: 55…
حدّقت فيها لحظات ثم أعادتها إلى الحقيبة… ودسّتها تحت الكتب القديمة كأنها بإخفائها تستطيع أن تؤجل ما ينتظرها…
سمعت صوت أمها من المطبخ:
- مريم… كيف كان امتحان الرياضيات؟
توقفت يدها فوق سحّاب الحقيبة… فأجابت:
عادي.. قالتها بسرعة ثم شعرت أن الكلمة أثقل من العلامة نفسها.
لم يكن ما يخيفها أن يعرف والداها أنها حصلت على خمس وخمسين!! كانت تعرف المشهد قبل أن يحدث! ستسمع أمها تقول: ألم أقل لك إن الهاتف يضيّع وقتك؟ ثم سيأتي السؤال الذي تكرهه أكثر من أي شيء آخر:
وكم حصلت نور؟
نور ابنة خالتها التي كانت علاماتها تدخل بيتهم قبل أن تدخل هي…
مرّ يومان… وبدأت مريم تظن أن الأمر انتهى…
وفي مساء اليوم الثالث كان أبوها يتصفح هاتفه حين توقفت عيناه عند رسالة وصلت من المدرسة… قرأها! ثم رفع رأسه: ونادى بصوت مرتفع:
- مريم: تعالي قليلًا…
عرفت من نبرة صوته أن الورقة خرجت من مخبئها ولو بقيت في آخر الحقيبة…
جلست مقابله… كانت أمها ترتب بعض الأغراض في المطبخ… وتوقفت حين سمعت صوته…
- حصلتِ على خمس وخمسين في الرياضيات؟
أطرقت مريم…
- نعم
- ولماذا لم تخبرينا؟
لم تجب…
أعاد السؤال بنبرة أشد:
- أسألك يا مريم: لماذا أخفيتِ العلامة؟
رفعت رأسها إليه… كانت تخشى هذه اللحظة منذ يومين لكنها حين جاءت شعرت فجأة أنها تعبت من الهرب…
- لأنني أعرف ماذا سيحدث!
عقد حاجبيه!!
- وماذا سيحدث؟
خرج الكلام منها دفعة واحدة:
- ستغضبون… وستأخذون هاتفي… وستقولون إنني مهملة ولا أدرس… وبعدها ستسألونني كم حصلت نور…؟؟ ثم تنتهي الحكاية وأنا أشعر أنني أغبى واحدة في العائلة…
ساد الصمت!
نظرت أمها إليها من بعيد بينما بقي أبوها يحدق في وجهها… قال بعد لحظة:
- لكن إخفاء العلامة خطأ يا مريم….
- أعرف…
ثم ترددت قليلًا قبل أن تضيف بصوت منخفض:
- لكنني خفت من رجوعي إلى البيت أكثر مما خفت من الخمس والخمسين…
تحرك أبوها في مقعده! بدت الجملة كأنها أصابته في مكان لم يكن يتوقعه… فتح فمه ليجيب ثم سكت!!…
بعد لحظات قال:
- حسنًا: لن نتحدث عن نور! ولن نبدأ بالهاتف! أخبريني فقط: لماذا حصلتِ على خمس وخمسين؟
نظرت إليه مريم باستغراب!! لم يكن هذا هو السؤال الذي أعدّت نفسها له…
وبدأت تتحدث…
أخبرته أنها لم تفهم فصلًا كاملًا… وأن المعلمة شرحت بسرعة… وأنها كلما أرادت أن ترفع يدها لتسأل كانت تخشى أن يضحك أحد عليها… قالت إنها عادت إلى البيت وحاولت أن تفهم وحدها… ثم تركت الدرس أيامًا حتى تراكم عليها… وفي الليلة السابقة للامتحان جلست أمام الكتاب ساعات لكن الأرقام بدت لها كأنها لغة لا تعرفها…
سألها أبوها:
- ولماذا لم تطلبي مني أو من أمك المساعدة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة لم يعرف إن كانت عتابًا أم خجلًا…
- لأنكم تسألونني دائمًا: كم أخذتِ؟ قبل أن تسألوني: هل فهمتِ؟
هذه المرة لم يجبها…
وفي اليوم التالي لم تختفِ المشكلة بمعجزة… ولم تصبح مادة الرياضيات سهلة، ولم يتحول الأب فجأة إلى شخص لا يغضب!!
جلس الثلاثة واتفقوا على أمر بسيط: معلمة تساعد مريم مرتين في الأسبوع… ووقت أقل للهاتف في أيام الدراسة وفي المقابل لا مقارنة بنور ولا بغيرها.
بعد أسابيع جاء امتحان آخر…
عندما أعادت المعلمة الأوراق قلبت مريم ورقتها ببطء… إنها علامة الـ 70
نظرت إلى الرقم طويلًا… لم تكن السبعون علامة تتباهى بها أمام زميلاتها لكنها هذه المرة لم تطوِ الورقة… ولم تدسّها بين الكتب.
دخلت البيت… واتجهت مباشرة إلى أبيها… ووضعتها أمامه…
نظر إلى العلامة ثم إليها…
قالت:
- ليست ممتازة!!
انتظرت تعليقه… ثم أضافت:
- لكنني لم أخفها…
أمسك أبوها الورقة… وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يقول:
- والخمس عشرة علامة التي زادت؟
ابتسمت…
- هذه من الرياضيات…
ثم أشارت إلى نفسها وقالت:
- أما أنني جئت وأعطيتك الورقة بنفسي… فهذه علامتي أنا…
ابتسم أبوها ووضع الورقة على الطاولة دون أن يسأل عن نور…
مرت أشهر ونسيت مريم كثيرًا من القوانين والمسائل التي حفظتها لذلك الامتحان، لكنها لم تنسَ تلك الأمسية….
أدركت أن بعض الأخطاء لا تبدأ حين يكذب الأبناء… بل حين يشعرون أن الحقيقة ستكلّفهم محبتهم أو مكانتهم أو احترامهم.
وأدرك أبوها شيئًا آخر لم تقله له مريم صراحة: أن التربية لا تعني أن تجعل ابنك يخاف من الخطأ… بل أن تمنحه من الأمان ما يكفي ليعود إليك حين يخطئ…
ومنذ ذلك اليوم… كلما عادت مريم بورقة امتحان… لم يعد السؤال الأول في البيت:
كم حصلتِ؟
بل: ما الذي فهمتِه؟؟ وأين تحتاجين إلى مساعدة؟
