ملف “هبة الكرامة”.. المحكمة تفرض على الشيخ كمال خطيب 9 أشهر خدمة جمهور وغرامة مالية

قضت محكمة الصلح في الناصرة، اليوم الإثنين، بإلزام الشيخ كمال خطيب بالعمل لمدة تسعة أشهر في خدمة الجمهور، إضافة إلى فرض غرامة مالية بقيمة 15 ألف شيكل، و10 أشهر بالسجن الفعلي في حال ارتكاب مخالفات مشابهة، وذلك في ختام محاكمته على خلفية ما يُعرف بملف “هبة الكرامة” وأحداث أيار/ مايو 2021.
وشهدت المحكمة حضورًا شعبيًا واسعًا من الرجال والنساء، تزامنًا مع جلسة النطق بالحكم، حيث رفع المشاركون لافتات تندد بمحاكمة الشيخ كمال خطيب، وتعتبرها استهدافًا لحرية التعبير ومحاولة لـ”تكميم الأفواه” وتجريم الموقف والرأي السياسي.
وقال المحامي حسن جبارين، مدير مركز عدالة، معقبًا على قرار المحكمة، إن النيابة العامة “عملت منذ البداية على تضخيم هذا الملف”، مشيرًا إلى أن طاقم الدفاع رفض خلال جميع مراحل المداولات أي تسوية من شأنها المساس بموقفه القانوني، رغم إمكانية إنهاء القضية في مرحلة مبكرة.
وأضاف أن هيئة الدفاع نجحت في تفنيد بنود لائحة الاتهام، وأكدت أن المنشورات التي حوكم على خلفيتها الشيخ كمال خطيب “تندرج في إطار الخطاب الوطني المشروع لجماهيرنا، ولا سيما في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك”.
وأضاف جبارين أن النيابة طالبت بفرض عقوبة السجن الفعلي على الشيخ كمال خطيب لمدة لا تقل عن 30 شهرًا، معتبرًا أن الهدف من ذلك كان “تجريم الخطاب الوطني”، فيما تمسكت هيئة الدفاع بموقفها الرافض لأي عقوبة سالبة للحرية، وطالبت بعدم الزج بخطيب في السجن.
وختم جبارين بالقول إن قرار المحكمة “أفشل مساعي النيابة ولم يحقق الأهداف التي سعت إليها”، معتبرًا أن الحكم يشكل “إنجازًا”، إذ لن يقضي الشيخ كمال خطيب عقوبة السجن خلف القضبان. وأشار إلى أن النيابة أعلنت نيتها استئناف القرار، مؤكدًا أن هيئة الدفاع ستتقدم هي الأخرى باستئناف على الحكم.
وقال المحامي عمر خمايسي، مدير مؤسسة “ميزان”، تعقيبًا على قرار المحكمة: “نحن أمام ملف مضى عليه أكثر من خمس سنوات، ومن المرجح أن يستمر لفترة أخرى، لأنه في جوهره يمثل ملاحقة سياسية. سنواصل مواكبة هذا الملف في المرحلة المقبلة، انطلاقًا من قناعتنا بأنه لا يخص الشيخ كمال خطيب وحده، بل يمس مجتمعنا بأسره، ويهدف إلى تجريم خطابنا السياسي والوطني”.
وأضاف: “قرار المحكمة يتضمن العديد من التفاصيل، وقد تطرقت القاضية في حيثياته إلى شهادة الشيخ كمال خطيب. كما طلبت إعداد تقرير مهني ومفصل بشأن إمكانية عقوبة خدمة الجمهور، وعلى ضوء هذا التقرير ستصدر محكمة الصلح قرارها النهائي، بالتوازي مع الاستئناف الذي سنقدمه على الحكم”.
من جانبه، قال رئيس لجنة الحريات، الشيخ كمال خطيب، عقب النطق بالحكم: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وله الحمد أن ختم هذا الملف بهذا القرار، الذي يشكل لنا بلا شك راحة نفسية بعد سنوات طويلة من الملاحقة. وأتوجه بالشكر الجزيل لكل من وقف إلى جانبنا، سواء من حضر إلى المحكمة أو من ساندنا من بعيد، وأخص بالشكر الأخوات اللواتي تركن بيوتهن للمشاركة في هذا الإسناد، كما أشكر طاقم الدفاع (عدالة وميزان) الذي بذل جهودًا كبيرة ومخلصة طوال مراحل هذه القضية”.
وأضاف: “إن هذه القضية تعود إلى اليوم الثاني من عيد الفطر عام 2021، بعد أيام قليلة من الاعتداءات على المسجد الأقصى في ليلة القدر، حين اقتحمت قوات الاحتلال المسجد واعتدت على المصلين، وكنت ممن حوصروا داخل المسجد القبلي وتعرضوا للاعتداء في ليلة الثامن والعشرين من رمضان. وكان من الطبيعي أن يقف كل صاحب ضمير وكل حر إلى جانب الأقصى وأهله في تلك الأحداث. ومنذ ذلك الحين تعرضت للاعتقال والملاحقة، ومنعت من الخطابة والكتابة، وفُرضت عليّ غرامات، ومُنعت من دخول المسجد الأقصى، وقد جُدد هذا المنع مؤخرًا لستة أشهر إضافية. وكل ذلك كان بهدف إسكات صوتنا، ودفعنا إلى التردد في مواقفنا، أو إلى تليين كلماتنا لتتوافق مع ما تريده أجهزة الأمن ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير”.
وأكمل “لقد أرادوا أن يسمعوا منا خطابًا مختلفًا بشأن المسجد الأقصى، لكننا نؤكد أن المسجد الأقصى، بكل ساحاته وما فوقه وما تحته، هو حق خالص للمسلمين، وليس لأحد غيرهم أي حق فيه”.
وقال “أرادوا أن نقرّ بـ “يهودية الدولة”، لكننا نقول إننا أصحاب هذه الأرض، ولدنا عليها وعاش عليها آباؤنا وأجدادنا، وتاريخ أمتنا فيها سابق لقيام هذه الدولة، ولذلك لن نقول ما يخالف قناعاتنا وثوابتنا”.
وتابع خطيب: “كما أرادوا أن نقبل بالخدمة المدنية باعتبارها خطوة نحو الخدمة العسكرية، لكن موقفنا من ذلك واضح ولن يتغير. وأرادوا كذلك أن نصمت عما جرى في غزة أو نتجاهله، لكن الحقيقة التي نقولها هي أن غزة تعرضت لإبادة، ولن نساوم على قول الحق”.
وأضاف: “إن محاولات الضغط والملاحقة لن تدفعنا إلى التنازل عن ثوابتنا، ولن نتردد في رفض أي مساومة عليها، مهما كانت التهديدات بالسجن أو بالملاحقات. وكما قال نبي الله يوسف عليه السلام: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}”.
وختم الشيخ كمال بالقول “نحمد الله أن هذا الملف قد وصل إلى نهايته، ونسأله تعالى أن يفرج كرب كل أبناء شعبنا الذين ما زالوا يواجهون الملاحقات والمحاكمات، ومنهم الأخ رجا إغبارية، والأخ محمد بركة، والشيخ عكرمة صبري”.
وفي تعقيبه خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب صدور قرار المحكمة، أكد رئيس لجنة المتابعة العليا، الدكتور جمال زحالقة، أن القضية برمتها تنطوي على ظلم بحق الشيخ كمال خطيب، قائلاً إن “الأصل أن الشيخ كمال بريء بشكل كامل من التهم المنسوبة إليه”، مرحبًا في الوقت ذاته بقرار التوجه إلى الاستئناف من أجل تثبيت هذا الموقف المبدئي قانونيًا وقضائيًا”.
وأضاف زحالقة أن استهداف أي فرد من أبناء الشعب الفلسطيني هو استهداف للمجتمع بأسره، مشددًا على أن مواقف الشيخ كمال خطيب تعكس الإجماع الوطني الذي تتبناه لجنة المتابعة العليا. وقال إن اللجنة “كانت وستبقى قلعة وطنية جامعة تدافع عن حقوق جماهيرنا وقضاياها”.
كما شدد على أن ما طرحه الشيخ كمال بشأن المسجد الأقصى “يمثل الضمير الوطني الفلسطيني والموقفين العربي والإسلامي”، معتبرًا أن ما أكده خطيب يستند أيضًا إلى مرجعيات قانونية وتاريخية دولية. وأوضح أن قرارات عصبة الأمم التي أعقبت ثورة البراق أقرت بأن المسجد الأقصى المبارك، بما في ذلك حائط البراق، هو وقف إسلامي وحق خالص للمسلمين.
وكانت النيابة العامة قد طالبت، خلال المرافعات الخاصة بالعقوبة، بفرض السجن الفعلي لمدة تتراوح بين 40 و50 شهرًا على الشيخ خطيب، بعد أن أدانته المحكمة، في 30 حزيران/ يونيو 2025، بتهمتي “التحريض على العنف” و”التحريض على الإرهاب” على خلفية منشورين عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخطبة ألقاها خلال أحداث هبة أيار 2021، فيما برأته من تهمة “التماهي مع منظمة إرهابية”.
وتعود القضية إلى أيار/ مايو 2021، حين اعتُقل الشيخ كمال خطيب بقرار حكومي استند إلى توصيات جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الذي اعتبر أن تصريحاته ومنشوراته تشكل تحريضًا. واستندت لائحة الاتهام إلى منشورات وخطاب تناولت الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى والمصلين، وعنف الشرطة بحق الفلسطينيين والمتضامنين مع أهالي حي الشيخ جراح في القدس.











