الاحتلال يبدأ عمليًا إلغاء اتفاقية الخليل بإقامة مدرسة دينية يهودية

بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خطوات ميدانية في مدينة الخليل تمثل انعاكاسًا عمليًا لتصريح وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش بشأن إلغاء اتفاقية الخليل، الذي أعلنه في السادس عشر من الشهر الماضي، من بينها إقامة مدرسة دينية يهودية في قلب الخليل القديمة. ورغم نفي وزارة الخارجية الإسرائيلية وجود قرار بإلغاء الاتفاقية، فإن موافقة سموتريتش، عقب ذلك، على إنشاء مبنى جديد لمدرسة دينية في الخليل تُعدّ تطبيقًا عمليًا لما ورد في تصريحه.
إلغاء جوهري لاتفاقية الخليل
بحسب مراقبين أدلوا بتصريحات صحفية، فإن سموتريتش لم يلغِ اتفاقية الخليل الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1997 بالكامل، وإنما ألغى جزءًا جوهريًا منها. فقد نصّت الاتفاقية على تقسيم المدينة إلى منطقتي “H1” و”H2″، بحيث تخضع مناطق “H1” للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية الكاملة، فيما تخضع مناطق “H2” للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع بقاء الصلاحيات المدنية والخدماتية بيد الفلسطينيين، بما في ذلك الأحياء التي تنتشر فيها أربع بؤر استيطانية وهي: “بيت هداسا”، و”إبراهيم أفينو”، و”بيت رومانو”، و”تل الرميدة”. وكانت مساحة منطقة “H1” تُشكّل نحو 80% من مساحة المدينة، إلا أنها تقلّصت تدريجيًا على مرّ السنوات.
وفي قراءة أكثر عمقًا، يُنظر إلى قرار سموتريتش باعتباره سحبًا للصلاحيات الفلسطينية في مناطق “H2″، استكمالًا لقرار سابق صدر في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، يقضي بسحب صلاحيات البناء والترخيص في الحرم الإبراهيمي، وبذلك وسّع سموتريتش نطاق تنفيذ القرار ليشمل المناطق المحيطة بالحرم الإبراهيمي والأحياء المغلقة، بما فيها تل الرميدة، وشارع الشهداء، وحارات جابر، والسلايمة، ووادي الغروس، إضافة إلى البلدة القديمة بأحيائها المختلفة. ويقطن هذه المناطق نحو 10 آلاف فلسطيني، بحسب منسق تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في تل الرميدة، عماد أبو شمسية.
السيطرة على عقارات فلسطينية
ويُقام مشروع المدرسة الدينية “حافات حبرون”، الذي أعلن عنه سموتريتش، بمحاذاة مبنى “المنجرة” وفوقه، وهو المبنى الذي استولت عليه سلطات الاحتلال في أغسطس/آب الماضي. ومن المقرر أن تمتد المدرسة على مساحة تبلغ نحو 1000 متر مربع فوق عقارات فلسطينية سيطر عليها الاحتلال استنادًا إلى ما يُعرف بـ”قانون أملاك الغائبين”، الذي تزعم بموجبه السلطات الإسرائيلية أن هذه الممتلكات تعود ليهود كانوا يقيمون في المدينة وغادروها. ويؤكد أصحاب العقارات امتلاكهم جميع الوثائق الرسمية التي تثبت ملكيتهم لها، وفقًا لأبو شمسية.
ويلفت أبو شمسية إلى أن قوات الاحتلال مهّدت، خلال الأشهر الماضية، لتحويل المبنى إلى مدرسة دينية، إذ رفعت الأعلام الإسرائيلية على نوافذه وسطحه، وأحاطته بالأسلاك الشائكة، كما أدخلت إليه كتبًا دينية ومقاعد دراسية وقطعًا من الأثاث الخشبي. وفي خطوة أخرى، وضعت على بوابته عبارات، من بينها: “شعب إسرائيل حيّ”.
وسائل السيطرة
ويبيّن أبو شمسية أن الاحتلال يعتمد في سياسات السيطرة والتهويد على عدة وسائل، منها أوامر الاستيلاء العسكرية، وعمليات الشراء والتسريب، إضافة إلى توظيف “قانون حارس أملاك الغائبين”. ويشير إلى أن الاحتلال يستخدم هذا القانون ذريعة للسيطرة على العقارات الفلسطينية، ومن بينها العقارات الواقعة في موقع المدرسة الدينية المزمعة إقامتها، وهو القانون ذاته الذي يُستند إليه حاليًا في إقامة بؤرة استيطانية جديدة محاذية لمستوطنة “تل الرميدة”، حيث نصب مجلس مستوطنة كريات أربع بيتين متنقلين جديدين خلال الأيام الماضية، ما أدى إلى إنشاء بؤرة تضم سبعة بيوت متنقلة فوق أرض فلسطينية مصنفة “H1″، والخاضعة أصلًا للسيطرة الفلسطينية الأمنية والمدنية.
ويوضّح أبو شمسية أن موقع المدرسة الدينية كان يخضع لصلاحيات البناء والترخيص الفلسطينية، وكذلك موقع البؤرة الجديدة، ما يعني أن قرار سموتريتش بدأ يُطبّق فعليًا قبل الإعلان عنه، وتسارع تنفيذه بعد الإعلان، رغم نفي وزارة الخارجية الإسرائيلية.
المدرسة امتداد لمستوطنة “بيت رومانو”
ويتوقع أبو شمسية أن تكون المدرسة الدينية الجديدة امتدادًا لمستوطنة “بيت رومانو”، كونها لا تبعد عنها سوى بضعة أمتار، في منطقة ساحة “عين عسكر”، التي نُصبت فيها بوابة حديدية ونقطة عسكرية في العشرين من الشهر الماضي. وتُعدّ “بيت رومانو” من أقدم المستوطنات في قلب المدينة، إذ تعود إلى عام 1983، وأقيمت على أنقاض مدرسة أسامة بن المنقذ، وتضم مدرسة دينية تلمودية تُعرف باسم “يشيفاة شافي حبرون”، إلى جانب كراج قديم للمركبات الفلسطينية.
ويقول نائب رئيس بلدية الخليل خالد القواسمة، في تصريحات للإعلام، إن الاحتلال يتعامل مع المنطقة وفق التصور الإسرائيلي الذي يصفها بـ”الحي اليهودي”، وكأنها جزء من دولة إسرائيل، وليس منطقة واقعة تحت الاحتلال العسكري وفق المعايير الدولية.
ويوضح القواسمة أن إجراءات البناء والتراخيص داخل المستوطنات المقامة في الخليل والأحياء الفلسطينية المجاورة لها شهدت تحولًا جوهريًا؛ فبعد أن كانت تستغرق أشهرًا طويلة، وأحيانًا سنوات، وكانت تتطلب إشعار البلدية التي غالبًا ما كانت تعترض وترفض، باتت اليوم تُنجز بوتيرة أسرع ومن دون أي إخطار مسبق، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، تعاملًا إسرائيليًا مع المنطقة خارج إطار كونها أرضًا محتلة خاضعة للحكم العسكري.
ويشير القواسمة إلى أن البلدية تواجه واقعًا غير مسبوق يتمثل في فرض جسم استيطاني موازٍ داخل حدودها الإدارية، وخارج نطاق المستوطنات القائمة في عمق المدينة، موضحًا أن التغييرات التي أقرها سموتريتش جعلت منطقة “H2” في البلدة القديمة تُعامل عمليًا باعتبارها جزءًا من “إسرائيل”.
مسارات للمواجهة
وفي مواجهة هذه التطورات، يلفت القواسمة إلى أن بلدية الخليل تعمل ضمن ثلاثة مسارات متوازية. أولها المسار القانوني، عبر الاستمرار في الإجراءات القضائية رغم محدودية الرهان على نتائجها المباشرة، بهدف استنفاد جميع السبل القانونية داخل منظومة الاحتلال، بما يتيح لاحقًا التوجه إلى المحاكم الدولية وإثبات استنفاد وسائل التقاضي. ويقرّ بأن هذا المسار طويل الأمد وقد لا يحقق نتائج سريعة، لكنه يبقى ضرورة قانونية لا يمكن تجاوزها.
أما المسار الثاني، وفق القواسمة، فيرتبط بتفعيل الحراك الدولي وتوسيع دائرة الضغط السياسي والدبلوماسي، عبر إثارة القضية في المحافل الدولية، بما فيها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى التواصل مع البرلمانات ووزارات الخارجية وحركات التضامن مع الشعب الفلسطيني حول العالم. وفي موازاة ذلك، يبرز تعزيز صمود السكان باعتباره المسار الثالث والأكثر التصاقًا بالواقع اليومي للمواطنين، إذ يؤكد القواسمة أن الهدف النهائي للحكومة الإسرائيلية يتمثل في تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين وإحكام السيطرة عليها، ما يفرض العمل على دعم الأهالي وتمكينهم من البقاء عبر تحسين مقومات العيش من خلال الخدمات.
ويرى نائب رئيس بلدية الخليل أن تنفيذ هذه المسارات يتجاوز قدرات البلدية وحدها، إذ إنها لا تملك الأدوات اللازمة لتحريك مجلس الأمن والقناصل والسفراء والبرلمانات العالمية وحركات التضامن الدولية، ما يستلزم جهدًا وطنيًا منظمًا تقوده السلطة الفلسطينية بالشراكة مع بلدية الخليل ومختلف المؤسسات ذات الصلة. وفي هذا السياق، يشدد القواسمة على أن “الدفاع عن الخليل لا يمكن اعتباره مسؤولية محلية تخص البلدية أو سكان المدينة فقط، بل هو واجب وطني جماعي”، مؤكدًا أن الحكومة الفلسطينية مطالبة بانخراط عملي جاد وفاعل في متابعة الملف، باعتباره قضية وطنية لا تقتصر على حدود بلدية الخليل.
