أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزةومضات

برك سليمان جنوب بيت لحم… وقف إسلامي ومعلم أثري يواجه التهويد

تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض سيطرة فعلية على “برك سليمان” الأثرية في بلدة أرطاس، جنوب غرب بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، في إطار ما يُعرف بمخططات “الاستيطان السياحي”، رغم وقوعها ضمن المناطق المصنّفة (A) الخاضعة إداريًا وأمنيًا للسلطة الفلسطينية، وقربها من مدينة القدس المحتلة.

وتحمل برك سليمان بعدًا تاريخيًا مهمًا، إذ كانت تُستخدم عبر قرون ماضية منظومةً مائيةً تغذي القدس وبيت لحم عبر قنوات تقليدية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، وصولًا إلى الحقبة العثمانية والانتداب البريطاني. ويُنظر إليها بوصفها أحد المصادر الرئيسية للمياه في المنطقة تاريخيًا، ما يمنحها قيمة أثرية مضاعفة.

وتكتسب المنطقة أهمية استراتيجية ودينية بالنسبة لمشاريع التوسع الاستيطاني، إذ تقع بمحاذاة جدار الفصل العنصري من الجهة الشرقية، وبالقرب من تجمع “غوش عتصيون” ومستوطنة “إفرات” جنوبًا، وتشهد بين حين وآخر اقتحامات لمستوطنين يؤدون طقوسًا تلمودية فيها بدعوى وجود ارتباط ديني بالمكان.

وفي 25 مايو/أيار الماضي، اقتحم عضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت الموقع، وتبعت ذلك اقتحامات أخرى قادها سوكوت، وأدى فيه طقوس سباحة رمزية، زاعمًا أنه “جزء من أراضي إسرائيل”، وهو اليوم نفسه الذي شهد اقتحام وزير المالية بتسلئيل سموتريتش المكان.

ويضع رئيس مجلس قروي أرطاس جميل ربايعة تطورات محاولات تهويد “برك سليمان” في سياق سياسي واضح يرتبط بمحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة، موضحًا في تصريحات صحفية، أن “ثمّة أطماعًا إسرائيلية واضحة في المنطقة تتجلى في الاقتحامات اليومية لجيش الاحتلال، وأحيانًا من قبل المستوطنين في أيام الجمعة، نهاية كل أسبوع، وتأدية صلوات تلمودية في أراضٍ فلسطينية خالصة تخضع لسيادة كاملة وفق اتفاقية أوسلو”.

ويربط ربايعة هذا التصعيد بقرارات إسرائيلية حديثة وتطورات سياسية ميدانية، لافتًا إلى أن وتيرة الاقتحامات ارتفعت بشكل لافت بعد إعلان مصادرة أراضٍ من البلدة خلال الأسابيع الأخيرة محاذية للبرك. ويبيّن ربايعة أن الاستيطان يزحف باتجاه أراضي برك سليمان، التي تبلغ مساحتها نحو 250 دونمًا، وتُعدّ “أراضي وقف إسلامي تتبع لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية”.

ويوضح ربايعة أن الاحتلال الإسرائيلي يربط “برك سليمان” بسرديات دينية خاصة، ويعتبرها مرتبطة بنبي الله سليمان وفق تسمياته التوراتية، ويسعى إلى تحويلها إلى وجهة سياحية ضمن مخططات استثمارية واسعة. ويؤكد ربايعة أن هذه الرؤية تتضمن مشاريع محتملة لضخ استثمارات بمئات الملايين، في ظل اعتقاد إسرائيلي بأن بقاء المنطقة تحت الإدارة الفلسطينية “خطأ تاريخي”. ويلفت ربايعة إلى توسع استيطاني جديد مرتبط بمستوطنة “إفرات” التي جرى توسيع حدودها مؤخرًا على حساب أراضٍ تابعة لبلدة أرطاس.

ويشير ربايعة إلى أن المسافة بين المستوطنة وبرك سليمان باتت لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا، بل تقل في بعض المواقع عن نصف كيلومتر، ما يعزز المخاوف من تهويد مباشر لمحيط البرك. وتترافق هذه التطورات مع شق شارع استيطاني جديد بمحاذاة المنطقة، يربط بشكل مباشر بين المستوطنة والمحيط القريب من البرك، وهو ما يعتبره ربايعة مؤشرًا على مسار متدرج لفرض السيطرة الميدانية.

وفي ضوء ذلك، يؤكد ربايعة أن ما يجري “تحرك منظم ومدروس للاستيلاء على برك سليمان وما فيها من معالم أثرية تتبع لمسار برك المياه والخزانات الأثرية”، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى قرارات مصادرة واسعة خلال الفترة المقبلة في محيط البرك.

وفي إجابته عن سؤال حول طرق مواجهة مخططات الاحتلال، يقول ربايعة: “نعمل على تعزيز الحضور الإعلامي والسياحي في الموقع، بما يشمل خطوات لإدراج المنطقة ضمن قائمة التراث العالمي لدى منظمة يونسكو، كما يجرى العمل على إنشاء متنزّه وموقع لاستقبال الزوار، وحشد الفعاليات الشعبية والأنشطة المجتمعية لتنفيذها في برك سليمان”.

ويدعو ربايعة إلى ضرورة تفعيل البعد الدبلوماسي من قبل وزارة السياحة عبر استقطاب سفراء أجانب للاطلاع على الواقع في البرك، كما طُرحت، وفق المعطيات نفسها، مقترحات تتعلق بإقامة مسجد في المنطقة وتحويلها إلى متنزه وطني.

وحول الوضع القانوني لبرك سليمان، يؤكد مدير دائرة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حسن بريجية، أنها تصنّف “في مناطق خاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، وتُعدّ موقعًا أثريًا ووقفًا إسلاميًا”، أي إنها، وفق التفسير القانوني لاتفاقية لاهاي لعام 1907، تعتبر “منشأة أثرية محمية” حتى أثناء “النزاعات المسلحة”، كما هو حال المدارس ودور العبادة. كما تدعم ذلك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (روما 1998) الذي يجرّم أفعال التهجير القسري.

وفي قراءة ميدانية للأبعاد السياسية، يُنظر إلى التوسع الاستيطاني في المنطقة، لا سيما في محيط مستوطنة “إفرات”، وفق بريجية، باعتباره جزءًا من مشروع أوسع يرتبط بمشروع “القدس الكبرى”، وربط الكتل الاستيطانية في جنوب الضفة الغربية بعضها ببعض. ويُشار في هذا السياق إلى أن المنطقة تقع ضمن دائرة اهتمام جغرافي وسياسي تشمل تجمع “غوش عتصيون”.

ويبيّن بريجية أن الاحتلال يحاول السيطرة على البرك ومحيطها عبر أدوات متعددة، مثل “إعلان أراضي دولة، والأوامر العسكرية، وتوسيع البنية التحتية الاستيطانية”، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية والجغرافية. ويُنظر إلى هذه الإجراءات بوصفها جزءًا من سياسة تهدف إلى خلق وقائع دائمة على الأرض، بما يفضي إلى تضييق المجال الجغرافي الفلسطيني وتجزئته.

ويعتبر بريجية أن جزءًا مما يجري في البرك “استعراض سياسي من قبل قادة دولة الاحتلال أمام المستوطنين، لا ينفصل عن الحسابات الانتخابية”، لكنه، في الوقت نفسه، يحمل مؤشرات خطيرة على مستوى التنفيذ. ويؤكد بريجية أن “ما يحدث يمثل دلالة وتسهيلًا وتوجيهًا للسيطرة، قدر الإمكان، على المواقع الأثرية، عبر ذرائع سياحية واقتصادية مغلّفة بإطار ديني”.

ولا يمكن فصل مسار الأحداث في برك سليمان عن مصادقة لجنة التعليم والثقافة والرياضة في الكنيست الإسرائيلي، برئاسة عضو الكنيست تسفي سوكوت، على مشروع قانون خلال فبراير/شباط الماضي، وهو نفسه الذي اقتحم الموقع لاحقًا. ويقضي المشروع، وفق نصه، بتعديل قانون سلطة الآثار الإسرائيلية بما يوسّع نطاق صلاحياتها لتشمل المسؤولية المباشرة عن رعاية الآثار والمواقع التراثية في جميع أنحاء الضفة الغربية، في خطوة يُنظر إليها فلسطينيًا باعتبارها محاولة لفرض سيطرة قانونية إسرائيلية على المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى