العمل السياسي في الداخل الفلسطيني أوسع من صندوق الاقتراع

أحمد سليمان
يُخطئ من يختزل العمل السياسي في الانتخابات فقط، ويقع في فخ الابتزاز من يروّج أن من يمتنع عن المشاركة فيها هو خامل أو يخدم أجندات اليمين. فالسياسة، في جوهرها النضالي، ليست طقسًا موسميًا يُراد منه تجديد شرعية النظام المأزوم، بل هي عملية مستمرة تشمل الدفاع عن الحقوق، وتنظيم المجتمع، والتأثير في السياسات العامة، وصياغة الوعي الجماعي. وما حصل في مجد الكروم مؤخرًا هو تجلٍّ لهذا العمل بأبهى صوره. كما أن المشاركة الفاعلة في التظاهرات والوقفات، ومواجهة المحاكم التعسفية، هي في صميم العمل السياسي؛ لأنها اشتباك مباشر مع أدوات القمع. لذلك فإن الانتخابات ليست سوى مسار واحد، وقد يكون أضيقها سقفًا، وليست المعيار الوحيد للحكم على مدى فاعلية الأفراد أو الجماعات.
في واقع الفلسطينيين في الداخل، تفرض السياسة نفسها على الجميع. ففي سياق الأقليات التي تواجه سياسات الإحلال والإقصاء، يُصبح مجرد الوجود على الأرض والبقاء فيها قرارًا سياسيًا. فالسياسات الحكومية المتعلقة بالأرض والمسكن والتعليم والميزانيات ومكافحة الجريمة والقرى غير المعترف بها، ليست مجرد أزمات مدنية، بل هي قضايا وجودية بامتياز تؤثر يوميًا على حياة المواطنين العرب، مما يجعل التفاعل معها ومحاولة التأثير فيها حالة يومية مستمرة، ومعركة على “الحق في المكان”.
وقد أثبتت التجربة التاريخية للفلسطينيين في الداخل أن أهم المحطات النضالية لم تكن مرتبطة بالانتخابات فقط. فـ “يوم الأرض” عام 1976، الذي تحوّل إلى محطة وطنية جامعة في الوعي الفلسطيني، لم يكن عملًا انتخابيًا، وإنما فعلًا سياسيًا جماهيريًا، أدرك فيه شعبنا أن الدفاع عن الجغرافيا هو دفاع عن التاريخ والهوية. كذلك الأمر بالنسبة للنضالات الشعبية ضد مصادرة الأراضي في الجليل والمثلث والنقب، والتي اعتمدت على إرادة الجماهير والاحتجاج والمتابعة القانونية والإعلامية، أكثر مما اعتمدت على المسار الانتخابي.
كما يبرز العمل السياسي في نشاط لجنة المتابعة العليا واللجان المنبثقة عنها؛ كجمعية «مقدساتنا» التي تتصدى لسرقة الأراضي والمقابر في محاولة لإنقاذ الذاكرة من براثن التهويد، ولجنة الحريات، والمؤسسات الحقوقية كـ “عدالة” و”ميزان” في متابعة الاعتقالات التعسفية، فضلًا عن تصدي لجنة متابعة قضايا التعليم لتشويه المناهج ورفض كيّ الوعي، عبر إصدار كتيب بديل للمدنيات، مثلًا. ورغم أهمية هذا الدور السياسي المباشر، فإن عمل لجنة المتابعة وسائر لجانها الفرعية لا يزال بحاجة ماسة إلى شحذ الهمم وتوسيع دائرة التأثير، لتتحول من حالة رد الفعل إلى مأسسة الصمود.
ويبرز العمل السياسي أيضًا في الحراكات الشبابية، وإن كانت محدودة بعض الشيء، ولكن يمكن أن تكون نواةً لعمل أكبر؛ فحراك أم الفحم الموحّد وحراك حيفا ضد موجة الجريمة وحرب الإبادة، شكّلا رافعة جديدة للعمل السياسي الشاب الذي يرفض تدمير المجتمع من الداخل. وإلى جانب العمل الطلابي في الجامعات، تبرز جهود الجمعيات الأهلية التي تُعنى بالعمل الثقافي، وتقوم بأدوار مباركة عبر إصدار الكتب، وإنتاج المسرحيات الهادفة، وتنظيم الندوات؛ فكل هذه المجالات تساهم في تحصين الروح الوطنية والحفاظ على الهوية، وهو ما يجعل الثقافة جزءًا أصيلًا من الفعل السياسي؛ فلا سياسة بلا وعي، ولا وعي بلا ثقافة.
إن التحدي الحقيقي أمامنا يتمثل في بناء رؤية شاملة تتكامل فيها الأدوات المختلفة (الشعبية، والأهلية، والحقوقية، والثقافية، والبرلمانية، والتربوية). فكل هذه المسارات تشكل معًا منظومة سياسية واحدة، وأي محاولة لاختزالها في الانتخابات تعني تقليص قدرة المجتمع على التأثير، وحبسه في قفص ردود الأفعال. ويقع العبء الأكبر لبناء هذه المنظومة على عاتق لجنة المتابعة، مستندةً إلى إرادة شعبنا وتاريخه الحافل بالمحطات المشرّفة التي تصلح كأساس متين لهذا البناء.
ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق تأثير حقيقي، لا يمكنه الاعتماد على النخب الحزبية التقليدية وحدها، بل يحتاج إلى إشراك الشباب والنساء باعتبارهم شركاء أساسيين. فكلما اتسعت مساحات مشاركتهم، ازدادت حيوية العمل السياسي وقدرته على اختراق جدران اليأس. ولنا في لجان إفشاء السلام خير مثال، حيث سعت إلى إشراك كافة شرائح المجتمع؛ فهذه المشاركة التطوعية الخالصة، التي تُبنى بعيدًا عن أروقة المؤسسات الحكومية المشبوهة، هي ما يعيد ضخ الحياة في عروق المجتمع، ويعيد الاعتبار للإنسان كفاعل سياسي لا كمجرد رقم انتخابي.
إن تحرير العمل السياسي من أسر الصناديق هو الخطوة الأولى نحو التحرر الفعلي. فالمجتمع الذي يحصر السياسة في صندوق الاقتراع مرة كل عدة سنوات، يحرم نفسه من طاقاته ويُسلّم إرادته، لا سيّما أن دوامة الانتخابات، بكل أشكالها، أشغلتنا واستنزفت طاقاتنا أكثر مما ينبغي على مدار عقود طويلة. أما المجتمع الذي يفهم السياسة باعتبارها فعلًا يوميًا مستمرًا، فإنه يحوّل كل مواطن إلى شريك، ويحوّل كل زقاق، ومدرسة، ومنبر إلى ساحة للدفاع عن الحق في صناعة المستقبل الجماعي.
