العلاج الأسري في ميزان العلم والممارسة المهنية..
موطني 48 يفتح نافذة حوارية مع الدكتورة نسرين حاج يحيى

مارية محاجنة
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها مجتمعنا، وتزايد الاهتمام بقضايا الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التمييز بين المعرفة العلمية المتخصصة، وبين المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية، حيث تختلط أحيانًا الخبرة الحقيقية بالاجتهادات غير المؤهلة. وفي هذا السياق، نسلّط الضوء في هذه المقابلة على واحد من أكثر التخصصات حساسية وارتباطًا باستقرار الأسرة والمجتمع، وهو مجال العلاج والإرشاد الأسري، من خلال حوار مع د. نسرين حاج يحيى الأكاديمية المتخصصة في العلاج الأسري.
نبذة تعريفية
حاصلة على درجة الدكتوراه في الخدمة الاجتماعية، علمًا بأنني حصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير بامتياز من الجامعة العبرية في القدس، وعلى درجة الدكتوراه من جامعة حيفا. كما حصلت على العديد من الجوائز والمنح التقديرية والتفوق الأكاديمي على مدار سنوات دراستي. وقد جمعتُ طوال مسيرتي المهنية بين العمل الأكاديمي والبحث العلمي والعمل العلاجي العيادي.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد بدأت مسيرتي كمساعدة بحث، ثم معيدة، إلى أن أصبحت محاضرة في سن الرابعة والعشرين في الجامعة العبرية في القدس. وبعد ذلك انتقلت للتدريس كمحاضرة لعدة سنوات في كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حيفا. إضافة إلى ذلك، أعمل منذ سنوات طويلة محاضرة في كلية سخنين الأكاديمية، حيث شغلت خلالها عدة مناصب إدارية. وأشغل اليوم منصب رئيسة برنامج الماجستير في الاستشارة التربوية في الكلية.
كما حصلت على درجة “محاضرة كبيرة” من مجلس التعليم العالي، وشاركت في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية، عرضت خلالها أبحاثي العلمية التي نُشرت أيضًا في عدد من المجلات العلمية المحكمة باللغات العربية والعبرية والإنجليزية.
أما في المجال العلاجي العيادي، فقد عملت لسنوات في علاج الأشخاص الذين يعانون من الإدمان على المخدرات، وفي مرافقة الأسرى المحررين، إضافة إلى العمل في مجال العنف الأسري. وبعد ذلك تخصصت في العلاج الأسري والزوجي، وأنا اليوم معالجة زوجية وأسرية مؤهلة، ومرشدة مؤهلة للمعالجين الأسريين والزوجيين.
كما تخصصت لاحقًا في العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT)، ولديّ عيادة خاصة أقدّم من خلالها خدمات العلاج للأفراد والأزواج والعائلات. ويشرفني أن أكون ناشطة في مجال التثقيف النفسي والأسري في المجتمع العربي في البلاد، من خلال المشاركة في العديد من المنابر والأطر المهنية والمجتمعية.
في ظل تزايد المحتوى المتعلق بالعلاج الأسري عبر مواقع التواصل، كيف يمكن للناس التمييز بين الأخصائي المؤهّل وبين من يدّعي الخبرة دون تأهيل علمي حقيقي؟
في السنوات الأخيرة شهدنا توسعًا غير مسبوق في المحتوى المتعلق بالصحة النفسية والعلاقات الأسرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو أمر يحمل جانبًا إيجابيًا يتمثل في زيادة الوعي وإتاحة المعرفة لشريحة أوسع من الناس. لكن في المقابل، أدى هذا الانفتاح إلى ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم كخبراء أو معالجين أو مستشارين أسريين دون امتلاك التأهيل العلمي أو المهني اللازم لممارسة هذا الدور الحساس.
من وجهة نظري، فإن أول معيار يجب أن ينتبه إليه الجمهور هو المؤهلات الأكاديمية والمهنية الواضحة. فالمعالج الأسري المؤهل لا يعتمد على الخبرة الشخصية أو التجارب الذاتية فقط، بل يستند إلى دراسة أكاديمية متخصصة، وتدريب مهني منهجي، وإشراف مهني مستمر، والتزام بأخلاقيات المهنة. لذلك من حق أي شخص أن يسأل عن التخصص الأكاديمي، والشهادات المهنية، والجهة التي منحتها، ونوعية التدريب الذي تلقاه المعالج، بل ومن حقه أيضًا أن يعرف ما إذا كان المعالج يخضع هو نفسه لإشراف مهني وإرشاد متخصص بشكل مستمر، لأن الإشراف المهني يعد أحد أهم معايير الجودة والمهنية في الممارسة العلاجية.
كما أنني أنصح دائمًا بالتحقق من عضوية المعالج في الجمعيات والهيئات المهنية المعترف بها، والتأكد من استيفائه لشروط التأهيل والترخيص المعتمدة. فهذه الهيئات لا تمنح العضوية لمجرد الرغبة أو الاهتمام بالمجال، وإنما بناءً على معايير أكاديمية ومهنية وأخلاقية محددة.
ولا أرى أي حرج في السؤال عن المعالج والتحقق من سمعته المهنية وخبرته العملية، تمامًا كما نفعل عندما نبحث عن طبيب أو محامٍ أو أي مهني آخر نتعامل معه في قضايا مهمة وحساسة. فالمعالج الجيد يترك أثرًا مهنيًا معروفًا، وتكون له سمعة إيجابية وشهادات من زملاء المهنة ومن المستفيدين من خدماته. لذلك يمكن الاستفسار عنه من أشخاص موثوقين داخل المجال المهني، والاستماع إلى تقييمات تستند إلى المعرفة والخبرة لا إلى الانطباعات العابرة.
ومن الأمور التي أعتبرها بالغة الأهمية أيضًا أن يسأل المستفيد المعالج مباشرة عن هويته المهنية ورؤيته العلاجية. ما هو تخصصه الدقيق؟ ما المدرسة أو المقاربة العلاجية التي يعمل من خلالها؟ كيف يفهم المشكلات الأسرية؟ وما الأسس التي يستند إليها في تدخله العلاجي؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمنح انطباعًا واضحًا عن مستوى نضجه المهني وعمق تكوينه العلمي.
كذلك ينبغي الانتباه إلى طبيعة الخطاب الذي يقدمه الشخص. فالمتخصص الحقيقي يدرك تعقيد العلاقات الإنسانية، ويتجنب تقديم حلول جاهزة أو وصفات سريعة تنطبق على جميع الحالات. وهو عادةً يتحدث بلغة متوازنة تعترف بالفروق الفردية وتراعي خصوصية كل أسرة وظروفها. أما مدّعو الخبرة فيميلون غالبًا إلى التعميم المفرط، وإطلاق الأحكام القطعية، وتقديم أنفسهم على أنهم يمتلكون إجابات نهائية لجميع المشكلات.
ومن العلامات المهمة أيضًا أن الأخصائي المؤهل يحترم حدود اختصاصه المهني، فلا يشخّص الحالات بشكل عشوائي عبر الإنترنت، ولا يصدر أحكامًا على أفراد أو أسر دون تقييم مهني مباشر، ولا يدّعي القدرة على حل المشكلات المعقدة من خلال مقطع قصير أو نصيحة عامة. في المقابل، فإن تجاوز هذه الحدود المهنية يُعد مؤشرًا مقلقًا على ضعف التأهيل أو غياب المعايير الأخلاقية.
وفي الحقيقة، أستغرب أحيانًا من التردد في طرح هذه الأسئلة، لأننا حين نحتاج إلى إجراء عملية جراحية، لا يمكن أن نسلّم أجسادنا لجراح من دون التحقق من مؤهلاته وخبرته وسجله المهني. فكيف نقبل أن نسلّم أسرارنا وحياتنا الزوجية والأسرية وصحتنا النفسية لشخص لم نتحقق من تأهيله ومهنيته؟ إن اختيار المعالج ليس قرارًا شكليًا، بل قرار بالغ الأهمية قد يؤثر بصورة مباشرة في حياة الأفراد والأسر، ولذلك يستحق القدر نفسه من التدقيق والمسؤولية.
فالعلاج الأسري ليس مجموعة نصائح عابرة، بل عملية مهنية وعلمية تستند إلى معرفة متخصصة وخبرة عملية وأخلاقيات مهنية تهدف إلى حماية الأسرة ومساعدتها على تحقيق التغيير الإيجابي بصورة آمنة ومسؤولة.
ما أبرز الأخطاء أو الممارسات التي يقع فيها بعض مدّعي العلاج والإرشاد الأسري، وتؤدي أحيانًا إلى تعقيد المشكلات الأسرية بدل حلّها؟
من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض مدّعي العلاج والإرشاد الأسري أنهم يتعاملون مع المشكلات الأسرية وكأنها قضايا بسيطة يمكن حلها من خلال نصائح عامة أو أحكام سريعة، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالعلاقات الأسرية تتأثر بعوامل نفسية وشخصية واجتماعية متعددة، وتتطلب فهمًا مهنيًا عميقًا ومهارات علاجية متخصصة.
ولا تكمن المشكلة فقط في غياب المعرفة النظرية، بل أيضًا في غياب المهارات العملية اللازمة للتعامل مع الأزمات الأسرية وإدارة الجلسات العلاجية والتدخل بصورة مهنية تساعد الأسرة على إحداث تغيير حقيقي. ولذلك قد نجد أن بعض التدخلات لا تفشل في حل المشكلة فحسب، بل تؤدي أحيانًا إلى زيادة التوتر والصراع بين أفراد الأسرة.
لكن الأخطر من ذلك هو ضعف القدرة على التشخيص أو غياب التشخيص المهني أصلًا. فبعض المشكلات التي تبدو ظاهريًا على أنها خلافات زوجية أو أسرية قد تكون مرتبطة باضطرابات نفسية أو بصعوبات عميقة في بنية الشخصية لدى أحد الأطراف، وهنا يصبح التشخيص الدقيق عنصرًا أساسيًا في فهم المشكلة واختيار التدخل المناسب.
ومن خلال عملي المهني، وصلتني حالات عديدة يمكن وصف أصحابها بـ”متضرري مدّعي العلاج”، حيث تم التعامل مع مشكلاتهم بصورة سطحية، أو جرى إغفال وجود اضطرابات نفسية وشخصية كانت تتطلب تقييمًا مهنيًا متخصصًا. وفي بعض الحالات لم يقتصر الأمر على عدم تقديم المساعدة، بل تسبب التدخل غير المهني في إلحاق ضرر إضافي بالأفراد والعلاقات الأسرية وتأخير حصولهم على العلاج المناسب.
لذلك فإن العلاج الأسري ليس مجرد قدرة على تقديم النصائح أو الحديث عن العلاقات، بل هو ممارسة مهنية تتطلب تأهيلًا علميًا، ومهارات علاجية متخصصة، وقدرة على التقييم والتشخيص، والتزامًا بأخلاقيات المهنة. وعندما تغيب هذه العناصر، قد يتحول التدخل من فرصة للمساعدة إلى مصدر إضافي للأذى.
إلى أي مدى يمكن أن تكون النصائح العامة والخطابات التحفيزية خطيرة عندما تُقدَّم كبديل عن العلاج الأسري المهني المتخصص؟
لا شك أن للنصائح العامة والخطابات التحفيزية دورًا إيجابيًا في رفع الوعي وتشجيع الناس على التفكير في علاقاتهم ومشكلاتهم بطريقة مختلفة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتم تقديمها كبديل عن العلاج الأسري المهني المتخصص. فهناك فرق جوهري بين التثقيف العام وبين العملية العلاجية. التثقيف يقدم معلومات عامة قد يستفيد منها الجميع، أما العلاج فيتعامل مع حالة محددة لها تاريخها وظروفها وتعقيداتها الخاصة.
تكمن الخطورة في أن النصائح العامة تفترض ضمنيًا أن المشكلة واحدة والحل واحد، بينما الواقع الأسري أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فما قد يكون مناسبًا لأسرة معينة قد يكون ضارًا لأسرة أخرى. لذلك فإن تطبيق نصائح عامة على مشكلات خاصة قد يؤدي أحيانًا إلى سوء فهم المشكلة الحقيقية أو إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على معلومات غير كافية.
كما أن الخطابات التحفيزية تميل بطبيعتها إلى التبسيط وإعطاء رسائل سريعة ومؤثرة، بينما تتطلب المشكلات الأسرية غالبًا فهمًا عميقًا للديناميكيات العائلية، وأنماط التواصل، والخلفيات النفسية والشخصية للأفراد. وفي بعض الأحيان قد يشعر الشخص بعد متابعة هذا المحتوى أنه فهم مشكلته أو عالجها، بينما يكون في الواقع قد حصل فقط على شعور مؤقت بالراحة أو الأمل دون معالجة الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها.
ومن أخطر ما أراه في الممارسة المهنية أن بعض الأشخاص يؤخرون طلب المساعدة المتخصصة لسنوات اعتمادًا على محتوى تحفيزي أو نصائح عامة، إلى أن تصل المشكلة إلى مراحل أكثر تعقيدًا. وقد صادفت حالات عديدة لجأت إلى العلاج بعد استنزاف طويل في متابعة نصائح متفرقة لم تساعدها على فهم طبيعة المشكلة، بل أخّرت وصولها إلى التدخل المهني المناسب.
أنا لا أدعو إلى التقليل من قيمة التثقيف أو التحفيز، فلكل منهما دور مهم ومشروع، لكن ينبغي أن ندرك حدودهما. فكما أن قراءة معلومات طبية على الإنترنت لا تغني عن مراجعة الطبيب عند الحاجة، فإن متابعة المحتوى الأسري أو النفسي لا تغني عن العلاج المتخصص عندما تكون هناك أزمة حقيقية أو معاناة مستمرة داخل الأسرة.
لذلك أرى أن الاستخدام الصحي لهذا النوع من المحتوى هو أن يكون بوابة للوعي وطلب المساعدة، لا بديلًا عن المساعدة المهنية نفسها. فالعلاج الأسري ليس مجموعة أفكار مشجعة أو نصائح عامة، بل عملية مهنية قائمة على التقييم والفهم والتشخيص والتدخل العلاجي المنهجي الذي يراعي خصوصية كل أسرة وحاجاتها الفريدة.
ما العلامات التي تدل على أن المعالج أو المرشد يتجاوز حدوده المهنية، أو يمارس نوعًا من التوجيه المؤذي داخل الأسرة؟
من أهم المؤشرات التي تدل على أن المعالج أو المرشد يتجاوز حدوده المهنية أن يتحول من شخص يساعد الأسرة على الفهم واتخاذ القرارات إلى شخص يتخذ القرارات عنها. فالمعالج المهني لا يفرض إرادته على المستفيدين، ولا يملي عليهم كيف يجب أن يعيشوا أو ماذا يجب أن يقرروا، وإنما يساعدهم على رؤية الصورة بشكل أوضح واتخاذ قراراتهم بصورة واعية ومسؤولة.
ومن العلامات المقلقة أيضًا أن يبدأ المعالج بإصدار أحكام قاطعة على أفراد الأسرة بعد معرفة محدودة أو بعد الاستماع إلى طرف واحد فقط. فالممارسة المهنية تقتضي التروي وجمع المعلومات وفهم وجهات النظر المختلفة قبل الوصول إلى أي استنتاج. أما التسرع في تصنيف الأشخاص أو شيطنة أحد الأطراف أو تحميله كامل المسؤولية، فإنه غالبًا ما يؤدي إلى تعميق الانقسام والصراع داخل الأسرة.
كما يظهر تجاوز الحدود المهنية عندما يفرض المعالج قناعاته الشخصية وعدم احترام معتقداتهم وثوابتهم. فالمعالج ليس صاحب سلطة أخلاقية على حياة الآخرين، ومهمته ليست تشكيل الناس وفق قناعاته الخاصة، بل مساعدتهم على تحقيق قدر أكبر من الفهم والتوازن والقدرة على التعامل مع مشكلاتهم.
ومن العلامات التي تستدعي الانتباه أيضًا أن يدّعي المعالج امتلاك الحقيقة الكاملة أو الحل النهائي لكل مشكلة، أو أن يرفض أي رأي مهني آخر، أو يتعامل مع نفسه باعتباره المرجعية الوحيدة التي يجب اتباعها. فالتواضع العلمي والمهني من أهم سمات المعالج المؤهل، وهو يدرك حدود معرفته ويعرف متى يحتاج إلى الاستعانة بزملاء المهنة أو إحالة الحالة إلى مختص آخر.
وفي المجال الأسري تحديدًا، أعتبر من أخطر أشكال التوجيه المؤذي دفع الأفراد نحو قرارات مصيرية قبل فهم الصورة الكاملة للمشكلة. فالتشجيع السريع على الانفصال، أو القطيعة الأسرية، أو التصعيد في العلاقات دون تقييم مهني متأنٍ، قد يخلّف آثارًا عميقة وطويلة الأمد على جميع أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال.
كذلك ينبغي الانتباه إلى المعالج الذي يتجاوز حدود اختصاصه، فيتجاهل احتمالية وجود اضطرابات نفسية أو مشكلات في بنية الشخصية أو حالات تستدعي تقييمًا سريريًا متخصصًا، ويستمر في تقديم تفسيرات مبسطة لمشكلة قد تكون أكثر تعقيدًا. فالمعالج المهني يدرك أن بعض المشكلات الأسرية ليست مجرد صعوبات في التواصل، بل قد تكون مرتبطة بعوامل نفسية أعمق تتطلب تشخيصًا وتدخلًا متخصصًا.
وأرى أن المعيار الأهم في النهاية هو أن العلاقة العلاجية يجب أن تزيد من قدرة الأفراد على التفكير والفهم والاستقلالية، لا أن تجعلهم أكثر اعتمادًا على المعالج أو أكثر خوفًا وحيرة. فكل ممارسة تقلل من استقلالية المستفيد، أو تدفعه لاتخاذ قرارات لا تنسجم مع مصلحته أو واقعه، أو تضع المعالج في موقع السلطة المطلقة، هي ممارسة تستدعي التوقف عندها ومراجعتها بجدية
برأيك، ما الأسس الصحيحة التي ينبغي أن يقوم عليها العلاج الأسري الناجح، خاصة في مجتمعاتنا التي تتداخل فيها الجوانب النفسية والدينية والاجتماعية؟
في اعتقادي، يقوم العلاج الأسري الناجح على أسس علمية ومهنية واضحة، تبدأ بالتقييم الدقيق للمشكلة وفهم الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها، لا الاكتفاء بالتعامل مع الأعراض الظاهرة. فالمشكلات الأسرية غالبًا ما تكون نتاج تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وثقافية متعددة، وقد ترتبط أحيانًا باضطرابات نفسية أو بصعوبات في بنية الشخصية لدى أحد أفراد الأسرة، الأمر الذي يتطلب تشخيصًا مهنيًا دقيقًا وتدخلًا متخصصًا مناسبًا.
كما يقوم العلاج الناجح على بناء علاقة علاجية قائمة على الثقة والاحترام والحياد المهني، بحيث يشعر جميع أفراد الأسرة بالأمان والقدرة على التعبير عن أنفسهم دون خوف من الإدانة أو الانحياز. فهدف العلاج ليس إصدار الأحكام أو فرض القرارات، وإنما مساعدة الأسرة على فهم أنماط التفاعل بينها وتطوير أدوات أكثر صحة للتواصل والتعامل مع الخلافات والتحديات.
وفي مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني، لا يمكن فصل العلاج الأسري عن السياق الثقافي والاجتماعي والديني الذي تعيش فيه الأسرة. فالمعالج المهني لا يطبق نماذج مستوردة بصورة آلية، بل يراعي خصوصية المجتمع وقيمه وبنيته الأسرية. كما أن الدين الإسلامي الحنيف يشكل لدى كثير من الأسر مرجعية أخلاقية وقيمية مهمة، ولذلك ينبغي أن يكون العلاج منسجمًا مع هذه القيم ومحترمًا لها، مع المحافظة في الوقت نفسه على الأسس العلمية والمهنية للعمل العلاجي.
ومن هنا أرى أن العلاج الأسري الأكثر نجاحًا هو ذلك الذي يجمع بين الكفاءة العلمية والخبرة المهنية والحساسية الثقافية، ويحقق التوازن بين المعرفة النفسية المتخصصة وبين قيم المجتمع وهويته. فعندما يتوافر التشخيص السليم، والتدخل المهني المناسب، واحترام خصوصية الأسرة وثقافتها، يصبح العلاج مساحة حقيقية للفهم والتغيير والنمو، ويساعد الأسر على مواجهة تحدياتها بطريقة صحية ومستدامة.
كلمة أخيرة تودين اضافتها
أود أن أؤكد في ختام هذه المقابلة أن الصحة النفسية والأسرية ليست رفاهية، بل هي ركيزة أساسية لاستقرار الفرد والأسرة والمجتمع. وفي الوقت الذي نشهد فيه تزايدًا في الاهتمام بقضايا العلاج والإرشاد الأسري، تزداد أيضًا أهمية التمييز بين التثقيف العام وبين الممارسة المهنية المتخصصة.
رسالتي للأسر والأفراد هي ألا يترددوا في طلب المساعدة عندما يحتاجون إليها، وألا يكتفوا بالمحتوى المتداول أو بالنصائح العامة عند مواجهة مشكلات معقدة أو مستمرة. كما أدعو إلى التحقق من مؤهلات المعالج وخبرته المهنية، لأن اختيار المختص المناسب قد يكون عاملًا حاسمًا في نجاح العملية العلاجية.
وأؤمن بأن الأسرة، رغم ما قد تواجهه من أزمات وتحديات، تمتلك في كثير من الأحيان قدرات كبيرة على التعافي والنمو عندما تتوفر لها المساندة المهنية الصحيحة. فالعلاج الأسري في جوهره ليس البحث عن مذنب أو إصدار أحكام، بل هو مسار يهدف إلى تعزيز الفهم والحوار والوعي، وتمكين الأفراد والأسر من بناء علاقات أكثر صحة واستقرارًا واحترامًا.
وأخيرًا، فإننا في مجتمعنا العربي الفلسطيني أحوج ما نكون إلى ترسيخ ثقافة مهنية مسؤولة في مجال الصحة النفسية والعلاج الأسري، تجمع بين العلم والأخلاق المهنية، وتحترم هويتنا الثقافية وقيمنا الدينية والإنسانية، بما يسهم في بناء أسر أكثر تماسكًا ومجتمع أكثر صحة وقدرة على مواجهة التحديات.
