أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتومضات

الرفض الأمني .. سياسة إسرائيلية تعسفية تمنع فلسطينيين من العودة إلى غزة

“كنت أظن أن ساعات فقط تفصلني عن أطفالي، ولكن فجأة أبلغوني بأن اسمي غير مسموح له بالعودة”. بهذه الكلمات تختصر م. م، وهي أم فلسطينية من قطاع غزة في الرابعة والثلاثين من عمرها، مأساة استمرت قرابة عامين كاملين.

غادرت م. م غزة للعلاج بعد أشهر من اندلاع حرب الإبادة، تاركة خلفها زوجها وأغلب أطفالها، ولم تكن تتخيل أن رحلة العلاج ستتحول إلى منفى قسري بلا أفق. حين سجّلت اسمها أخيرًا للعودة عبر مصر، ظنّت أن المعاناة شارفت على نهايتها، لكن الرفض الإسرائيلي جاء مفاجئًا وبلا تفسير، تاركًا إياها في حالة صدمة، على حد وصفها، “قلبي مكسور لأن أطفالي ما زالوا ينتظرونني منذ نحو عامين”.

قصة م. م ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات الشهادات التي وثّقها مركز غزة لحقوق الإنسان خلال الأسابيع الأخيرة، والتي تكشف نمطًا متكررًا ومتصاعدًا: منع مواطنين فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال ومرضى وكبار سن، من العودة إلى قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ”الرفض الأمني” الصادر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي، دون تسبيب ودون أي آلية قانونية فعالة للطعن.

آلية معقدة تنتهي غالبًا بالرفض الصامت
وبحسب المركز الحقوقي، فإن الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى غزة يضطرون أولًا لتسجيل أسمائهم لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة أو عبر شركة تنسيق خاصة، لتعرض هذه الأسماء لاحقًا على سلطات الاحتلال لفحصها ومنح الموافقات، في عملية قد تستغرق أيامًا أو أسابيع كاملة من الانتظار المعلّق.

الأخطر من طول الإجراءات، بحسب الشهادات الموثّقة، هو أن قرارات الرفض تأتي متكررة ومفاجئة، وتطال فئات لا تصنَّف عادة ضمن دواعي الأمن، كالنساء والمسنين والأطفال، دون تقديم أي مبرر، وهو ما يحوّل حق العودة إلى الوطن، بحسب وصف المركز، إلى “امتياز خاضع للإرادة المنفردة لسلطات الاحتلال”.

السيدة عائشة، 42 عامًا، تعيش فصلًا مشابهًا من هذه المأساة. منذ أشهر وهي بعيدة عن زوجها وأبنائها، ورغم إدراكها لحجم الخطر المستمر في غزة وعدم توقف الموت والجوع فيها، اختارت العودة لتلمّ شمل أسرتها التي فقدت عددًا من أفرادها خلال الحرب. لكنها فوجئت، هي الأخرى، برفض اسمها. تقول بحسرة: “لماذا عودتي إلى بيتي المدمر تحتاج إلى موافقة من الاحتلال؟ أشعر أن حياتنا معلقة بقرار لا نعرف أسبابه ولا موعد تغييره”.

أما المسنّ عبد العزيز، 68 عامًا، فغادر غزة أملًا في العلاج فقط، معتقدًا أن غيابه لن يطول. لكنه اصطدم بدوره برفض طلب عودته. يقول: “أكثر ما يؤلمني وحدتي في غربتي وقلقي على أبنائي وأحفادي، أريد أن أعود لنكون معًا في وطننا مهما كان”.

إذلال حتى بعد الموافقة
الأزمة، بحسب المركز، لا تنتهي عند حدود الرفض. فحتى من يسمح لهم بالعودة يجدون أنفسهم أمام سلسلة طويلة من الإجراءات الأمنية المعقدة والمهينة عند العبور، تشمل عمليات تفتيش مطوّلة ومذلة، واستجوابات متكررة، ومصادرة مقتنيات شخصية.

وقد وثّق المركز حالات اعتقال طالت عائدين كانوا يحملون موافقات مسبقة، إضافة إلى تعرّض بعضهم، وضمنهم نساء، للضرب وسوء المعاملة والتهديد والابتزاز أثناء إجراءات العبور.

سياسة ممنهجة
يرى مركز غزة لحقوق الإنسان أن تراكم هذه الممارسات يتجاوز في حقيقته أي اعتبارات أمنية معلنة، ليكشف عن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، وإضعاف الروابط الأسرية والاجتماعية، وإخضاع حق العودة لقيود تعسفية، بما ينسجم مع مساعٍ أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في قطاع غزة وفرض التهجير القسري كأمر واقع.

غطاء قانوني دولي واضح ينتهك صراحة
ووفق المركز، فإن هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة 12/4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر صراحة حرمان أي شخص تعسفًا من حق الدخول إلى بلده، فيما تحمي المادة 17 من العهد ذاته الحياة الأسرية من أي تدخلات تعسفية، وتكفل المادة 23 حماية الأسرة بوصفها الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع.

كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 أي تدابير تُلحق الضرر بالأشخاص المحميين أو تفرّق الأسر أو تؤدي إلى نقلهم أو تهجيرهم قسرًا، فيما ينص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الإبعاد أو النقل القسري للسكان، متى ارتُكب ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، إضافة إلى كونه انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني عندما يطال أشخاصًا محميين في أراضٍ محتلة.

دعوة عاجلة للتحرك الدولي
وفي ضوء ذلك، طالب مركز غزة لحقوق الإنسان الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمقررين الخاصين المعنيين بحقوق الإنسان، والمجتمع الدولي عمومًا، بالتحرك العاجل لضمان عودة جميع الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة دون قيد أو شرط، ووضع حد لسياسة المنع التعسفي، وتأمين آليات عبور إنسانية تحترم الكرامة الإنسانية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المسافرين.

واختتم المركز بيانه بالتأكيد على أن الحق في العودة إلى الوطن، وحرية التنقل، ووحدة الأسرة، هي حقوق غير قابلة للمساومة أو التعليق بإرادة سلطة الاحتلال، وأن أي سياسة تهدف إلى إبقاء الفلسطينيين قسرًا خارج أماكن إقامتهم تُعد جزءًا من منظومة أوسع ترمي إلى فرض التهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف هذه الانتهاكات وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى