سنوات الرصاص

د. أحمد سليمان (المشهد)
“سنوات الرصاص” (Anni di piombo) في إيطاليا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. في تلك الفترة، شهدت إيطاليا سلسلة من التفجيرات الإرهابية الدامية (مثل تفجير ساحة فونتانا عام 1969)، والتي نُسبت في البداية إلى جماعات يسارية متطرفة. كان الهدف من هذه العمليات هو خلق حالة من الرعب الشعبي الشامل.
كشفت التحقيقات لاحقًا (بما في ذلك تحقيقات برلمانية) أن أجهزة استخبارات تابعة للدولة، بالتعاون مع مجموعات يمينية متطرفة، كانت متورطة في هذه التفجيرات. الهدف لم يكن حماية الدولة، بل “استراتيجية التوتر”: جعل المواطنين يشعرون بأن حياتهم في خطر دائم بسبب “الفوضى”، مما يضطرهم إلى الالتفاف حول الحكومة والمؤسسات الأمنية القائمة، والتصويت للأحزاب التقليدية التي تعد بـ”استعادة النظام”، والتخلي عن دعم الحركات الراديكالية أو الإصلاحية الجذرية.
المؤسسة الأمنية في إيطاليا لم تكن “عاجزة” عن وقف العنف، بل كانت هي “المُحرك” أو “المغذي” له لضمان بقاء الساحة السياسية تحت سيطرة معينة، ولإعادة دمج الجمهور في العملية الانتخابية وفقًا للأجندة التي تخدم استمرارية النخبة.
استمعت مؤخرًا إلى مقابلة مع أحد الإعلاميين البارزين في الشؤون السياسية الداخلية، وقال إن “هذه الحكومة هي الأسوأ على الإطلاق، وإنه من البرود بمكان أن نساويها بغيرها من الحكومات. ومن أجل مواجهة آفة الجريمة والعنف التي تعصف بمجتمعنا، علينا أن نهب جميعًا للتصويت ونقوي المعسكر المناهض لهذه الحكومة”.
وهنا أظن أن الهدف الرئيس من تواطؤ المؤسسة الأمنية والسياسية مع ما يحصل في مجتمعنا، أنه تحقق. فأصبحنا نلهث نحو التصويت (وهذا مراد المؤسسة)، أن يشترك أكبر عدد من العرب في العملية الانتخابية، وعندما تراجع عدد المصوتين (عام 2000 وما بعده) لجأت هذه المؤسسة إلى سبل أخرى وطرق مختلفة، ولا يهمها الثمن.
هذا النمط يكرس ما يسميه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين “حالة الاستثناء”، حيث تصبح الأزمة (الجريمة/العنف) هي الوسيلة الدائمة لتعليق القوانين العادية وإدارة المجتمع بالخوف. ويبقى الأمل بوصلتنا التي لا تضل.
