أخبار رئيسيةتقارير ومقابلاتعرب ودوليومضات

هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدية؟

“لم يسألني سؤالا، بل حوّل منصة المجلس البلدي إلى ساحة لمحاكمتي”، بهذه الكلمات تختزل الشابة الكندية العربية تقى علي (24 عاما) ، معلمة لغة إنجليزية، اللحظات العصيبة التي عاشتها داخل قاعة مجلس مدينة كالغاري، في واقعة تعكس المنعطف الخطير الذي اتخذته حوادث الإسلاموفوبيا في كندا مؤخرا، حيث انتقل التمييز من الشارع والمنصات الافتراضية ليخترق ردهات المؤسسات الرسمية والمنتخبة.

بدأت الحادثة كأي مشاركة مدنية واعية؛ حيث كانت تقى تشارك في جلسة استماع عامة مخصصة للنقاش حول “الصحة العقلية” بحكم تخصصها العلمي. وتروي تقى تفاصيل تلك اللحظة قائلة: “بعد أن انتهت الجلسة وجاءت فقرة الأسئلة والأجوبة، طلب أحد أعضاء المجلس أن يوجه لي سؤالا، فعدتُ مرة أخرى إلى المنصة بكل رحابة صدر، لكنه لم يسأل وإنما كال لي الاتهامات مدعيا أن ارتدائي للكوفية الفلسطينية هو سلوك عنصري ومعادٍ للسامية”.

الشابة تقى مواطنة كندية مسلمة من أصول عربية تعرضت لاتهامات بسبب الكوفية

وتأتي واقعة تقى علي في سياق موجة متصاعدة من حوادث الإسلاموفوبيا التي شهدتها كندا مؤخرا؛ حيث سُجلت أحدث هذه الاعتداءات في مطلع مايو/أيار الماضي في مدينة سانت ألبرت بمقاطعة ألبرتا، إثر تعرض رجل مسلم للضرب الوحشي الذي أسفر عن إصابته بجروح خطيرة، وقبلها في أبريل/نيسان تلقت جمعية الطلاب المسلمين في جامعة كالغاري رسائل إلكترونية تحمل تهديدات صريحة أثارت الذعر بين الطلبة.

كما واجه مركز إسلامي في تورونتو في فبراير/شباط الماضي تهديدا هاتفيا توعد فيه المتصل بتكرار مجزرة كرايستشيرش النيوزيلندية، مما فرض تشديدا أمنيا فوريا حول المساجد، وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 شهدت مدينة مونتريال اعتداء بسلاح أبيض وتهديدا بالقتل استهدف سائق أجرة مسلم (أوبر) بعد استجوابه من قِبل راكب حول معتقده الديني.

الشابة تقى علي ، ترتدي الكوفية، خلال جلسة استماع في مجلس بلدية كالغاري

غياب السند
لم يتوقف الأمر عند حدود الاتهام اللفظي، بل امتد ليتجاوز أبسط القواعد الديمقراطية وحقوق المواطنة، وتتابع تقى بحرقة: “نعم، شعرتُ بالإحباط والحزن الشديد عندما تم إسكاتي ومنعي تماما من الدفاع عن نفسي وعن الحق، على الرغم من أن عضو المجلس أخذ كل الوقت الذي أراده لتوجيه ادعاءاته”.

وما زاد من مرارة الموقف هو غياب السند المجتمعي الفوري في تلك القاعة الرسمية، وتضيف: “لم أجد أي تضامن فوري، بل على العكس؛ بعض الحاضرين بدأوا بالتصفيق بحماس عندما تم إسكاتي وحرماني من الكلام”.

هذه التجربة القاسية تركت جرحا عميقا في علاقة الشابة بمدينتها وبالمؤسسة السياسية التي تديرها؛ حيث تؤكد أنها منذ ذلك اليوم وهي تشعر بقلة الأمان في كالغاري، وتضيف “فقدت الثقة فيمن انتخبناهم ليمثلونا في مجلس المدينة”.

وأمام محاولات شيطنة الكوفية وربطها بالإرهاب أو الكراهية الدينية، تضع تقى النقاط على الحروف بوعي تام قائلة: “ارتداء الكوفية يرمز إلى الاعتراض الإنساني على قتل الأبرياء من الأطفال والنساء خلال المجازر الإسرائيلية في غزة. هذا الاعتراض هو موقف ضد الصهيونية وليس ضد اليهودية كدين”.

ورغم أن الخوف بات رفيقا يوميا لها، إلا أن الحادثة ولدت لديها إصرارا عكسيا، وتختتم تقى شهادتها: “لا أنكر أنه ينتابني شعور بعدم الأمان الآن عند ارتداء الكوفية في الأماكن العامة، ولكن بصراحة بعد كل ما حدث، أصبحت أشعر بمسؤولية مضاعفة ودافع أكبر لارتدائها أكثر فأكثر”.

الناشط في الجالية اليهودية بكالغاري، بيتر دريفتماير يعتبر ان بعض المسؤولين يستغلون الهوية اليهودية لتمرير أجندات عدائية

استغلال الهوية اليهودية
واعتبر الناشط في الجالية اليهودية بكالغاري، بيتر دريفتماير، أن تعليقات المستشار دان ماكلين حول كوفية الشابة تقى هي محاولة عنصرية للتهرب من القضايا الجوهرية التي جاءت لمناقشتها، كالإسكان الاجتماعي والصحة النفسية. منتقدا بشدة ربط الكوفية بالفصائل المسلحة. وأكد أن هذا الطرح يتجاهل دلالتها الحقيقية التي تعبر عن الثقافة الفلسطينية والهوية العربية.

ولفت دريفتماير في تصريحات صحفية إلى أن ماكلين يستغل الهوية اليهودية لتمرير أجندة سياسية يمينية متطرفة وعنصرية، مطالبا السياسيين بالتوقف عن إقحام المجتمع اليهودي في مواقفهم الإقصائية. وحذر من أن هذا الاستغلال يخدم مصالح ضيقة ويجعل من اليهود أهدافا لردود الأفعال، وهو أمر غير عادل ومجحف بحق المجتمعات اليهودية والمسلمة والعربية على حد سواء، ويعمق الاحتقان ويمزق النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.

مسؤول العلاقات الحكومية بالمجلس الوطني لمسلمي كندا، محمد عواضة يؤكد مطالبة المجلس البلدي في كالغاري بالاعتذار

تحيز وتمييز رسمي
وأكد مسؤول العلاقات الحكومية بالمجلس الوطني لمسلمي كندا، محمد عواضة، أن ما يصدر عن بعض أعضاء المجالس البلدية والمسؤولين الحكوميين تجاه الهوية الإسلامية يساهم في خلق الانقسام وتأجيج الكراهية، محذرا من خطورة تعزيز التصورات السلبية ضد جالية بأكملها.

وأوضح عواضة في تصريحات صحفية أن الشابة “تقى علي” تعرضت للتنمر والإهانة من قِبل المستشار دان ماكلين، الذي فرض عليها نقاشا سياسيا خارجا عن سياق موضوعها الأساسي، موجها لها خطابا يربط عمدا بين الكوفية والإرهاب، رغم أن حضورها لم يكن له أي علاقة بالسياسة أو القضايا الدينية.

وتابع أن هذه الواقعة تكشف عن ازدواجية واضحة وتحيز داخل المرافق البلدية؛ إذ يُسمح للأشخاص من مختلف الخلفيات بارتداء وإظهار رموزهم الدينية والثقافية بكل حرية، في حين تُعامل الكوفية الفلسطينية وحدها بهذا الأسلوب الاستجوابي والإقصائي.

وأكد عواضة أنه تمت مطالبة المجلس البلدي رسميا بتقديم اعتذار عن الواقعة، مشيرا إلى أن مجلس مسلمي كالغاري نظّم اجتماعات مع المستشار دان ماكلين، والمستشارة راجدا ليوالد التي شاركت أيضا في التنمر على الشابة تقى، موضحا أن الاجتماعات أسفرت عن تقديم ليوالد وماكلين اعتذارا شخصيا لتقى، دون إصدار أي بيان أو اعتذار رسمي من قِبل إدارة البلدية، وشدد على استمرار المجلس في متابعة القضية لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث داخل قاعات المجلس البلدي مستقبلا.

جانب من الاجتماع الذي عقده ممثلو المؤسسات والجمعيات الإسلامية في كالغاري مع أعضاء المجلس البلدي

عوامل تغذية الإسلاموفوبيا
وعن العوامل التي ساهمت في تغذية هذه النبرة العدائية ضد المسلمين، بيّن عواضة أن المشهد يرتبط ارتباطا وثيقا بالأحداث العالمية الجارية في الشرق الأوسط، وتحديدا في غزة ولبنان، وما تشهده من جرائم ضد الإنسانية ومجازر بحق المدنيين من النساء والأطفال، فضلا عن الكارثة الإنسانية المتمثلة في التجويع والترهيب.

وأشار إلى أن دعوات الكثير من الكنديين للتغيير ووقف هذه الانتهاكات قوبلت بموجة مضادة من الكراهية الموجهة ضد المسلمين والفلسطينيين، إلى جانب تصاعد العداء ضد المهاجرين بشكل عام، منوها إلى أن قادة البلاد مطالبون باتخاذ مواقف أكثر حزما لمواجهة هذا الشحن، لكون غياب الردع الرسمي يساهم بشكل مباشر في تشجيع خطاب الكراهية وتجرؤ المعتدين.

ويرى محمد عواضة أن القوانين الحالية المتعلقة بجرائم الكراهية في كندا غير كافية لردع المعتدين نظرا لتعقيد تعريفها القانوني وتداعياته الصعبة عند التطبيق، مطالبا الدولة والحكومات المحلية بإعادة صياغة العقوبات وتشديدها لمواجهة خطابات الكراهية المتصاعدة في قاعات الاجتماعات ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي باتت تتطور بشكل مقلق وتترجم إلى مواجهات تسبب أذى جسديا ونفسيا ملموسا للضحايا

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى