التغذية السليمة في عيد الأضحى.. بين متعة العيد وصحة الجسد

مارِيّة محاجنة
مع حلول عيد الأضحى المبارك، تزداد العادات الغذائية المرتبطة باللحوم والحلويات والولائم العائلية، ما يجعل الوعي الصحي ضرورة للحفاظ على توازن الجسم، والاستمتاع بأجواء العيد دون أضرار صحية. وفي هذه المقابلة، تحدثنا مع استشارية ومدربة التغذية الصحية والتربية البدنية فتحية بشيري حول أبرز الأخطاء الغذائية الشائعة خلال العيد، والنصائح التي تساعد الأسر على اتباع عادات صحية متوازنة، إلى جانب الحديث عن البعد الإنساني والصحي في توزيع الأضاحي وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي.
عرفينا بنفسكِ وبمسيرتكِ في مجال التغذية، وكيف تنظرين إلى أهمية الوعي الغذائي خاصة خلال المناسبات والأعياد مثل عيد الأضحى؟
بشيري: أنا فتحية بشيري، استشارية ومدربة في مجال التغذية الصحية والتربية البدنية. بدأت مسيرتي الشغوفة من منصات التوعية المباشرة والمحاضرات في المدارس والمؤسسات المختلفة، ثم توسعت لنقل هذه الرسالة عبر البرامج التلفزيونية والإذاعية، بالإضافة إلى تقديم استشارات فردية ودورات متخصصة في تبنّي نمط حياة صحي وإدارة الوزن.
بالنسبة للوعي الغذائي، أنا أؤمن أنه صمام الأمان لصحتنا، وتتضاعف أهميته في المناسبات والأعياد كعيد الأضحى المبارك. فديننا الحنيف دعانا إلى الاعتدال ونبذ الإسراف، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. فالعيد فرحة وعبادة وشكر لله على نعمه، والحفاظ على صحة أجسادنا هو جزء لا يتجزأ من صون هذه الأمانة الربانية.
كثيرون يبدؤون يوم العيد بوجبات دسمة مثل الكبدة واللحوم مباشرة، هل هذا صحي؟ وما البديل الأفضل لبدء اليوم بطريقة صحية ومتوازنة؟
بشيري: علمياً وصحياً، يُفضَّل تماماً تجنّب بدء يوم العيد بوجبات دسمة وثقيلة على معدة فارغة، لا سيما لمن كان صائماً في الأيام العشر من ذي الحجة؛ فالمعدة تكون في حالة “راحة” نسبية بعد الصيام، وتحتاج إلى تدرّج ذكي لتحفيز إفراز العصارة الهضمية بلطف.
تناول الدهون والبروتينات المعقدة بكميات كبيرة وبشكل مفاجئ قد يؤدي إلى تلبّك معوي حاد، وشعور بالثقل والخمول، ما يفسد بهجة العيد.
أما البديل الأفضل فهو أن نبدأ يومنا بوجبات خفيفة وسهلة الهضم لتنشيط الميتابوليزم (الأيض)، مثل: اللبن، اللبنة، أو البيض كمصادر بروتينية خفيفة، مع خبز القمح الكامل والخضار الطازجة. بعد ذلك يمكن تناول اللحوم خلال اليوم بكميات معتدلة، ويفضّل أن تكون مشوية أو مطهوة بطرق صحية وقليلة الدهون.
ونستذكر هنا هدي النبي ﷺ حين قال: “ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه”، فالفكرة ليست الحرمان، بل الاعتدال والتنظيم.
في عيد الأضحى، يحمل توزيع الأضاحي على الفقراء بعداً إنسانياً وصحياً مهماً، كيف ترين أثر ذلك في تعزيز التكافل الاجتماعي، وما أهمية توعية الأسر بطريقة حفظ اللحوم وتوزيعها بشكل صحي وآمن؟
بشيري: عيد الأضحى يحمل أبعاداً ومضامين إنسانية عميقة؛ فالأضحية ليست مجرد طعام، بل هي شعيرة دينية عظيمة نتقرب بها إلى الله إحياءً لسنة نبينا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وتتجلى عظمة هذه الشعيرة في تعزيز قيم التكافل والرحمة ومشاركة النعمة مع المحتاجين، بما يُدخل الفرحة على كل بيت.
أما من الناحية الصحية والوقائية، فمن الضروري جداً توعية الأسر بآليات التعامل السليم مع اللحوم؛ حيث يجب تقسيمها مباشرة بعد الذبح وتبريدها بسرعة (أو تجميدها)، وتجنّب تركها لساعات طويلة في الطقس الحار منعاً للتكاثر البكتيري والتلوث الغذائي. كما يُنصح بتوزيع الحصص باعتدال لضمان استفادة الجميع منها بشكل آمن وصحي.
ما النصائح التي تقدمينها لمرضى السكري، الضغط، الكوليسترول، وكذلك للأطفال، في ظل كثرة اللحوم والحلويات والمشروبات الغازية خلال العيد؟
بشيري: العيد فرحة للجميع، والهدف هو الاستمتاع دون إلحاق الضرر بالصحة، وإليك نصائحي لكل فئة:
مرضى السكري: لا حرج في الاستمتاع ببهجة العيد وتناول كعك العيد أو قطعة من الشوكولاتة، ولكن بشرط الاعتدال (قطعة إلى قطعتين على مدار اليوم). والقاعدة الذهبية هنا: ألا تُتناول الحلويات على معدة فارغة، بل بعد وجبة رئيسية متكاملة؛ لأن الألياف والبروتين في الوجبة يبطئان امتصاص السكر، مما يمنع الارتفاع المفاجئ والحاد في الدم وما يعقبه من هبوط سريع وشعور بالجوع. وبالتأكيد، يجب الحذر الشديد من المشروبات الغازية والعصائر المحلاة، والاستعاضة عنها بالماء أو العصائر الطبيعية غير المضافة إليها السكر.
مرضى الضغط والكوليسترول: يُنصح بتجنب الدهون الظاهرة في اللحوم (اللية والشحوم)، والابتعاد عن المقالي واللحوم المصنعة. والتركيز يكون على اللحوم المشوية أو المسلوقة، مع إدراج طبق سلطة غني بالخضار الورقية، وشرب كميات وفيرة من الماء للمساعدة في تخليص الجسم من الأملاح الزائدة.
الأطفال: من المهم ألا نربط مفهوم “العيد” في أذهان الأطفال باستهلاك السكريات والمشروبات الغازية فقط. يجب تشجيعهم على الحركة واللعب وتناول الأطعمة المتوازنة، مع تذكيرهم دائماً بالقول المأثور: “الحركة بركة”.
كلمة أخيرة؟
بشيري: رسالتي الأخيرة لكل قارئ وقارئة: الصحة ليست نظاماً مؤقتاً نتبعه لمناسبة ما ثم نهجره، بل هي أسلوب حياة مستدام واستمرارية واعية. نحن لا نطلب الكمال والمثالية المطلقة، بل نطلب التوازن والاعتدال.
أسأل الله عز وجل أن يعيد علينا وعليكم هذه الأيام المباركة بالخير والصحة والسعادة، وأن نكون دائماً نعمَةً ورُعاةً لأجسادنا لا عبئاً عليها. وكل عام وأنتم بألف خير.
