من غزة إلى واشنطن.. عندما يصبح الصحفي هدفا في زمن الاستقطاب والحرب

لم يعد الخطر الذي يواجه الصحفيين مرتبطا فقط بالوقوف قرب خطوط النار أو التسلل إلى ساحات المعارك، فالعالم الذي كان ينظر إلى الصحافة بوصفها شاهدا على الأحداث، بدأ يتعامل معها باعتبارها طرفا يجب إسكات صوته أو تقويض تأثيره أو حتى التخلص منه.
خلال السنوات الماضية، كان التهديد الذي يلاحق المراسلين يرتبط غالبا بالأنظمة المغلقة أو الجماعات المسلحة أو مناطق النزاع المفتوحة، لكن المشهد تغير بصورة لافتة.
فالملاحقة اليوم قد تأتي من طائرة مسيّرة تحوم فوق جبهة قتال، أو من ملف قضائي ينتظر صحفيا عند باب منزله، أو حتى من بيئة سياسية تنظر إلى الإعلام باعتباره خصما ينبغي تحجيمه.
هذا التحول بات أكثر وضوحاً مع تصاعد الحروب في الشرق الأوسط واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، بالتوازي مع احتدام الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أصبحت الصحافة نفسها جزءا من المعركة.
في غزة، لم تعد المخاطر التي تحيط بالصحفيين مجرد احتمالات مهنية متوقعة، بل تحولت إلى واقع يومي، فالمراسلون يتحركون بين مناطق القصف وهم يدركون أن شارة صحافة لم تعد توفر الحماية، بل قد تجعلهم أكثر عرضة للاستهداف.
ومع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، تحولت غزة إلى أخطر مكان في العالم على الصحفيين، أرقام لجنة حماية الصحفيين تشير إلى مقتل أكثر من مئة صحفي وعامل إعلامي خلال عام واحد فقط، في حصيلة غير مسبوقة في التاريخ الحديث للمهنة.
داخل القطاع، لم تعد هناك مناطق آمنة بالمعنى التقليدي، فالصحفي الذي يخرج لتغطية غارة أو يوثق آثار قصف أو يحاول الوصول إلى مصدر يفعل ذلك وسط حالة ضبابية كاملة، حيث تتغير خطوط السيطرة باستمرار، وتتوسع مناطق الخطر دون إشارات واضحة.
ولهذا بات الصحفيون يعتمدون على إجراءات أقرب إلى التكتيكات العسكرية، تغيير المسارات باستمرار، مشاركة الموقع الجغرافي مع العائلة وغرف الأخبار، تجنب التحرك الفردي، ومراقبة التحديثات الأمنية لحظة بلحظة.
لكن الخطر لا يتوقف عند غزة، ففي جنوب لبنان، تحولت تغطية المواجهات الحدودية إلى مهمة محفوفة بالاحتمالات القاتلة، خصوصا مع تزايد استهداف المناطق القريبة من الحدود، بعض الصحفيين باتوا يبلغون قوات الأمم المتحدة بمسارات تحركاتهم قبل أي مهمة ميدانية، في محاولة لتقليل احتمالات التعرض للقصف.
أما في أوكرانيا، فقد فرضت الطائرات المسيّرة واقعا جديدا على العمل الصحفي، الرحلات إلى الجبهات الشرقية والجنوبية أصبحت تخضع لحسابات دقيقة، تشمل أجهزة رصد المسيّرات وخطط الاحتماء السريع، فيما تحولت الطرق المغطاة بالشباك الواقية إلى جزء من المشهد اليومي للحرب.
ورغم ذلك، لا يزال الصحفيون يواصلون التوجه إلى الخطوط الأمامية، لأن الصورة الكاملة للحرب لا يمكن نقلها من خلف الشاشات أو البيانات الرسمية.
لكن المفارقة أن المخاطر التي كانت ترتبط تقليديا بمناطق النزاع، بدأت تظهر بأشكال مختلفة داخل دول تصنف نفسها باعتبارها ديمقراطيات راسخة.
في الولايات المتحدة، لم يعد الجدل حول الإعلام مقتصرا على الانتقادات السياسية أو الحملات الإعلامية المتبادلة، فقد دخلت العلاقة بين السلطة والصحافة مرحلة أكثر توتراً، تتداخل فيها السياسة بالأمن والقضاء.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك ظهر مع قضية الصحفية المستقلة جورجيا فورت، التي اعتقلت بعد تغطيتها احتجاجا داخل كنيسة في ولاية مينيسوتا، الاعتقال نفسه أثار غضبا واسعا لدى منظمات الدفاع عن حرية الصحافة، لكن التأثير الأعمق للقضية لم يكن في التوقيف بل في ما تبعها.
فالقضية جعلت جزءا كبيرا من شبكة مصادرها خارج نطاق التواصل، بعدما نصحها محاموها بعدم التواصل مع متهمين آخرين في القضية نفسها، بينهم قيادات مجتمعية وحقوقية كانت تعتمد عليهم في تغطياتها.
بهذا الشكل، لا تبدو الرقابة دائما في صورة قرار رسمي بمنع النشر بل قد تأتي عبر خلق بيئة تجعل الصحفي عاجزاً عن الوصول إلى المعلومات أو المصادر الأساسية لعمله.
وتزداد حساسية هذا النوع من القضايا عندما يتعلق الأمر بالصحافة المستقلة، التي تعتمد أساسا على العلاقات المباشرة مع المجتمعات المحلية والمصادر غير الرسمية.
فالصحفي المستقل لا يملك غالبا الغطاء القانوني أو المالي الذي توفره المؤسسات الكبرى، كما أن استهدافه قد يؤدي عمليا إلى تعطيل مشروعه الإعلامي بالكامل.
ومع تراجع الثقة بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، صعدت خلال السنوات الأخيرة موجة من المنصات والصحفيين المستقلين الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم بديلا أكثر قربا من المجتمعات المحلية أو القضايا المهمشة.
لكن هذا الصعود جعلهم أيضا أكثر عرضة للاحتكاك المباشر مع السلطات أو المؤسسات السياسية والأمنية، خصوصا عندما تتناول تغطياتهم ملفات ترتبط بالتمييز أو الهجرة أو الاحتجاجات أو الحقوق المدنية، وفي الوقت نفسه، تواجه المؤسسات الإعلامية الكبرى معضلة أخرى تتعلق بكلفة التغطية الصحفية نفسها.
فالعمل في مناطق النزاع أصبح يتطلب ميزانيات ضخمة تشمل معدات الحماية والتأمين والتدريب الأمني وتقييم المخاطر والاتصالات المستمرة، كما أن غرف الأخبار باتت مضطرة إلى التعامل مع احتمالات الخطف أو الاستهداف أو الانقطاع الكامل للاتصال أثناء المهمات الميدانية.
هذا الواقع يفرض أسئلة ملحة داخل المؤسسات الإعلامية: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تغطية الحروب والصراعات في ظل تصاعد الكلفة البشرية والمادية؟
لكن السؤال الأكثر تعقيدا ربما يتعلق بطبيعة الدور الذي يفترض أن تؤديه الصحافة في هذا المناخ العالمي المضطرب.
ففي ظل تصاعد الشعبوية والاستقطاب السياسي، بات مفهوم الحياد الصحفي نفسه موضع نقاش داخل غرف الأخبار وكليات الإعلام.
هل يقتصر دور الصحفي على نقل وجهات النظر المختلفة حتى لو تعلق الأمر بخطابات معادية للديمقراطية أو المحرضة على العنف؟ أم أن الدفاع عن القيم الديمقراطية وحرية التعبير يجب أن يصبح جزءا من وظيفة الصحافة نفسها؟
هذا النقاش لم يعد نظريا، ففي كثير من الدول أصبحت المؤسسات الإعلامية متهمة بالانحياز مهما حاولت التمسك بالمعايير التقليدية للموضوعية، بينما يرى صحفيون آخرون أن الحياد في بعض القضايا قد يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ أو الصمت.
وفي المقابل، تستفيد الحكومات والجماعات السياسية من هذا الانقسام المتزايد لتقويض الثقة بالإعلام، عبر تصوير الصحفيين باعتبارهم خصوما سياسيين أو أدوات دعائية.
ومع تصاعد حملات التشكيك بالمعلومات وانتشار التضليل الرقمي، تبدو الصحافة اليوم أمام تحد مزدوج: حماية الصحفيين أنفسهم، وحماية الثقة العامة بالمهنة.
فالصحفي الذي يذهب إلى جبهة قتال أو يواجه دعوى قضائية بسبب تغطيته، لا يدافع فقط عن حقه الشخصي في العمل، بل عن فكرة أوسع تتعلق بحق الجمهور في معرفة ما يجري.
ولهذا، فإن أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم ربما لا يتمثل فقط في الرصاص أو الاعتقالات، بل في المناخ العالمي الذي يجعل استهداف الصحفيين أمرا أكثر اعتيادا وأقل إثارة للصدمة، وفي عالم كهذا، تصبح الحقيقة نفسها أكثر كلفة، وأكثر هشاشة أيضاً.
