أخبار وتقاريرمقالاتومضات

مثلث المأزومين.. حرب لا يعرف أطرافها كيفية الخروج منها

الإعلامي أحمد حازم

يوجد في علم الحساب مثلث يُسمّى “المثلث المتوازي الأضلاع”، لأن زواياه الثلاثة متساوية. والمثلث السياسي في الحرب الدائرة الآن في المنطقة هو مثلث حربٍ متوازي الأضلاع، ليس في القوة، بل في الادعاءات بالنصر. هذا المثلث الأميركي-الإسرائيلي- الإيراني في مأزق، ولا يعرف أطرافه كيفية الخروج من الحرب بأفضل طريقة تحفظ ماء وجوههم، لعدم وجود طرف حقق النصر المطلق حتى الآن، ولعدم وجود مشارك مُني بهزيمة نكراء. إذًا، الثلاثة في ورطة، وثلاثتهم مأزومون.

لكن يجب القول، انطلاقًا من المصداقية، إن نتائج الميدان، قتلًا وتدميرًا، تميل لصالح الولايات المتحدة بحكم الفارق في القوة. وهنا لا بد من القول إن أمريكا أخطأت في أمرين: أولهما تقدير القوة الإيرانية على تحمّل الضربات القاسية وعدم الاستسلام؛ بمعنى فشل أمريكا وإسرائيل في تقييم صحيح للقدرة العسكرية لدى إيران. وثانيهما استهداف إيران، بمسيّراتها وصواريخها الباليستية، لأماكن استراتيجية في المنطقة، ولا سيما في إسرائيل، التي شهدت ضربة مرعبة كادت أن تفقد قادتها صوابهم عندما طالت صواريخ إيران محيط مدينة ديمونة، حيث يوجد المفاعل النووي الإسرائيلي.

عندما التقى نتنياهو صديقه ترامب أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، تركزت محادثاتهما على إيران وكيفية التخلص من النظام الإيراني. وحسب المعلومات المتوفرة، فإن نتنياهو، المستعجل جدًا لإسقاط نظام خامنئي، أقنع ترامب بأمرين: أولهما الهجوم على إيران، وثانيهما اغتيال المرشد الأعلى خامنئي. ولماذا شدد نتنياهو على عملية الاغتيال كخطوة أولى في الهجوم؟ لأنه اعتقد بأن قتل خامنئي سيؤدي حتمًا إلى سقوط النظام الإيراني في وقت قصير.

بعد عملية الاغتيال مباشرة، وقف ترامب أمام الكاميرات مطالبًا إيران بالاستسلام الفوري، لكن ليس كل ما يتمناه نتنياهو يدركه. صحيح أن خامنئي قُتل، لكن النظام بقي متماسكًا، وتم انتخاب ابنه مجتبى خليفة له، مما يدل على تمسك القيادة الإيرانية بنهج الأب، فاختاروا الابن خليفة له. وكانت هذه أول ضربة لنتنياهو ولترامب، الذي صدّق كلام نتنياهو وتحليله الخاطئ.

ليس من المستغرب اندهاش ترامب مما حصل، وليس من المستغرب أيضًا أن تكون له ردة فعل غاضبة. وكان أول رد فعل له عدم موافقته على اختيار النظام في إيران لمجتبى خامنئي خليفة لوالده، وأنه غير راضٍ عن اختياره لقيادة إيران. وأكثر من ذلك، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية إن ترامب أبلغ مساعديه بأنه سيدعم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، إذا لم يُبدِ استعدادًا للاستجابة للمطالب الأمريكية، كإنهاء البرنامج النووي الإيراني. ووصلت الوقاحة بترامب إلى القول إنه يريد أن يكون له رأي “في اختيار حاكم عظيم ومقبول لإيران بعد استسلامها غير المشروط”. وقد أفهمت القيادة الإيرانية، باختيارها لمجتبى خامنئي، ترامب أنها صاحبة القرار في اختيار من يحكم إيران، وهي التي تقرر من هو “الحاكم العظيم” الذي سيتولى إدارة البلاد، وليس الأمريكي.

ترامب ونتنياهو يمرّان الآن بمرحلة في غاية الحرج. فالتقارير التي تصل إلى ترامب من غرفة عمليات الحرب تقول إن الجيش الأمريكي دمر حصون الصواريخ المحيطة بطهران، ودمر أكثر من 10 آلاف هدف داخل إيران، وأغرق أكثر من 200 قطعة بحرية صغيرة ومتوسطة، مع تناقص ملحوظ في عدد الصواريخ متعددة المديات والصواريخ الباليستية، وعدم التمكن من التعويض بسبب تناقص المخزون. كما أن التقارير الإسرائيلية الصادرة عن الجيش تتحدث عن التدمير.

واستنادًا إلى هذه المعطيات، يرى ترامب أن النصر حادث لا محالة، وأن إيران لا بد أن تقول له في كل لحظة إنها جاهزة ومستعدة للتفاوض بشروطه، وهو لا يزال ينتظر هذه اللحظة. لكن، حتى كتابة هذه السطور، لم يسمع ترامب خبرًا يسره، بل على العكس من ذلك، يسمع عن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، وعن خسائر البورصات الأمريكية، وعن استمرار إيران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات في المنطقة.

الثنائي ترامب/نتنياهو في مأزق، ويحاولان تضليل شعبيهما بالحديث عن النصر، وعن ضعف إيران ورغبتها في التفاوض. ولذلك تحدث ترامب عن وجود مفاوضات مع إيران، لكن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، نفى ذلك، مع اعترافه بوجود وساطات من قبل “أصدقاء”، مضيفًا: “نحن نرد على أسئلتهم، وهذا لا يعني أبدًا حالة تفاوض”.

السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: كيف نصدق ترامب بأنه دمّر البحرية الإيرانية باغتيال جنرال هذه البحرية، وإيران لا تزال مسيطرة على مضيق هرمز؟ وكيف يدّعي بأنه قضى على صواريخ إيران الباليستية، وما زالت هذه الصواريخ تخترق، ليس أجواء إسرائيل فقط، بل وتضرب دول الخليج والأردن والعراق بشكل يومي تقريبًا؟

الحقيقة الواضحة أن أمريكا وإسرائيل وإيران، هم الثلاثة المأزومون في هذه الحرب، والثلاثة يبحثون عن مخرج للتخلص من ورطة الحرب الثانية على إيران، ولم يتعلموا مما أسفرت عنه الحرب الأولى، “حرب الـ12 يومًا” العام الماضي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى