التغافل عن عاقبة مخالفة شروط الوعد الإلهي في حسابات المخططات الصهيو-غربية

الشيخ رائد صلاح
لا شك أن المخططات الصهيو-غربية قرأت توراة اليوم، وقرأت نصوصها التي تتحدث عما حلّ ببني إسرائيل عندما أضاعوا عهد الله تعالى، وعصوا أوامره ونواهيه، وعبدوا آلهة وثنية هي البعل وعشتاروت، لا بل صنعوا آلهة وثنية أخرى بأيديهم وعبدوها من دون الله تعالى، فعاقبهم الله تعالى العقوبات الشديدة، ولم يرفع عنهم تلك العقوبات الشديدة وجود أنبياء من الله بينهم، ولم ينجهم من تلك العقوبات الشديدة كونهم بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية.
ولكن لا أدري لماذا تصر المخططات الصهيو-غربية على مصادمة عهد الله تعالى وأوامره ونواهيه التي وردت في توراة اليوم، ثم لا تزال تصر أنها هي المقصودة بالوعد الإلهي في الأرض المباركة وفي الأرض الكبرى الممتدة ما بين النيل والفرات، كما لا تزال تصر أنها هي صاحبة السيادة الوحيدة في القدس المباركة باسم توراة اليوم، ولا تزال تصر أن لها الحق الكامل ببناء هيكل على حساب المسجد الأقصى باسم توراة اليوم، علمًا أن توراة اليوم ورغم ما اعتراها من تحريف تقول غير ذلك، وتؤكد أن الله تعالى حرم بني إسرائيل من الوعد الإلهي ومن الأرض المباركة عندما أضاعوا عهد الله وأوامره ونواهيه، وتفصيلًا لذلك أورد بعض نصوص تبين ذلك من توراة اليوم:
1- (فقال الرب لموسى: “هلم انزل فقد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر، فسرعان ما حادوا عن الطريق الذي أمرتهم به، وصنعوا لأنفسهم عجلًا مسبوكًا فسجدوا له وذبحوا له وقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. وقال الرب لموسى: قد رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي الرقاب، والآن دعني ليضطرم غضبي عليهم فأفنيهم وأما أنت فأجعلك أمة) – الخروج: (7/32 – 10).
فوفق هذا النص، هذه شهادة الله تعالى على بني إسرائيل، ووفق هذه الشهادة فقد فسدوا وحادوا عن الطريق وعبدوا العجل وأصبحوا قساة الرقاب، وباتوا يستحقون غضب الله عليهم وإفناءهم، وما عاد ينجيهم من عذاب الله كونهم من بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية.
2- (وكلم الرب موسى وهارون قائلًا: إلى متى هذه الجماعة الشريرة المتذمرة عليّ؟ فقد سمعت تذمر بني إسرائيل الذي تذمرونه عليّ، فقل لهم حي أنا يقول الرب لأصنعن بكم كما تكلمتم على مسامعي، في هذه البرية تسقط جثثكم كل المحصيين منكم بحسب عددكم، من ابن عشرين سنة فصاعدًا أنتم الذين تذمروا عليّ، لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي مقسمًا أن أسكنكم فيها، إلا كالب بن يفنا ويشوع بن نون، وأطفالكم الذين قلتم إنهم يصيرون غنيمة، إياهم أدخل الأرض التي رذلتموها وهم سيعرفونها، وأما جثثكم أنتم فتسقط في هذه البرية، وبنوكم يكونون رعاة في البرية أربعين سنة ويحملون زناكم إلى أن تفنى جثثكم فيها) – العدد: 14/33-26
فوفق هذا النص الوارد أعلاه، فإن الله تعالى قد أهلك كل بني إسرائيل من ابن عشرين سنة فصاعدًا، وكم كان عدد هؤلاء الذين أهلكهم الله تعالى؟! حول هذا السؤال يقول سفر العدد: (وكان جميع المحصيين من بني إسرائيل بحسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعدًا، كل من يخرج إلى الحرب في إسرائيل، كانوا جميعهم ستمئة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين) – العدد: (45/1 – 46).
وهذا يعني أن الله تعالى أهلك من بني إسرائيل (603,550)، وما نجا منهم إلا كالب بن يفنا ويشوع بن نون لأنهما لم يقعا بما وقع به سائر بني إسرائيل من إضاعة العهد مع الله تعالى وعبادة آلهة وثنية من دونه ومخالفة أوامره ونواهيه، وإلى جانب ذلك فقد نجا أطفال بني إسرائيل لأنهم كانوا دون سن التكليف، وهذا يعني أن كل من وقع في معصية الرب وكان مكلفًا من بني إسرائيل، فقد أفناه الله تعالى، وإن كان من بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية!! أما من نجا منهم من عذاب الإفناء فلم ينج لأنه من بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، بل لأنه ما وقع في معصية الرب!
ثم إن الذين أفناهم الله تعالى من بني إسرائيل فقد حرم عليهم دخول الأرض المقدسة (لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي مقسمًا أن أسكنكم فيها)، وهذا يؤكد أن الوعد الإلهي في الأرض المباركة مشروط بطاعة الله تعالى، ومن وقع في معصية الله فإنه يحرم من دخول الأرض المباركة وإن كان من بني إسرائيل!! ثم إن الطائفة التي دخلت الأرض المباركة من بني إسرائيل ونجت من عذاب الإفناء، فقد دخلت الأرض المباركة لا لتحتلها، ولا لتطرد أهلها منها، ولا لتفرض سطوتها وسيادتها على تلك الأرض بالقوة، بل دخلتها لتسكن فيها، وستبقى أرض الله تعالى وليست أرضهم، بالضبط كما قال النص في سفر العدد: (وأطفالكم الذين قلتم إنهم يصيرون غنيمة، إياهم أدخل الأرض التي رذلتموها وهم سيعرفونها).
وهكذا دخل من دخل من بني إسرائيل الأرض المباركة وهم في امتحان!! هل سيحفظون عهد الله تعالى وأوامره ونواهيه أم سيضيعون كل ذلك؟ وظل شرط بقائهم في الأرض المباركة أن يحافظوا على عهد الله وأوامره ونواهيه وأن يطيعوا أنبياءهم الذين أرسلهم الله تعالى إليهم والذين كان آخرهم عيسى بن مريم، ثم أرسل الله تعالى سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين رسولًا إلى كل أهل الأرض، بمن في ذلك بني إسرائيل، وامتدادًا خاتمًا لرسالة كل أنبياء بني إسرائيل، وأصبح بنو إسرائيل ملزمين باتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما كانوا ملزمين باتباع نبي الله موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل، وإلا من رفض منهم الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه، فسيفقد المنحة الإلهية في الأرض المباركة، وقد فصلت هذه القضية في كتابي (نبوة واحدة وأمة واحدة).
3- (وقد غضب الرب عليّ بسببكم وأقسم أن لا أعبر الأردن ولا أدخل الأرض الطيبة التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثًا) – تثنية الإشتراع: (21/4).
هذا النص الوارد أعلاه هو على لسان نبي الله موسى، ووفق ظاهر هذا النص الذي تدعيه توراة اليوم، فإن الله تعالى قد حرم نبي الله موسى من دخول الأرض المباركة بسبب خطايا بني إسرائيل، فإذا كان هذا الحال مع نبي الله موسى وهو كليم الله تعالى، وهو أحد أولي العزم من الرسل، ومع ذلك شمله حرمان الدخول إلى الأرض المباركة بسبب خطايا بني إسرائيل كما تدعي توراة اليوم، ولم يغفر له عند الله تعالى أنه نبي رسول، وأنه كليم الله وأنه واحد من أولي العزم من الرسل، بل شمله الحرمان الإلهي من دخول الأرض المباركة، فكيف بحال بني إسرائيل الذين جاهروا بالإلحاد كهرتسل وبن غوريون؟! هل يعقل أن يحفظ لهم الوعد الإلهي في الأرض المباركة؟! في الوقت الذي حُرم فيه نبي الله موسى من دخول الأرض المباركة بسبب خطايا بني إسرائيل وليس بسبب خطايا ارتكبها؟!
ومع أني ناقشت هذا النص على ظاهره كما تدعيه توراة اليوم، إلا أنني أجزم أنه مثال على ما اعترا توراة اليوم من تحريف، فحاشا لله تعالى أن يعاقب إنسانًا مكلفًا بسبب ذنب غيره، وهو القائل في القرآن الكريم: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فكيف إذا كان هذا الإنسان المكلف هو نبي الله موسى عليه السلام.
4- (وقال الرب لموسى: إنك تضطجع مع آبائك، فيقوم هذا الشعب ويزني وراء آلهة الأرض الغريبة التي هو داخل إلى وسطها ويتركني وينقض عهدي الذي قطعته معه. فأغضب عليه في ذلك اليوم وأتركه وأحجب وجهي عنه، فيصير مأكلًا وتصيبه شرور كثيرة وشدائد، فيقول في ذلك اليوم: أليس لأن إلهنا ليس في وسطي أصابتني هذه الشرور؟ وأنا أحجب وجهي في ذلك اليوم بسبب كل الشر الذي صنعه، إذ تحول إلى آلهة أخرى) – تثنية الإشتراع: 16/31-18.
وفق هذا النص، فإن الله تعالى بيّن لنبي الله موسى أن شعب بني إسرائيل بعد موته سيقوم ويزني وراء آلهة الأرض الغريبة وسيترك الرب وينقض عهده، وسيغضب الله تعالى عليه بسبب ذلك وسيتركه وسيحجب وجهه عنه، وسيصير شعب بني إسرائيل مأكلًا وتصيبه الشرور الكثيرة والشدائد.
وهذا يعني أن نبي الله موسى قبل أن يموت ويفارق الدنيا كان على علم من الله تعالى أن كل تهديدات الرب التي أوحى الله تعالى بها لنبي الله موسى ستقع كل هذه التهديدات على بني إسرائيل لأنهم سيفسدون وسيضيعون عهد الله تعالى، وسيعبدون آلهة وثنية.
وهذا يعني أن بني إسرائيل ليسوا فوق سنن العقوبات الربانية لكونهم بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، بل هم محكومون بهذه السنن كغيرهم من سائر أمم الأرض التي أهلكها الله تعالى عندما تمردت على الله تعالى ورسله، وهذا يعني أنه لا يوجد شيء اسمه شعب الله المختار في كل حال سواء أطاع هذا الشعب الله تعالى أو عصاه، وسواء عبد الله تعالى أو عبد آلهة وثنية.
وهذا يعني أنه لا يوجد امتيازات خاصة من الله تعالى لبني إسرائيل تجعلهم في مأمن من عذاب الله تعالى حتى لو نقضوا عهد الله تعالى وعصوا رسله وخالفوا أوامره ونواهيه، فهم وكل أمم الأرض عند الله تعالى سواء، فأية أمة تستحق عذاب الله تعالى في ميزان الله تعالى، فسيقع عليها هذا العذاب حتى لو كانت أمة بني إسرائيل.
5- (فتقول الأمم كلها: لماذا صنع الرب كذا بهذه الأرض؟ وما شدة هذا الغضب العظيم؟ فيقال: لأنهم تركوا عهد الرب إله آبائهم الذي قطعه معهم حين أخرجهم من أرض مصر، فمضوا وعبدوا آلهة أخرى وسجدوا لها، آلهة لم يعرفوها ولم يجعلها لهم نصيبًا، فغضب الرب على تلك الأرض فأحلّ بها اللعنة المكتوبة كلها في هذا السفر، واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وغيظ، وسخط عليهم وطرحهم في أرض أخرى كما هم في هذا اليوم) – تثنية الإشتراع: (23/29-27).
وهو نص يؤكد ما أكدته النصوص السابقة في هذه المقالة، غير أنه يكشف عن جدلية العلاقة بين الأرض المباركة وبني إسرائيل مبينًا لنا أنها ليست جدلية علاقة أبدية ودائمة في كل الأحوال، لأنها جدلية علاقة مع بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، بل هي جدلية علاقة محكومة بسنن العقوبات الربانية التي حكمت كل أمة سكنت الأرض المباركة قبل بني إسرائيل، والذي سيحدث أن بني إسرائيل سيتركون عهد الرب إله آبائهم وسيعبدون آلهة أخرى وسيسجدون لها، وسينزل عليهم غضب الرب، ثم ماذا؟! وفق هذا النص: (واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وغيظ وسخط عظيم وطرحهم في أرض أخرى… ).
6- (هذه اللعنات كلها تأتي عليك وتطاردك وتدركك حتى تبيد لأنك لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه فتكون فيك آية وخارقة وفي نسلك للأبد) – تثنية الإشتراع: (45/28-46).
فهذا النص بين احتمالين، فإما أن يكون نصًا صحيحًا في توراة اليوم، وهذا يعني أن هذا النص هو من عند الله تعالى كجزء من الأسفار الخمسة الصحيحة التي أنزلها الله تعالى على نبي الله موسى، وبناءً على ذلك، فإن هذا النص معصوم لا يقبل الخطأ ولا المراء ولا المراوغة، ويجب تلقيه بالتصديق الذي لا ريب فيه، فإذا كان كذلك فهو نص يتحدث بوضوح: (فتكون فيك آية وخارقة وفي نسلك للأبد) أي أن لعنات الرب كلها ستأتي على بني إسرائيل للأبد، وأن هذه اللعنات ستطارد بني إسرائيل حتى يبيد للأبد، لأنه لن يسمع لصوت الرب إلهه للأبد، ولأنه لن يحفظ وصاياه وفرائضه للأبد.
وهذا يعني وفق هذا النص من توراة اليوم، أن كل جدلية العلاقة بين الأرض المباركة وبني إسرائيل ستنقطع للأبد، وسيَحجب الله عنهم الوعد الإلهي في الأرض المباركة للأبد، ولن ينفعهم بعد ذلك أن يُقال عنهم بأنهم بنو إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، أو أن يُقال عنهم إنهم يرتبطون بأنبياء الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وسائر أنبياء بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، فإن الاعتبار في ميزان الله تعالى ليس للدم والنسب والقومية، بل هناك اعتبار وحيد في ميزان الله تعالى هو شرط الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله وطاعة الله تعالى في أوامره ونواهيه كلها، وحفظ عهد الله تعالى، وإلا فمن نقض الوعد لا وزن له عند الله تعالى كائنًا من كان حتى لو كان من بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية!!
وإما أن يُقال هذا النص غير صحيح وليس من توراة اليوم، فهذا يعني أن هذا النص شاهد على التحريف الذي اعتور توراة اليوم، وما دام اعتورها التحريف كما بيّن ذلك القرآن الكريم وكما بينت ذلك الدراسات اليهودية الدينية النقدية المعاصرة، فهذا يعني أن توراة اليوم ما عادت مستندًا يُعتد به أو تُبنى عليه مشاريع المخططات الصهيو-غربية.
7- (وتوفي يشوع بن نون عبد الرب، وهو ابن مائة وعشر سنين ودفن في أرض ميراثه في تمنة حارس في جبل أفرائيم إلى شمال جبل جاعش. وانضم ذلك الجيل كله إلى آبائه، ونشأ من بعده جيل آخر لا يعرف الرب ولا ما صنع إلى إسرائيل. ففعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعل وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة أخرى من آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها فأسخطوا الرب. تركوا الرب وعبدوا البعل والعشتاروت، فغضب الرب على إسرائيل فأسلمهم إلى أيدي السالبين فسلبوهم، وباعهم إلى أيدي أعدائهم الذين حولهم ولم يقدروا بعد ذلك أن يثبتوا أمام أعدائهم، فكانوا حيثما خرجوا تكون يد الرب عليهم للشر كما قال الرب لهم وكما أقسم الرب لهم فضاق بهم الأمر جدًا” – القضاة: (8/2 – 15).
فوفق هذا النص فإن بني إسرائيل بعد موت يشوع بن نون باتوا لا يعرفون الرب وتركوا عبادته وعبدوا البعل وعشتاروت، فماذا كانت النتيجة؟! إن هذا النص من سفر القضاة يبين لنا أن الرب غضب عليهم وأنزل عليهم الذل وأسلمهم للأعداء، فوجدوا العذاب والهوان حيثما خرجوا، وما رفع عنهم كل ذلك كونهم من بني إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية.
