لتبقى روح رمضان
ليلى غليون
إنها أيام معدودات كما وصفها القرآن الكريم بدقة متناهية (أيامًا معدودات) “سورة البقرة،184” مرت مسرعة كنسيمات الصباح الندية التي تنعش النفس وتوقظ فيها الطمأنينة والسكينة وتبعث فيها الأمل، فلا يكاد العقل يستوعب هذا التقارب الزمني المذهل، فلا يكاد الصبح تتشقق أجفانه حتى يأتي الليل يطوي صفحة ذلك اليوم، ولا يكاد الشهر يعلن قدومه حتى تأتي نهايته، ولا تكاد السنة يُحتفل ببدايتها حتى تصبح في تقويم الزمان في دفتر ذكريات الماضي.
انقضى شهر الصيام سريعًا والذي قال ابن رجب في لطائفه عند فراقه: “يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تتدفق، قلوبهم من ألم الفراق تتشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرق، عسى منقطعًا من ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق”.
ولقد بكى ذاك التقي عند فراق رمضان فأنشد قائلًا:
دع البكاء على الأطلال والدار واذكر لمن بان من خل ومن جار
واذرِ الدموع نحيبًا وابك من أسف على فراق ليال ذات أنوار
على ليال لشهر الصوم ما جُعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار
ما كان أحسنَنا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري
وفي التراويح للراحات جامعة فيها المصابيح تزهو مثل أزهاري
في ليلهِ ليلةُ القدر التي شُرفت حقا على كل شهر ذات أسرار
تنزل الروح والأملاك قاطبة بإذن رب غفور خالق باري
شهر به يعتق الله العصاة وقد أشفوا على جرف من خطة النار
نرجو الإله محب العفو يعتقنا ويحفظ الكل من شر وأكدار
ويشمل العفو والرضوان أجمعنا بفضلك الجم لا تهتك لأستار
ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد رمضان؟ هل سنطوي صفحته أم سنظل نحمل معانيه في قلوبنا وأرواحنا، في كلامنا وصمتنا، في أعمالنا وسلوكياتنا، فالعبرة بل هو الوجع ليس برحيل الشهر الكريم، فالشهر حتمًا سيرحل كغيره من الشهور رغم أنه ليس كغيره من الشهور كرامة وفضلًا وإحسانًا، ولكن أن يرحل وترحل روحه معه، أن لا نحفظه بعد رحيله، أن نعود كما كنا قبله، أن لا يُحدث فينا أي تأثير أو تغيير، فرمضان لم يكن فترة زمنية تغيرت فيها حياتنا مدة شهر ثم نُرد على أعقابنا، بل تتغير حياتنا في رمضان ونثبت ونحافظ على هذا التغيير في شوال وما بعده من الشهور وفي كل وقت وحين.
فأي معنى للصيام إن عاد اللسان يؤذي ويجرح ويطعن ويخوض في الأعراض ويتدخل في شؤون وخصوصيات الغير؟ وأي روح تبقى لرمضان إذا عادت القلوب كالحجارة بل هي أشد قسوة، لا تنبض إلا بالكراهية والحقد والغل والأنانية والفرح بمصائب الناس؟ وأي أثر لرمضان إن عادت سلوكياتنا تهدم ما بنيناه في أيامه ولياليه؟
فرمضان ليس ضيفًا أو شهرًا عابرً، بل نداء حنونًا أيقظنا من غفلتنا وسباتنا، ودليلًا صوب لنا بوصلتنا قبل أن تنحرف، كان يرتقي بنا إلى ذاك المرتقى الصاعد نحو رحمات الله ورضوانه، كان مدرسة ربانية نتخرج منها بقلوب أصفى ونفوس أنقى وأرواح أقرب إلى الله عز وجل، مدرسة تعلمنا فيها كيف نصوم عن الغفلة، عن الغضب، عن القسوة، عن الكلمات التي تجرح وتحرج وتؤذي المشاعر وتكسرها، تعلمنا فيها أننا قادرون على التغيير نحو الأفضل إذا ملكنا زمام إرادتنا والنية الصادقة على التغيير.
لقد رقت القلوب وارتقت في أيامك ولياليك يا رمضان، ونزلت دمعات، ورفعت أيادٍ، ولهجت ألسن، فكيف تنحدر نفس بعد أذ صعدت إلى هذا المرتقى السامي، وكيف تجف دمعات بعد أن هطلت خاشعة، وكيف تُغلق الطريق بعد إذ بُدئت؟
لتبقى روح رمضان ولو بالقليل الدائم، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع كما أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم عندما سئل: “أي العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل” ركعتان في جوف الليل لا يرانا فيها أحد إلا الله بعد أن كان القيام طويلًا في رمضان، آيات نقرؤها بتدبر بعد أن كان الختم متكررًا في رمضان، صدقة نخفيها حتى عن أنفسنا بعد أن كان العطاء وفيرًا في رمضان، عفو عمن آذانا ونحن قادرون على رد الصاع صاعين، نمسك ألسنتنا عند الغضب، نرتقي بأخلاقنا ونصبح أكثر رحمة وأكثر صبرًا وأكثر تغافلًا عن الزلات وأقرب إلى العفو من الانتقام.. فهذه كلها وغيرها ينبغي أن تكون منهج حياة لا ذكرى تزول برحيل رمضان وتتجدد في رمضان القادم.
لتبقى روح رمضان، فلا نسمح لضجيج الحياة وصخبها واللهاث خلف بريقها أن يمزق وشاح الصفاء والنقاء الذي توشحت به قلوبنا فتقربت من مولاها، ولا نسمح للذنوب أن تطفئ ذاك النور الذي أضاء كل زاوية فيها، إن الله تعالى لا يريد منا الكمال ولا أن نكون معصومين، فأحب القلوب إلى الله تلك التي تعود إليه لا تلك التي لا تذنب، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم”، ولكنه تعالى يريد منا صدق النية وصدق المحاولة كلما زلت بنا القدم عدنا، وإذا فترت فينا الهمم نهضنا، وإذا ابتعدنا هاجت في قلوبنا مشاعر الندم والاشتياق للفرار إلى الله تعالى.
لتبقى روح رمضان تذكرنا أن العبادة ليست موسمية، وأن الله جل جلاله رب رمضان ورب الشهور كلها، وهو سبحانه الذي ناجيناه في السحر في رمضان، يسمعنا في كل الأوقات، وهو عز وجل الذي اجتهدنا بالقرب منه في ليالي وأيام رمضان أبوابه لا تغلق.
لتبقى روح رمضان، فلا نطفئ نوره الذي أضاء قلوبنا، ذاك النور الذي جعلنا نقبل على الصلاة بشوق المحبين، ونحفظ قلوبنا فلا نتركها للانشغال الفارغ الذي يضر ولا ينفع، بل نجعل فيها مساحات واسعة من المحبة والتسامح، ونجعل فيها نصيبًا وافرًا من الذكر والتأمل والتفكر الذي يقربنا من الله عز وجل، ليكون القرآن رفيقنا كما كان في رمضان، نقرؤه ونستلذ بقراءته ولا نعيده على الرفوف تعلوه الغبار لا يُفتح حتى إشعار آخر “رمضان القادم”، نصل أرحامنا ومن لهم حق علينا ولا ننتظر قدوم رمضان لنقوم بواجبنا نحوهم، ذاك الواجب الذي يعتبره البعض ثقيلًا وما علموا أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”.
وإن كنا قد انتابنا شعور بالحزن على فراق رمضان، والدهشة من السرعة التي انقضى بها، فإن كان قد رحل، فروحه أن صدقنا لا ترحل، فأعظم ما نخسره بعد رمضان ، أن ينقضي وتذهب روحه معه ونعود لما قبله، وأعظم ما نربحه أن نستمر في الطريق الذي بدأناه في رمضان ولو بخطى صغيرة، وأن نثبت في هذه الطريق، وأن يعيش رمضان فينا كما عشنا نحن فيه، وأن تبقى روحه تسري فينا حتى نحفظ ما بنيناه، ونشعر أننا ما زلنا على الطريق، وأن الحبل لا يزال موصولًا .
فلتبقى روح رمضان نورًا في قلوبنا، وسكينة في أرواحنا، وصدقًا في أقوالنا وأفعالنا، وقربًا لا ينقطع من المولى عز وجل.
