أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرشؤون إسرائيليةعرب ودولي

تحقيق: منظمة إسرائيلية تقف خلف ترحيل فلسطينيين من غزة إلى الخارج وسط اتهامات بـ”التهجير”

كشف تحقيق أجرته وكالة “أسوشيتد برس” عن تورط منظمة إسرائيلية في تنظيم رحلات جوية نقلت مئات الفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول أخرى، بينها جنوب أفريقيا وإندونيسيا، خلال الأشهر الماضية. وأثار الأمر جدلاً واسعاً بشأن دوافع هذه العمليات، خاصة في ظل اتهامات بأنها قد تكون جزءاً من محاولات دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع، فيما تقول الجهات المنظمة إن الهدف كان إنقاذ المدنيين من الحرب الدائرة في غزة.

وبحسب التحقيق الذي نشر الأحد، فقد وصلت طائرة تقل نحو 150 فلسطينياً من قطاع غزة إلى جنوب أفريقيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في خطوة فاجأت المسؤولين على الأرض. ولم تكن تلك الرحلة الوحيدة، إذ هبطت منذ أيار/ مايو الماضي ثلاث رحلات على الأقل تقل فلسطينيين من القطاع في كل من إندونيسيا وجنوب أفريقيا.

وأوضح التحقيق أن هذه الرحلات نُظمت بمشاركة منظمة إسرائيلية تُدعى “عاد كان”، وهي مجموعة أسسها جنود وضباط استخبارات سابقون في الاحتلال الإسرائيلي. وقد تم تنظيم الرحلات عبر شركة أخرى تُدعى “المجد” بهدف إبعاد الصلة المباشرة بالاحتلال وفقاً لوثائق تشمل عقوداً وقوائم ركاب ورسائل نصية وبيانات مالية، إضافة إلى مقابلات مع أكثر من عشرين شخصاً من الإسرائيليين والفلسطينيين وغيرهم ممن شاركوا في هذه العمليات.

“لم نكن نعرف من يقف وراء الرحلات”
وقال عدد من الفلسطينيين الذين غادروا القطاع إنهم لم يكونوا على علم بالجهة التي تقف وراء الرحلات، لكنهم أكدوا أن ذلك لم يكن مهماً بالنسبة لهم في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية.

وقال فلسطيني يبلغ من العمر 37 عاماً وصل إلى جنوب أفريقيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي: “كان هناك مجاعة ولم يكن لدينا أي خيارات. كاد أطفالي يُقتلون. كان الموت والدمار في كل مكان طوال عامين، ولم يأتِ أحد لإنقاذنا”.

تشير خلفية منظمة “عاد كان” ومؤسسها جلعاد آخ إلى احتمال وجود دوافع سياسية وراء هذه العمليات. وتعمل المنظمة منذ سنوات على التسلل إلى مجموعات تعتبرها “معادية لإسرائيل” بهدف كشف نشاطها.

ويُعرف آخ، وهو جندي احتياط إسرائيلي وناشط استيطاني في الضفة الغربية، بدعمه القوي لمقترح طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي يقضي بنقل نحو مليوني فلسطيني من قطاع غزة إلى خارجها.

وكان آخ قد نشر تقريراً يشرح فيه كيفية تنفيذ ما وصفه بـ“الخروج الطوعي”، مقترحاً استكمال عملية هجرة الفلسطينيين من غزة خلال ستة إلى ثمانية أشهر بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإيجاد دول تستقبلهم.

وأشار التقرير إلى أن هجرة الفلسطينيين “أمر ممكن بالكامل”، وأن إفراغ القطاع من سكانه الفلسطينيين يخدم المصالح الإسرائيلية.

دعم من اليمين الإسرائيلي للخطة
رغم أن ترامب تراجع لاحقاً عن المقترح، بعد إدانات دولية واسعة واتهامات بأنه قد يرقى إلى “تطهير عرقي”، فإن جماعات إسرائيلية يمينية متطرفة، من بينها أطراف داخل الائتلاف الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو، ما تزال تدعم فكرة نقل سكان غزة إلى الخارج.

وكشفت التقارير أن الحكومة الإسرائيلية تواصلت، بعلم الولايات المتحدة، مع عدة دول بينها أرض الصومال وجنوب السودان والسودان بهدف تسهيل هجرة الفلسطينيين من غزة.

كما أنشأ الاحتلال الإسرائيلي في العام الماضي مكتب الهجرة الطوعية التابع لوزارة الدفاع للإشراف على هذه العمليات.

من جانبه، رفض جلعاد آخ إجراء مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، لكنه قال في رسالة نصية إنه يشعر بالفخر لقيادة منظمات تدعم حق الفلسطينيين الراغبين في مغادرة غزة إلى أماكن أكثر أماناً بعيداً عن حركة حماس.

ونفى آخ الاتهامات التي أطلقتها جنوب أفريقيا بأن الرحلات تهدف إلى “تطهير غزة والضفة الغربية من الفلسطينيين”، مؤكداً أنها “رحلات إنسانية” وأن الأشخاص الذين غادروا طلبوا المساعدة بأنفسهم، بينما دفع بعضهم جزءاً من التكاليف.

وأضاف: “هناك نفاق عميق لدى الدول التي ترفض استقبال اللاجئين الفلسطينيين”. وتابع قائلاً إن بقاء الفلسطينيين في غزة في ظل الظروف القاسية “يُستخدم كأداة للضغط على إسرائيل دولياً ويسمح لحماس بالحفاظ على سيطرتها على السكان الذين يعانون”.

في المقابل، يرى منتقدون أن الحديث عن “الهجرة الطوعية” غير دقيق في ظل الظروف التي خلّفتها الحرب في غزة، حيث دمرت أجزاء واسعة من القطاع وأصبحت مناطق كثيرة غير صالحة للسكن.

كما حذرت منظمات حقوقية من ضرورة ضمان حق الفلسطينيين في العودة، مشيرة إلى أن الاحتلال يمتلك سجلاً طويلاً في تقييد عودة الفلسطينيين إلى غزة.

كيف جرى تنظيم الرحلات؟
تحدثت وكالة أسوشيتد برس مع ستة فلسطينيين غادروا القطاع عبر هذه الرحلات. وقال بعضهم إنهم بدأوا يسمعون عن شركة تساعد الناس على مغادرة غزة في مطلع عام 2025، عبر إعلانات على الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر أصدقاء وجهوهم إلى موقع شركة “المجد”.

وأوضحوا أنهم دفعوا ما يصل إلى 2000 دولار للشخص الواحد عبر تحويلات مصرفية أو عملات رقمية.

وذكروا أن الموقع الإلكتروني كان يشير إلى أن الوجهات المحتملة هي جنوب أفريقيا أو إندونيسيا أو ماليزيا دون أن يتيح للمسافرين اختيار وجهتهم.

وعندما يحين موعد الرحلة، كان المسجلون يتلقون رسالة تطلب منهم التوجه إلى نقطة تجمع، حيث يتم نقلهم بالحافلات من غزة إلى داخل الاحتلال الإسرائيلي، ثم يخضعون للتفتيش قبل السماح لهم بالصعود إلى الطائرة مع عدد محدود من الأمتعة.

وقع رجل الأعمال الأمريكي الإسرائيلي موتي كاهانا عقداً في آب/ أغسطس الماضي لتنظيم رحلة لصالح منظمة “عاد كان”. وينص العقد على أن شركته ستقدم “خدمة إنقاذ جوي” مقابل دفعة أولية لا تقل عن 750 ألف دولار.

وقال كاهانا إنه طُلب منه في البداية تنظيم رحلة تقل أكثر من 300 فلسطيني من مطار رامون في جنوب الأراضي المحتلة إلى إندونيسيا، لكن المسار تغيّر لاحقاً إلى جنوب أفريقيا، لينهي مشاركته في المشروع.

وبعد وصول الرحلة الثانية إلى جنوب أفريقيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ألغت الحكومة هناك الإعفاء من التأشيرة لمدة 90 يوماً لحاملي جوازات السفر الفلسطينية، مشيرة إلى ما وصفته بـ“إساءة استخدام متعمدة ومستمرة” مرتبطة بجهود تهجير الفلسطينيين.

شركة بواجهة عربية
وقال كاهانا إن جلعاد آخ أخبره بأن شركة “المجد” تضم عرباً وإسرائيليين لكنها تتجنب إظهار صلتها بإسرائيل.

وأضاف: “إنهم نفس الأشخاص ونفس الشركة لكن بأسماء مختلفة. لديهم فريق يتحدث العربية ويرد على الهاتف، ولا يريدون إظهار أي علاقة بإسرائيل”.

لم يتضح ما إذا كانت المنظمة تعمل بتنسيق مباشر مع الحكومة الإسرائيلية، غير أن مغادرة الفلسطينيين من غزة تتطلب موافقة إسرائيلية.

ورفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهيئة COGAT التابعة لوزارة الحرب المسؤولة عن تنسيق خروج الفلسطينيين من غزة، التعليق على الرحلات.

كما رفضت الجهات الإسرائيلية الإجابة عن أسئلة تتعلق بإمكانية عودة الفلسطينيين الذين غادروا القطاع.

في نهاية المطاف، قال عدد من الفلسطينيين الذين غادروا غزة إنهم لم يكونوا يعلمون أن جهات إسرائيلية تقف وراء الرحلات، لكن ذلك لم يكن مهماً بالنسبة لهم.

وقال أحد الفلسطينيين الذي استخدم خدمات شركة “المجد” لإرسال زوجته وابنه إلى جنوب أفريقيا: “وافقت على الرحلة ولم أكن أعرف حتى الوجهة… كل ما كان يهمني هو إخراج عائلتي من غزة وإنقاذهم”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى