خيام بلا أسرار.. كيف سلب النزوح خصوصية العائلات في غزة؟

في مخيم “دار السلام” جنوب حي الزيتون بمدينة غزة، تتراص الخيام كما لو كانت أنفاسًا متداخلة لا تجد فسحةً لتخرج. هنا يعيش خالد أبو السعيد (48 عاما)، نازحًا من حي الرمال، بعدما كان تاجرًا يفتح متجره كل صباح ويغلقه على أمل الغد. اليوم، يستيقظ على وقع أقدام المارة قرب خيمته، وعلى أصوات تتداخل بلا فواصل، كأن الحياة كلها صارت غرفة واحدة بلا باب.
يقول بصوتٍ مثقلٍ بما يكفي من الخيبات “نبحث عن حل، نريد لهذه الغمامة التي نعيشها أن تنقشع. كنا نظن أن غزة ستتحول إلى جنة بعد الهدنة، ولكن الواقع أثبت أننا مقبلون على ما هو أسوأ. إننا نتطلع إلى الإصلاح وإلى واقع أفضل مما نحن فيه الآن”.
يتوقف قليلًا، ينظر إلى الشادر الذي يفصل بينه وبين الجيران، ثم يضيف: “نحن اليوم نفترش الشوارع، وهذا ليس مخيمًا، بل هو كشف للستر؛ حيث لا يملك المرء خصوصية، ولا يستطيع حتى التنفيس عن ذاته بكلمة، فالجميع من حولك، نساءً وأطفالًا، يسمعونك”.

تفاصيل مكشوفة
في الخيمة التي لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة، تتكدس حكايات الأسرة، وأسرارها، ووجعها اليومي “لقد انعدمت الخصوصية تمامًا”، يقول أبو السعيد، ويقارن بين بيتٍ كان يملك جدرانًا تحفظ الهمس، وخيمةٍ تسمح لكل شيء أن يتسرب: الهواء، المطر، العيون، والهموم.
في كلماته امتزاج بين الحاجة والمرارة، بين انتظار الإغاثة والخوف من ضياعها في مسارات لا تصل إلى أصحابها. أما مطلبه، كما يقول، فبسيط في ظاهره عميق في جوهره “العودة إلى ديارنا؛ فنحن مستعدون لإنفاق أموالنا وإعادة إعمار بيوتنا والجلوس فيها بدلًا من البقاء في الشوارع، ففي البيت تُحفظ الخصوصية والكرامة”.
في مواصي خان يونس، يجلس محمود سلامة (32 عامًا) نازحًا من بيت حانون وأبًا لثلاثة أطفال، أمام خيمته القماشية التي يقيم فيها منذ أكثر من عام. يرفع بصره إلى السماء كما لو كان يبحث فيها عن جواب، ثم يقول: “إن أملنا معلق بالله وحده، فهو القادر على إصلاح أحوالنا”.

الجدران تحولت إلى آذان
عن تفاصيل الحياة المكشوفة للجميع، قال سلامة “الندى يسقط علينا داخل الخيام، والأمطار تغرقنا، والحصول على الماء -سواء كان مالحًا أو عذبًا- رحلة شاقة للغاية”.
يضيف وهو يشير إلى حبال مشدودة تثبت الشادر: “كل تفاصيل حياتنا هنا صعبة ومعقدة، ونسأل الله أن يهونها علينا”. لكن ما لا يُقال كثيرًا هو أن كل حديث بين زوج وزوجته، كل توجيه لطفل، كل لحظة تعب أو مرض، تُسمع في الخيمة المجاورة، كأن الجدران اختارت أن تكون أذنًا مفتوحة.
يؤكد محمود أن غياب الخصوصية يزيد من حدة التوتر داخل الأسرة. “حين يمرض أحد أطفالي، لا أستطيع حتى أن أواسي زوجتي بكلمة خاصة، لأن الجميع يسمع. حتى الشكوى صارت علنية”.
انعدام الخصوصية.. نساء غزة يواجهن تحديات صعبة في مراكز الإيواء ومناطق النزوحhttps://t.co/pb4ph9HnRW pic.twitter.com/qKcAsqj66F
— القدس العربي AlqudsAlarabi (@alqudsalarabi) May 30, 2025
تجريد نفسي
بعيدًا عن تفاصيل الخيمة الواحدة، تنظر د. سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة الفلسطينية وخبيرة الطب النفسي والآثار الاجتماعية، إلى الصورة من زاوية أعمق “إن ما نرقبه اليوم في خيام النازحين بقطاع غزة، وتحديدًا في مناطق الازدحام كمواصي خان يونس، يتجاوز بمراحل مجرد فقدان السقف المادي؛ إننا نشهد عملية “تجريد نفسي” ممنهجة للإنسان من كرامته”.
تشرح مفهوم البيت بوصفه أكثر من بناء إسمنتي: “في علم الاجتماع النفسي، نعتبر البيت هو (الجلد الثاني) للإنسان؛ هو الحيز الذي يمنحه الشعور بالأمان والقدرة على الانفصال عن العالم الخارجي ليمارس ذاته الحقيقية (…) وحين يتمزق هذا الجلد ويتحول إلى مجرد قطعة من القماش أو البلاستيك، يصبح الإنسان مكشوفًا تمامًا، ليس أمام تقلبات الطقس فحسب، بل أمام أعين وأسماع الآخرين”.
في المخيمات المكدسة، تلاشت الحدود بين “العام” و”الخاص”، كما تقول الأخصائية النفسية، مما أفضى إلى حالة من “العُري الاجتماعي” القاسي “فالمرأة في الخيمة مضطرة للبقاء بزيها الكامل وحجابها على مدار 24 ساعة، خوفًا من لمحة عابرة أو ثقب في القماش، وهذا يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم وقلق لا ينقطع، وحالة تأهب مستمرة، بلا لحظة أمان، يستنزف النفس قبل الجسد”.
شعور بالعجز
أما الرجال، فتشير سماح جبر إلى أنهم “فقدوا قدرتهم على ممارسة دورهم كحماة للخصوصية، مما يولد لديهم شعورًا بالعجز والمهانة الإنسانية، حيث تُسمع أسرار بيوتهم وأحاديثهم الخاصة في الخيمة المجاورة كأنها مشاع للجميع، هذا الانكشاف المستمر يضرب في صميم صورة الذات، ويعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة على نحو متوتر”.
وتحذر الأخصائية الفلسطينية من الأثر الأعمق على الأطفال: “الأطفال في هذه الخيام يُحرمون من “حق الاختباء” ومن براءة النمو بعيدًا عن صراعات الكبار وهمومهم. إنهم يشهدون تفاصيل بيولوجية واجتماعية لا تناسب أعمارهم، مما يؤدي إلى “بلوغ قسري” مشوه يغتال طفولتهم”.
وتضيف: “إن انعدام الخصوصية في الخيام يحول المجتمع إلى كتلة واحدة متوترة، حيث يرتفع منسوب العنف المنزلي والمشاحنات، نتيجة الضغط النفسي المتولد من العيش في بيئة لا تمنح المرء لحظة واحدة من الخلوة مع النفس أو ممارسة الحميمية الأسرية بكرامة”.
سجون قماشية
تختم سماح جبر بتحذير صريح “إننا لا نتحدث هنا عن رفاهية، بل عن أساس من أسس الصحة النفسية السليمة. إن استمرار العيش في هذه “السجون القماشية” المكشوفة يفتت الهوية الشخصية ويصيب الروح في مقتل، لأن الإنسان من دون خصوصية هو إنسان مجرد من حصانته النفسية، وهو ما نعتبره جريمة صامتة تُرتكب بحق إنسانية هؤلاء النازحين كل يوم”.
بين “كشف الستر” الذي تحدث عنه أبو السعيد، و “التجريد النفسي” الذي حذرت منه سماح جبر، وندى الخيام الذي يغرق محمود، تتجسد حقيقة واحدة: أن الخصوصية ليست رفاهية، بل شرط أساسي للكرامة الإنسانية. وفي انتظار إعادة الإعمار، والعمل، والعدالة، تظل الخيمة شاهدًا على جرح مفتوح، لا يراه العالم إلا حين ترفرف أطرافه في مهب الريح.
المصدر: الجزيرة