جدعون ليفي: المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة إدمان على الحروب

رأى الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة “إدمان جماعي على الحروب”، معتبرًا أن كل مواجهة عسكرية جديدة تُقدَّم للرأي العام باعتبارها الحل النهائي للأزمات الوجودية، قبل أن تتحول سريعًا إلى محطة أخرى في سلسلة صراعات بلا نهاية.
وفي مقال نشرته صحيفة هآرتس، أشار ليفي إلى أن الخطاب الإعلامي والسياسي في إسرائيل يعيد إنتاج المشهد ذاته مع كل تصعيد، من محللي البرامج الإخبارية الذين يبدون حماسة لطرح توجيه ضربة لإيران، إلى جمهور يحتفي مسبقًا بما يوصف بـ”النصر الكامل” على أعداء الكيان.
وتبدو إسرائيل -بحسب ليفي- وكأنها فقدت ذاكرتها التاريخية، “مذهولة من حرب إلى أخرى”، حيث يجري تصوير كل حرب باعتبارها لحظة حاسمة ستُنهي التهديدات نهائيا، قبل أن تتلاشى تلك الوعود مع اندلاع مواجهة جديدة.
وقال إن كل حرب في إسرائيل تبدأ بإجماع شبه كامل، إذ يسارع الساسة والمحللون إلى إعلان وحدة وطنية وانتصار وشيك، بينما تتكرر الأسئلة ذاتها التي رافقت الحروب السابقة: “هل من بديل؟” و”ماذا كان لنا أن نفعل عدا ذلك؟”.
ويصف الكاتب أجواء الاستوديوهات التلفزيونية عشية التصعيد بأنها أقرب إلى انتظار “الخلاص”، حيث بدا بعض المعلقين -على حد تعبيره- وكأنهم ينتظرون الحرب كما يُنتظر المخلّص، في حالة من الحماسة الجماعية التي لا تدوم طويلا قبل البحث عن جولة جديدة من المواجهة.
وعلى خلاف العقود الأولى للـ”الدولة”، التي شهدت فترات هدوء أطول بين الحروب، تقلّصت الفواصل الزمنية اليوم إلى بضعة أشهر فقط بين حرب وأخرى، كما يلاحظ ليفي.
ويقول إن القيادات الإسرائيلية دأبت بعد كل حرب على إطلاق وعود كبرى بتحقيق الأمن الدائم، مستشهدًا بتعهدات أُطلقت في أعقاب حروب سابقة؛ إذ وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن عقب انتهاء حرب لبنان الأولى عام 1982 بأن “لا قذيفة ولا صاروخ كاتيوشا سيسقطان مجددًا على بلداتنا”، وأكد رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت بعد حرب لبنان الثانية عام 2006 أن “الدماء لم تُسفك عبثًا”، وهي وعود يرى ليفي أنها لم تصمد أمام اختبار الواقع.
وتوقف الكاتب عند إعلان “النصر الكامل” على إيران قبل أشهر، حين اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الضربة العسكرية ستدخل التاريخ العسكري العالمي، قبل أن يتبدد ذلك الخطاب سريعًا مع عودة التوترات.
وتحمل أسماء العمليات العسكرية المبالغ فيها، في نظر ليفي، دلالة مبكرة على إخفاقاتها المتوقعة، مشيرًا إلى أن ما وُصف بـ”الانتصارات التاريخية” لم يلبث أن تلاشى سريعًا.
ولا يرى ليفي أن أيا من الحروب الإسرائيلية -باستثناء حرب 1948 (النكبة)- قد حقق إنجازا إستراتيجيا دائما، معتبرا أن معظمها كان حروبا طوعية ثبت لاحقا أن قرار خوضها كان خطأً سياسيا.
كما شكك في توصيف الهجوم الأخير باعتباره “ضربة استباقية”، موضحًا أن هذا النوع من العمليات يُفترض أن يستهدف طرفا يستعد لشن هجوم وشيك، وهو ما لا ينطبق -بحسب رأيه- على إيران. وزعم ليفي أن النظام الإيراني يشكل مصدر قلق أمني للمنطقة منذ سنوات، لكنه شدد على أنه لم يكن يوما خطرا وجوديا كما جرى تصويره داخل إسرائيل.
ولا تبدو الوعود المتكررة بتحقيق “الحسم النهائي” عبر القوة العسكرية -وفق طرحه- قابلة للتحقق بالسلاح أو بالتفوق الجوي، إذ يبقى استمرار الاحتلال العامل المركزي الذي يمنع الوصول إلى استقرار حقيقي. وتكشف التجارب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران، بحسب الكاتب، عن غياب الإنجازات الحاسمة رغم سنوات من العمليات العسكرية، داعيًا المجتمع الإسرائيلي إلى “الاستفاقة من نشوة الحروب ووعودها الفارغة”.
واختتم ليفي مقاله بتحذير حادّ، قائلا: “ستسيل الدماء كالماء، ولن تنسى الولايات المتحدة أننا دفعناها إلى هذه الحرب، وفي نهايتها سنستيقظ على فجر قديم جديد”.
