أخبار رئيسيةتقارير ومقابلاتعرب ودوليومضات

محكمة مصرية تتهم أبو الفتوح بشراء أسلحة واستهداف ضباط من زنزانة انفرادية

قررت محكمة “جنايات أمن الدولة العليا طوارئ”، مد إدراج السياسي المصري المعتقل منذ عام 2018، الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، و27 آخرين على قوائم الإرهاب 5 سنوات جديدة، بدعوى مشاركته باجتماعات داخل محبسه بزنزانة انفرادية لـ”تفعيل الدعم المالي، وشراء أسلحة، ورصد ضباط ومنشآت، لاستهدافهم”.

وتقول حيثيات القرار، الذي أمرت المحكمة بنشرها بـ”جريدة الوقائع”، إن “المتهمين اتبعوا ممارسات خطيرة تمثلت في عقدهم لقاءات بمحبسهم وأثناء تردد بعضهم على النيابات؛ حيث اتفقوا على تفعيل دور لجان الدعم المالي لشراء الأسلحة والمفرقعات وتخزينها، كما تولوا رصد ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة ومنشآتهم والمنشآت العامة تمهيدا لاستهدافهم بعمليات عدائية”.

واستندت الحيثيات التي أعلنت أن من بين الأسماء المدرجة: محمود محمد فتحي، وعبدالهادي أبوسعد، ومحمد علي القصاص، وأحمد أبوبركة، والحسن خيرت الشاطر، إلى تحريات الأمن الوطني، دون الإعلان عن وقائع بعينها جرت، أو أسلحة وذخائر ومتفجرات تم ضبطها، أو اعترافات أمام المحكمة والنيابة لأشخاص تم توقيفهم.

وقوبل القرار الذي يترتب عليه تجميد أموال أبو الفتوح، ومنعه من التصرف فيها، في أوساط المعارضين بسخرية وتهكم، فيما رأى حقوقيون أنه يؤكد “حجم ما يتعرض له أبو الفتوح (73 عاما)، ومعه أكثر من 60 ألف معتقل من تلفيق لتهم غير منطقية منبتة عن الواقع، ويتبعها انتهاكات حقوقية ومخالفات للقانون وتنكيل بالمعتقلين”.

وأوضحوا أنه “طوال سنوات اعتقال أبو الفتوح، وكبار قيادات جماعة الإخوان المسلمين، جرى التوثيق الحقوقي لإيداعهم زنازين انفرادية وخاصة بسجن (بدر3)، بينما ممنوع عنهم التواصل بباقي المعتقلين، ومحرومون من زيارة أسرهم وهيئات الدفاع عنهم القانونية”، متسائلين: “كيف التقى أبو الفتوح 27 شخصا وخططوا لتلك الجرائم، بينما هو تحت رقابة أمنية بكاميرات مثبتة في حبسه الانفرادي ويعاني أمراضا خطيرة؟”.

ويلفتون إلى أن “القرار الجديد بحق أبو الفتوح، يظل شاهدا على ما يجري بحق آلاف المعتقلين من عمليات تدوير في قضايا جديدة وبتهم جديدة مع نهاية فترة حبسهم أو صدور قرار بإخلاء سبيلهم، حيث يرفض الأمن الوطني الإفراج عنهم ويقوم بإخفائهم قسريا ثم توجيه تهم جديدة لهم وإحالتهم للنيابة مجددا”.

لماذا أبو الفتوح؟
تتقاطع حملات التنكيل بأبو الفتوح التي طالت نجله أحمد، كونه شخصية قوية لها تاريخ من النضال السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي، واختاره نحو 4 ملايين مصري بالانتخابات الرئاسية التي خاضها عام 2012، معظمهم خليط بين الإسلاميين والليبراليين، في مشهد لم يجتمع لأي من الـ13 مرشحا عقب ثورة يناير 2011، ما زاد مخاوف رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، من حضوره وتأثيره بالشارع السياسي.

أبو الفتوح، ولد بحي الملك الصالح بمصر القديمة في القاهرة عام 1951، وبرز كقائد للحركة الطلابية في السبعينيات بعد واقعة المناظرة الشهيرة مع الرئيس أنور السادات، ليبرز لاحقا كأحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين وعضوا بـ”مكتب الإرشاد”، ليقرر الانفصال عن الجماعة عام 2011، ويؤسس حزب “مصر القوية”، والترشح للرئاسة ليحصد المركز الرابع بين المرشحين.

رغم تأييده لبيان “30 يونيو” 2013، في البداية، إلا أنه تحول لمعارض شرس بعد فض الجيش اعتصام “رابعة”، وانتقد بشدة السياسات الاقتصادية والأمنية للسيسي، ليتسبب وصفه النظام بـ “القمعي” في لقاءات إعلامية من لندن عام 2018، في اعتقاله في شباط/ فبراير، بتهم “قيادة جماعة إرهابية” في إشارة للإخوان المسلمين (رغم فصله من الجماعة).

وشهد أيار/ مايو 2022، إصدار محكمة أمن الدولة العليا طوارئ حكما بالسجن المشدد لأبو الفتوح، 15 عاما، لتتفجر قضية نجله أحمد العام الماضي، ويجري توقيفه أثناء معاملة مرورية لتقرر محكمة مصرية حبسه 5 سنوات في تموز/ يوليو الماضي، ما رأى فيه حقوقيون تنكيلا بعائلة أبو الفتوح، على غرار التنكيل بعائلات جميع الرموز السياسية والقيادات الشعبية المعتقلين.

ولذا يرى المحللون أن “الاتهامات الهزلية الأخيرة بالتخطيط من داخل الزنزانة الانفرادية يمكن تفسيرها من وجهة نظر حقوقية أنها ذريعة جديدة لعدم الإفراج عن أبو الفتوح أو تأبيد احتجازه، ومنع أي مبادرة لإخلاء سبيله تحت ضغوط صحية أو دولية، وإرسال رسالة مفادها أن المعتقلين السياسيين لن يروا النور في ظل نظام السيسي”.

ويعتقد أصحاب هذا الرأي بأن “وجود أبو الفتوح، خارج محبسه بين الناس يمثل بديلا قويا وجاهزا يرضى به الإسلاميون والليبراليون على حد سواء، وهو ما قد يقلق رأس النظام الذي يسعى لترسيخ أقدامه بالسلطة بعد نهاية ولايته الثالثة في 2030، ما يجعله حريصا على استمرار الرموز ذات الثقل الجماهيري خلف القضبان”.

ويواجه أبو الفتوح، وضع صحيا مقلقا، حيث تُحذر المنظمات الحقوقية المصرية والدولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، من معاناته مع نوبات قلبية متكررة وانزلاق غضروفي، معتبرين أن استمرار حبسه يرقى لكونه “قتل بطيء”.

غياب دولة القانون
وفي حديث صحفي حول سر التنكيل بأبو الفتوح وخاصة بعد التهمة الجديدة التي طالته بالتخطيط من زنزانته الانفرادية لشراء أسلحة ورصد ضباط ومنشآت، قال الحقوقي المصري خلف بيومي: “اعتمد النظام المصري سياسة التنكيل بكل معارضيه ولم يستثن أحدا”.

مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أوضح أنه “اضطهد أساتذة الجامعات، وأعضاء هيئة التدريس، والقضاة، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنساء؛ ولم يسلم من ذلك رجال الأحزاب، فتم القبض على عدد كبير منهم، وبالطبع كان الدكتور أبو الفتوح ضمن قائمة طويلة”.

وأضاف: “مما لا شك فيه كان الاضطهاد بعد موقف الدكتور الرافض لتجاوزات النظام، وغلق مجال الحريات؛ كما يرى النظام أنه يمثل واجهة قد يلتف حولها الناس وتستمع إليه، مثله مثل المحامي عصام سلطان، والشيخ حازم أبوإسماعيل، والدكتور سعد الكتاتني، والمحامي صبحي صالح -جميعهم معتقلون منذ 2013-“.

ويرى بيومي، أنه “لذلك يتم إعادة تدويرهم جميعا على قضايا مماثلة وبنفس الاتهامات غير المنطقية؛ وإن كانت أحيانا تصل الاتهامات لدرجة من السفه أو الجنون، مثل اتهام الدكتور أبو الفتوح بالتخطيط لشراء أسلحة”.

وفي نهاية حديثه يعتقد الحقوقي المصري، أن “المشكلة لا تكمن في الاتهام، وإنما في غياب دولة القانون، التي تسمح بتلك المهاترات”.

استبداد وطغيان
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد فخري، أن “التهم الصفيقة المدهشة التي طالت الدكتور أبو الفتوح داخل زنزانته الانفرادية، من تخطيط وشراء أسلحة ورصد منشآت، لا تشير إلى شيء بقدر ما تشير إلى استبداد وطغيان وبجاحة هذا النظام، وسعيه الدائم إلى التنكيل بمعارضيه وتصفيتهم حتى الرمق الأخير دون عدل أو شفقة أو رحمة”.

وفي حديث صحفي، أضاف: “كما تشير إلى استهانة النظام بالشعب وبالقوانين وبمؤسسات الدولة العدلية والأمنية”، متسائلا: “فهل من المنطقي أن تحقق النيابة في تلك الاتهامات العبثية؟، وأن يقيم القضاء المحاكمات ويصدر الأحكام بناء على تلك الاتهامات غير المعقولة؟”.

وتابع: “ثم بعد ذلك تكتمل دائرة العبث وتنشر الصحف ووسائل الإعلام وقائع الجلسات الهزلية وأحكامها دون الإشارة إلى الإجراءات الجنونية المنافية للعقل”، مؤكدا في نهاية حديثه أن “الأمر قد تجاوز تماما منطق (عدالة المنتصر) إلى منطقة (جنون شريعة الغاب)”.

تهمة فاضحة للنظام
وقال الأكاديمي أحمد جاد، إن سر التنكيل بأبو الفتوح واضح في “انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين في يوم من الأيام، واعتقاد النظام أن حزب (مصر القوية) أحد أحزاب تيار الإسلام السياسي أو أحد الأذرع السياسية لجماعة الإخوان في مصر”.

ولفت في حديث صحفي، إلى أن “التهمة الملفقة الموجهة له تهمة مفضوحة جدا لدرجة السخرية”، متسائلا: “فكيف لرجل تخطى السبعين من العمر وداخل محبسه بزنزانته الانفرادية أن يجتمع ويخطط ويمول لضرب أفراد أو منشآت حيوية داخل البلاد”.

وختم مؤكدا أنها ” تهمة فاضحة للنظام ومؤكدة لكم القضايا الملفقة لجميع معتقلي الرأي في مصر”، متسائلا: “متى تتوقف عمليات تلفيق التهم للمعارضين؟، ومتى يتوقف التنكيل بهم داخل السجون والمعتقلات؟”، مشيرا لحبس آلاف المعتقلين مثل أبو الفتوح وفق قضايا ملفقة”.

ويعيش أبو الفتوح في سجن “بدر3″، ضمن وضع كارثي يعاني منه جميع قيادات جماعة الإخوان المسلمين، يصفه مركز “الشهاب لحقوق الإنسان”، بقوله: “في سجن (بدر٣ قطاع ٢) لا تخرج العدالة.. بل تُطفأ الأرواح”، مشيرا في تقرير له إلى انتهاكات بينها: الإهمال الطبي، وزنازين العزل، والموت البطيء خلف الجدران، مطالبا بإنقاذهم “قبل أن تُضاف أسماء جديدة إلى القبور”.

ويؤكد الشهاب أن “الأوضاع داخل سجن بدر (3) تشهد حالة من التوتر المتصاعد، عقب سلسلة من الانتهاكات والإجراءات التعسفية التي بدأت باعتداءات لفظية، وانتهت بوفاة عدد من المعتقلين نتيجة الإهمال الطبي وسوء المعاملة، ما دفع المعتقلين إلى الدخول في احتجاجات جماعية لا تزال مستمرة حتى الآن”.

وكشف التقرير عن سوء أوضاع المعتقلين بقطاع (2)، الذي يضم عددا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدا أنهم يتعرضون لتنكيل مضاعف يشمل: منع الزيارات، والحرمان من التريض، وحظر إدخال الأطعمة والرسائل، واستمرار العزل لمدد تجاوزت 13 عاما، وذلك رغم خوضهم إضرابات متكررة عن الطعام ومحاولات انتحار سابقة، دون أي تغيير في سياسات إدارة السجن.

بارقة أمل
وفي حين تتواصل الدعوات والنداءات من قبل شخصيات معارضة وأخرى مقربة للنظام المصري، تطالب بحل أزمة المعتقلين وعقد مصالحة وطنية نظرا لما تمر به البلاد من أزمات اقتصادية ومخاطر على الأمن القومي مع تفاقم أزمات غزة شرقا وليبيا غربا والسودان والصومال واليمن وإثيوبيا جنوبا؛ يرفض السيسي، التعاطي معها.

ومنذ الانقلاب العسكري الذي تزعمه السيسي، منتصف 2013، يقود حملة أمنية لم تهدأ اعتقل خلالها مئات الآلاف من المصريين، فيما تؤكد منظمات حقوقية على وجود أكثر من 60 ألف معتقل حاليا، بلا أمل في نهاية مأساتهم أو استرداد حريتهم أو محاكمة من ارتكبوا جرائم بحقهم.

ولكنه في بارقة أمل لهم، دانت المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان جريمة “كشوف العذرية” التي ارتكبتها عناصر تابعة للجيش بميدان التحرير بحق ناشطات ثورة 25 يناير 2011، والتي تشير أصابع الاتهام فيها إلى تورط رئيس المخابرات الحربية حينها عبدالفتاح السيسي.

وأكدت المفوضية أن “ما جرى يُعد انتهاكا جسيما للكرامة الإنسانية وتعذيبا ومعاملة مهينة، مطالبة بتعويض كل فتاة بمبلغ 100 ألف جنيه عن الأضرار النفسية والجسدية، إلى جانب محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات”.
اقرأ أيضا:

الحكم وفق مراقبين، يمثل “نقطة ضوء نحو استعادة حقوق آلاف المعتقلين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحقهم من الجيش والشرطة ورأس النظام”، كما يرون أنه “يمكن الاستعانة بالحكم وإثبات مسؤولية السيسي عن تلك الجريمة بصفته العسكرية حينها ورفع قضايا في جرائم النظام بحق الذين قتلوا برصاص الجيش والشرطة والذين تعرضوا للإخفاء القسري والاعتقال”.

كما يرون أن “إعلان المحكمة الأفريقية بأن جرائم كشف العذرية تمثل انتهاكا جسيما لا يسقط بالتقادم، سندا قانونيا يفيد في باقي القضايا الموثقة بحق المعتقلين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى