المؤسسة الاسرائيلية في النقب… سياسات هدم البيوت.. الحرب الصامتة (1)
صالح لطفي، باحث ومحلل سياسي
في هذه المقالة والتي تليها سألقي الضوء على ما يدور على ارض النقب الاشم من ملحمة بطولية صامتة يخوضها اهالي النقب لوحدهم وبصدورهم العارية مع المؤسسة الاسرائيلية التي اصدرت منذ عام 1948 مئات القرارات والتوصيات ونفذت الاف الهجمات على سكان النقب فقتلت وهجرت وشردت منهم الالاف الى غزة والاردن آملة أن تفرغ النقب من أهلها باعتبار ان الدولة منذ لحظتها الاولى اعتبرت النقب عمقها الاستراتيجي والمؤمل عندهم ان يسكنها الاسرائيليون يوم تصبح دولتهم الواقعة بين الخضيرة وجديرة – دولة تل ابيب- مكتظة لا تحتمل بها الحياة ، وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظات ومع ذلك فقد شرعت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ مطلع الالفية الثالثة الشروع بوضع المخططات والبرامج للسيطرة على ما تبقى من الارض علما ان المؤسسة الاسرائيلية بدأت منذ لحظات مبكرة بإرسال اليهود الشرقيين خاصة يهود شمال افريقيا ليسكنوا مدنا قد بدأوا بإنشائها للتو تمشيا مع سياساتهم المبنية على استيطان اراض مصادرة وتملكها … وهو بالضبط ما فعله دافيد بن غوريون تمشيا مع قناعاته التي آمن بها من ضرورة منع الفلسطينيين من العودة الى ديارهم بعد ان حدثت اللحظة التاريخية من تهجيرهم وطردهم.
بين اعوام 2013 و2017 هدمت المؤسسة الاسرائيلية 5282 مأوى للمواطنين البدو بين بيت من حجر وأخر من طوب وثالث من خشب وكوخ وخيمة ، وهدمت سلطات اسرائيل قرية العراقيب 125 مرة ، والزمت اهلها بغرامات بلغت 262 ألف شيقل تكاليف الهدم و100 ألف شيقل تكاليف محامي الدولة ولقد بلغت الغرامات المالية التي فرضتها هذه المؤسسة على اصحاب البيوت المهدومة ملايين الشواقل لتغطية قواتها ” الضخمة والكبيرة ” التي تستجلبها لهدم هذه البيوت ومعلوم ان هذه الحكومة قد رصدت قرابة نصف مليار شيقل للنقب من اجل “فرض” القانون بزعم ان هؤلاء البدو يقتحمون ويسيطرون على اراض الدولة وتوزع هذه الاموال على عدد من الاجسام مثل سلطة تطوير البدو ووحدات يوآف وجمعيات متطرفة همها الاساس متابعة البناء الداخل الفلسطيني ومن ضمنها النقب كجمعيات ريغفيم وأور، وبناء على تلكم السياسات تجرأت المؤسسة الاسرائيلية وقتلت ثلاثة من ابناء النقب بين اعوام 2015 و2017 كان اخرها قتل المربي والاستاذ يعقوب موسى حسين ابو القيعان عندما حاولت السلطات الاسرائيلية هدم بيوت قريتهم التي ألجئوا أليها في عام 1956 نازحين من اللقية ومن قبل طردوا من ارضهم بعيد النكبة مباشرة . والهدف الاساس من وراء هذا القتل ارسال رسالة الى اهالي النقب مفادها انكم ما زلتم تشكلون خطرا امنيا وعلى ضوء هذه الحقيقة يتم التعامل معكم.
في هذه الاثناء تخوض العديد من القرى والتجمعات غير المعترف بها معركة وجود مع المؤسسة الاسرائيلية للبقاء على ارضها، وتعتبر قضية قرى غزة وزعرورة والفرعة من القرى المهددة بالهدم والتشرد بسبب اقرار الحكومة الاسرائيلية انشاء مقلاع -منجم-لاستخرج الفوسفات من اراضي هذه القرى وستصادر المؤسسة الاسرائيلية 27 الف دونم من اجل هذا المشروع الذي تشرف عليه شركة روتم إمبارط التابعة لمجمع الكيماويات المملوك لعائلة نمرودي احد اكبر عائلات المال محليا وعالميا..
الخلفية التاريخية
تبلغ مساحة اراضي النقب قرابة 13 الف كم2 من مجموع اراضي فلسطين التاريخية وقد استوطن البدو اراضي النقب منذ قرون عدة حيث تكشف سجلات عثمانية من القرن السادس عشر ان عشائر بدوية كانت تمارس الزراعة ويكفي ان يعلم القاريء الكريم والقارئة الكريمة انه وفقا لسجلات بريطانية رسمية فقد زرع بدو النقب عام 1928 ما يقارب 1,5، مليون دونم من الاراضي وارتفعت المساحة عام 1934 الى 2.2 مليون دونم مما يعني أننا امام تجمع بشري ” حضري ” وكانت حكومة الاحتلال البريطاني وعلى لسان وزير مستعمراتها آنذاك وينستون تشرشل قد أقرت النظام العشائري على الاراضي وتكشف الوثائق التزام بريطاني بذلك” وزير الدولة لشؤون المستعمرات أقرَّ بالوعود التي صرح بها المندوب السامي في بئر السبع للشيوخ من جديد ووفقا له فأنَّ الحقوق الحاصة وعادات القبائل البدوية لن يخل بها “.وقد دون البريطانيون في سجلاتهم اسماء القرى البدوية من اجل جباية الضرائب الزراعية وقاموا بتوثيقها في الخرائط كمناطق نفوذ بلدية . وكان من المفترض ان تستمر المؤسسة الاسرائيلية على نفس سياسات العثمانيين والبريطانيين لكنَّ المؤسسة أصرت على ان هذه الاراضي اراض موات – أي غير مستغلة ومتروكة وقاحلة – لتبرير ” سرقتها ” لهذه الاراضي وهو ادعاء تفضحه يوما بعد يوم الوثائق العثمانية والبريطانية فقد دفع بدو بئر السبع ضريبة العشر عام 1907 للسلطات العثمانية على اراضيهم ومواشيهم ، وتشير وثائق أرشيفية إسرائيلية بوضوح ان البدو الذين هُجروا من المنطقة الغربية إلى منطقة السياج (السياج أو المعزل هو اسم اطلق على المنطقة التي تم تركيز البدو فيها تحت الحكم العسكري في شمال شرق النقب ولا تمثل هذه المنطقة سوى 10% من الأراضي التي كانت تحت سيطرة القبائل البدوية قبل عام النكبة) ارسلوا طلبات مختلفة للحكومة الإسرائيلية للسماح لهم بالعودة لأراضيهم الذي استولى عليها الوصي على أموال الغائب لكن دون جدوى. فعلى سبيل المثال فقد بعث بعض مشايخ النقب في عام 1950 برقية للحاكم العسكري ميخائيل نيقبي مطالبين السماح لهم بالعودة لأراضهم التي اصبحت منطقة مغلقة أو بالأحرى كما يطلق عليها اهل النقب بالمنطقة المحرمة. ومعلوم ان العسكريين لم يسمحوا للبدو ليس فقط بالعودة الى ارضهم بل وأخذ ما تركوه من متاع وممتلكات فقد تم السيطرة على هذه الاملاك فمنها ما تم توزيعه على المستوطنين الغزاة الجدد كما سنبين في متن هذه المقالة ومنه ما صادرته الدولة ولَّما تفتحه لجمهور الباحثين والمؤرخين وثالث بقي تحت سيطرة املاك الغائبين وتم وضعه تحت تصرف الوصي على املاك الغائبين.
تعود ازمة العلاقة بين المؤسسة والبدو في النقب الى ما قبل قيام الدولة ومحاولاتهم شراء الاراضي، واستمرت بقوة بعد قيام الدولة، فقد ادعت المؤسسة الاسرائيلية ان الاراضي في النقب هي اراض متنازع عليها لأنها اراض موات وفقا للتعريف العثماني وبالتالي تصبح الارض من حق الدولة أي اسرائيل باعتبارها وريث الاحتلال البريطاني الذي ورث الاراضي العثمانية، وهو زعم متهافت كما بينه العديد من الباحثين والمؤرخين.
بين عامي 1948-1949 هدمت المؤسسة الاسرائيلية معظم القرى والمضارب البدوية وطردت 80% من سكانه وحولتهم بين عشية وضحاها الى لاجئين ومشردين ومشتتين ، علما أنَّ اراضي النقب كان من المفترض ان تكون وفقا لقرار التقسيم عام 1947 من اراضي الدولة الفلسطينية التي لم تقم ولم يسمح احد بقيامها وفي هذا السياق يشير المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة الى ان النقب كان من ضمن مخططات الحركة الصهيونية في الاستيلاء عليه وانه محط اهتمام مبكر ، لذلك سارعت قوات الهاغاناه لطرد السكان فور دخولها اراضي النقب تمشيا مع مخططها الشامل لإنشاء اسرائيل على اكبر قدر ممكن من الارض الفلسطينية.
في عام 1951 قامت المؤسسة وفي ظل الحكم العسكري الذي فرضته عليهم وعلى كافة الداخل الفلسطيني قامت هذه القوات بطرد 12 عشيرة من اراضيها وحشرهم في منطقة عرفت تاريخيا بمنطقة السياج او المعزل حيث بلغت مساحة هذه المنطقة اقل من مليون دونم من الارض وبذلك سعت المؤسسة للسيطرة على الاراضي الخصبة التي تجاوزت ثلاثة ملايين دونم وكلها ملك للعشائر البدوية وعلى باقي الاراضي في النقب أي انها صادرت اكثر من 11 مليون دونم من الارض ومنعت اصحاب الاراضي من دخولها برسم انها مناطق عسكرية مغلقة فالمنطقة المسماة بالسياج لا تتجاوز 10% من اراضي النقب .وتفيد الوثائق الاسرائيلية المتعلقة بتلكم الفترة من تاريخ النقب ان قيادات تلكم العشائر قد طالبت المؤسسة الاسرائيلية بالعودة الى اراضيهم التي تم الاستيلاء عليها لكنّ هذه المطالب ذهبت ادراج الرياح رغم ان بعض الباحثين يذهبون الى ان قيادات تلكم الفترة من العسكريين وعدت بإعادتهم الى ارضهم.
قدم عالم الاثار الاسرائيلي دان غازيت في صحيفة “كاخا -زيه ، ככה זה -” عام 2012 تقريرا ” شهادته” اكد فيه ان سياسات المؤسسة الاسرائيلية كانت تعمل على مصادرة الاراضي الخصبة وهو ما فعلته مع سكان العراقيب عام 1951 فقد صرح الحاكم العسكري آنذاك وفقا لتلكم الشهادة ان سيطرة هؤلاء السكان على 100 الف من الاراضي الخصبة الزراعية سيشكل عائقا كبيرا امام تطوير النقب وكشف في تلكم الوثيقة الشهادة ان طرد اثني عشرة عشيرة بدوية والاستيلاء على اراضيها صب في نفس السياسات حيث تم توزيع الاراضي مباشرة على المستوطنين اليهود وكذلك تم سرقة ارزاقهم وماشيتهم وتم توزيعها على القرى التعاونية اليهودية.
المهم في شهادته تأكيده على سرقة الارشيف من بلدية بئر السبع وفي هذا يقول ” تواجد في بلدية بئر السبع الانتدابية (أي في فترة الانتداب البريطاني) أرشيف تضمن كافة تسويات الملكية لبدو المنطقة. والسبب الرئيس لمواجهة البدو صعوبات جمة في المحاكم الإسرائيلية في إثبات ملكيتهم للأراضي التي سكنوا فيها منذ الفترة العثمانية، هو أنه بعد احتلال بئر السبع اهتمت السلطات “الإسرائيلية “بـ(فقدان) محتوى هذا الأرشيف خلال نقله إلى أرشيف الدولة. وفي هذا السياق يؤكد:” ودولة “إسرائيل”، التي أخفت تسويات ملكية البدو لأراضيهم في العام 1948، تطردهم اليوم من أراضيهم بادّعاء أنه ليس بحوزتهم وثائق ملكية رسمية لـ 800 ألف دونم في شمال النقب”.
سياسات التجميع والترويع
يمكننا حتى هذه اللحظات ملاحظة ثلاثة مراحل من العمل قامت بها المؤسسة في سبيل ترويض اهالي النقب ومصادرة ارضهم وممتلكاتهم .. كانت المرحلة الاولى في حصرهم في منطقة السياج التي أشرنا اليها ثم كانت المرحلة الثانية التي تمثلت بإقامة العديد من التجمعات السكنية-جدول رقم1- وذلك على مدار اكثر من اربعة عقود هدفت الى تحقيق عملية ترويض مجتمعي رافقه تغيير اجتماعي مغاير للبيئة التي ترعرع عليها ابن النقب فالاستقرار لك يكن هدفه فقط مصادرة الارض بل والعمل من خلال مؤسسات وجمعيات وقوى مختلفة على اعادة هندسة الانسان النقباوي تماما كما فعلت مع مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني وما يتم فعله اليوم في مناطق السلطة عبر مفاعيل مختلفة ، فيما كانت المرحلة الثالثة العمل الجاد على مواجهة مباشرة مع ابن النقب واخذت منحى واضحا بعد عام 2005 وتكليف مجلس الامن القومي بمتابعة ملف النقب حيث عُرِفَت القضية ب” مشكلة البدو ” …
في عام 1969 شرعت المؤسسة الاسرائيلية بإقامة تجمعات سكنية للبدو تمهيدا لسياساتها الرامية لتجميع كافة سكان البدو في تلكم التجمعات السكنية -انظر الجدول رقم “1”-من اجل إحكام سيطرتها على كافة الاراضي في النقب وشرعت منذ عام 2005 بعملية متابعات قانونية تستهدف اتمام عمليات مصادرة الاراضي وخلال هذه السنوات كلفت العديد من اللجان كلجنة غولدبرغ ولجنة برافر ” غولدبرغ-برافر” لتقديم توصياتها بشأن التعامل مع معضلة اهالي النقب.
جدول رقم-1-
البلدات التي اقامتها اسرائيل من اجل ضمان سيطرتها على الحيز العام في النقب، والحيلولة دون عودة اصحاب الارض اليها..
| البلدة | مساحة النفوذ-معطيات2007 | عدد السكان -معطيات تقريبية 2016 | سنة الاقامة |
| تل السبع | 5000 | 19200
|
1968 |
| رهط | 19586 | 64000 | 1972 |
| عرعرة | 14052 | 16700 | 1980 |
| كسيفة | 13692 | 14400 | 1982 |
| شقيب السلام | 5981 | 9500 | 1984 |
| حورة | 7425 | 20000 | 1989 |
| اللقية | 5728 | 24400 | 1990 |
في عام 2005 وافقت المؤسسة الاسرائيلية على انشاء مجلس اقليمي ابو بسمة ويضم عددا من القرى أبو السيد،أم بطين،أبو قرينات،دريجات،بئر هداج،قصر السر،ترابين،مولاده، مكحول.
يبلغ اليوم تعداد سكان النقب العرب وفقا لاحصائيات عام 2016 أكثر من 230 ألف نسمة موزعين بين تجمعات بنتها الدولة وقرى معترف بها واخرى غير معترف بها -انظر جدول رقم “2”
جدول رقم -2-
توزيع سكان النقب العرب
| نوع التجمع | تعداد السكان” ارقام تقريبية” |
| تجمعات حكومية | 152 ألف |
| القرى غير المعترف بها | 62 ألف |
| قرى معترف بها | 20000 |
كما اشرت سابقا فمنذ عام 2005 أقرت المؤسسة الاسرائيلية سياسة القبضة الحديدية مع سكان النقب بناء على سند قانوني تمثل بقانون ” طرد الغزاة ” الذي نص على ” تفريغ الارض من أي بشر او ممتلكات منقولة او حيوان او مبنى قائم عليها وكل ما يتل بها بشكل ثابت” كما نص على منظومة من العقوبات والجزاءات لكل غاز لأرض عامة، وفي عام 2010 اقرت لجنة وزارية تعنى بتطوير النقب والجليل خطة هدفها تهويد الجليل والنقب وذلك من خلال توطين 300 الف يهودي وتبلغ تكلفة هذا المشروع 100 مليون شيقل تهدف الى بناء بؤر استيطانية، وكانت الحكومة الاسرائيلية قد اقرت في 11/11/2013 – المصادقة على بناء مستوطنتين دينيتين على اراضي قريتي عتير وام الحيران «كسيف» و»حيران»، كجزء من سياسات المؤسسة الاسرائيلية بتوطين اليهود في النقب وواضح ان استجلاب اليهود العقائديين له اسبابه ودوافعه فهم الاكثر ايديولوجية وقد نجحت سياساتهم في الضفة الغربية فلماذا لا يتم إنشاء ” عينة ” جديدة على ارض النقب تكون المعيار الذي تتم بناء عليه تحديد معالم السياسات المستقبلية.
المدافعة أساس البقاء
لتحقيق تلكم السياسات شرعت المؤسسة الاسرائيلية مبكرا بسياسات العصا والجزرة وأنشأـ العديد من القوات كقوات يوآف مهمتها ملاحقة الانسان البدوي وهدم بيته وحرث ارضه وحرق زرعه وتسميم غنمه ومصادرتها، وبالنسبة للقرى غير المعترف بها تضيف الى ما ذكرت شح المعاش وصعوبة نقل الابناء للتعليم وعدم وجود طرقات وعدم وجود شبكات مياه وطبعا لا يوجد صرف صحي، وهو ما سيدفع الانسان في النقب لخلق حالة من المدافعة: عن ذاته وعن وجوده وعن ممتلكاته.
حتى يتم مواجهة هذه الهجمة الشرسة من هدم للعمران والانسان في النقب لا بدَّ من تحقيق سنة المدافعة التي تمكن الانسان فردا وجماعة من الثبات والانتقال الوثيق من طور رد الفعل الى صناعته واستثماره جيدا بل وفضح الفعل الاسرائيلي الموتور والمليء بالعنصرية والفوقية عبر استثمار لكافة الوسائل الموجودة بين ايدي اهالي والداخل الفلسطيني عموما ومكونات هذه المدافعة: انسان الارادة والتضحية مجتمع الفعل والعمل، ومجموعات الوعي والعمل.
يتبع..
