أخبار رئيسية إضافيةمقالاتومضات

بين مقتل الشيخ سامي مصري ومقتل الطفل محمد مصطفى.. الشر السائل

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

 

مدخل..

فُجع مجتمعنا في الداخل الفلسطيني يومي الجمعة والسبت، بفارق ساعات معدودات، بقتل الطفل محمد مصطفى من كَفرقرع والشاب فؤاد نصر الله من مدينة قلنسوة، والشيخ سامي عبد اللطيف مصري أحد أعمدة العمل الإسلامي في الداخل الفلسطيني، في جريمة هزَّت داخلنا الفلسطيني في إطار صراع معلوم بين أرباب الفجور والجريمة في تلكم البلد الآمنة، كفر قرع الواقعة في منطقة المثلث من الداخل الفلسطيني. وللتذكير فقبل أقل من أسبوعين، اغتيل الشيخ الدكتور عبد الرحمن قشوع ابن مدينة الطيرة أحد رموز وأعلام الحركة الإسلامية “الجنوبية “. مما يعني أن مقتل أبناء المشروع الإسلامي الذين هم أعمدة حق في مجتمعاتهم، هكذا نعلمهم والله حسيبهم، بات بيانًا لمعنى من معاني الشر السائل المتدفق في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني.

كثرة القتل في الداخل الفلسطيني لا تقلق العقلاء فحسب، بل باتت تقلق أرباب الجريمة ومن يتحملون مسؤوليات القتل العمد وغير العمد، إذ باتت الأمور تخرج عن السيطرة، ويتجه مجتمعنا نحو تيه وفوضى ستلقي بتداعياتها على الكل الفلسطيني وعلى المجتمع الإسرائيلي وتنذر بشؤم كبير، وصارت التحذيرات تأتينا من كل حدب وصوب تحسبًا من مخطط تهجير مدفوع بالسعي نحو حياة أفضل في إعادة لمشهد سوريا المسلمة السنية وأهلها يهجرونها هربًا من القتل والدمار.

لن أتهم السلطات الإسرائيلية بالمسؤولية، فهذه مسلّمة بات تكرارها نوعًا من الشنشنة، إذ هي متهمة بأكثر من ذلك وهذا جزء من عملها ومخططاتها، والأصل عندنا أن نفكر في كيفية الخروج من الأزمة والنكبة النازلة علينا، إذ السلطة الإسرائيلية بأجهزتها المختلفة لن تحرك ساكنًا إلا بقدر ما يحقق لها من مصالح، وهي في صمتها عن الجرائم التترا التي تضربنا ليل نهار، تمارس جانبًا من جوانب الفعل الاحتلالي معنا كحاملين للهوية الزرقاء والمواطنة وإن كانت منقوصة ومشوهة.

 

التفكير من جديد..

مقتل الشيخ سامي ليس مسألة عابرة تستلزم الحوقلة والقبول بالقضاء والقدر فحسب، بل تستلزم منّا فهم معنى دفع القدر بالقدر، والتفكير هنا يجب أن يكون من منطلقات كثيرة ليس أقلها المنطلق الشرعي والاجتماعي والشعبي من جهة، والسياسي والوطني من جهة أخرى، والخروج من صندوق الأفكار الموجودة إلى ما هو أرحب وأوسع يجمع بين معنى الحياة السائلة التي فرضتها علينا الحداثة واللبرلة  و”الأسرلة -كمثال مناهج التعليم”، والحياة الصلبة التي نريد، والمتجلية بعودة قيم من مثل العائلة والاحترام والتكافل والتراحم والعمل المشترك وإعانة المظلوم والمكلوم والمقهور ومعاني الجسد الواحد.

مجتمعنا في الداخل الفلسطيني في ظل التحولات الجارية والانهيار المتحصل في مكوناتنا المجتمعية، يحتاج إلى إعادة النظر في كثير من قضاياه على ضوء الرؤية الشرعية الجامعة والمستوعبة لواقعنا المعاش بكل تناقضاته وتجلياته، والعلوم التي يمكننا استثمارها لتحقيق معنى للكثير من قضايانا الواقعة بين خطي المعاش والسياسة.

من قتل الشيخ سامي يعلم يقينًا أنه سيوجع وجعًا شديدًا، لكن الذي لا يعلمه أنه حرك وكر دبابير ساكنا يقارب أن يكون فتنة، والفتنة موجودة دائمًا في كل المجتمعات، فإذا وجدت من يحركها أحرقت الأخضر واليابس، وكما أن هذا صحيح في السياسات بين الدول، فهو مؤكد في المجتمعات والأفراد وقد قيل من قبل في المتون الفقهية المؤسسة على حديث رسول الله ﷺ: “إذا كان الماء قُلَّتينِ لم يحمل الخَبَث”، وفي لفظ: لم ينجُسْ؛ أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان. والمعنى المباشر أن الماء إذا بلغ قلتين، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه، فتضمحل فيه، ما لم تغيره. وأن الماء إذا غيرته النجاسة نَجِسَ مطلقًا، سواء أكان قليلًا أم كثيرا، (القلتان تساويان 250كوب من الماء تقريبًا) والمعنى غير المباشر أنه إذا باتت القلال في النقصان فنحن في أزمة، وقد باتت القلال في داخلنا الفلسطيني في نقصان وقد نصل لحظة النجاسة المطلقة في أقرب مما يتصور العقلاء مع الشر السائل الزاحف علينا من كل حدب وصوب. فهل يتنبه العقلاء وأهل البصر والبصيرة من الأعيان والحكماء والسادة وأولي الأمر قبل أن يقال أكلت يوم أكل الثور الأبيض؟!

قُتل الشيخ وهو خارجٌ من بيت العزاء وفي الظهيرة أمام الناس كافة، يعلم من قتله أن الشيخ خالي الوفاض لا يملك من قطمير في الدفاع عن نفسه والتربص له يزيد القتل ضعفين، فالإصرار على القتل قتل وقتله قتل وإغاظة صدور الناس قتل، فمن فعل ذلك مدركًا لحجم الفعل وتداعياته الراهنة والمستقبلية أو غير مدرك، فقد أدخل مجتمعنا في فتنة عمياء لا بدّ من تداركها قبل فوات الأوان ولات حين مناص. وقتل الطفل محمد مصطفى لا يقل عن مقتل الشيخ سامي وكأن قتل طفل ابن أربعة عشرة ربيعًا كاد أن يصل حد التكليف الشرعي ورجل ستيني بمقام الشيخ سامي رحمه الله، ملمحٌ من ملامح المأساة التي وصلنا إليها فلا حرمة لطفل ولا حرمة لكبير ومسن.

 

الأسئلة المفتوحة والمقلقة ..

هل نحن في الداخل الفلسطيني أمام شر زاحف يستهدف تدمير نظامنا الأخلاقي وكل معاني الرحمة والعلاقات الاجتماعية وإحالتها من بُعدها الإنساني إلى بُعدٍ مادي صرف ؟ وهل هناك من يعمل على أن نصل إلى مرحلة من الفوضى فيها حرب الجميع على الجميع، خاصًة أن استهداف رموز إسلامية في داخلنا الفلسطيني بقامة الشيخين سامي وعبد الرحمن قد تدفع نحو ردود فعل لا يمكن تكهنها في ظل السيولة التي نحياها في كل شأن من شؤون الحياة؟ وهل المؤسسة الإسرائيلية التي هي في جوهر تعاملها مع قضايا العنف والجريمة تكشف وجهها الاحتلالي القبيح، الذي هو الوجه الآخر لحربها المفتوحة على شعبنا الفلسطيني باتت شريكة في هذه الحرب المفتوحة على خيارنا عبر استغلالها لعناوين الشر في مجتمعنا؟ وهل داخلنا الفلسطيني اقترب أو/ودخل لحظة دفع فاتورة الانتقال النهائي من مجتمع متعاضد متماسك متراحم ومتسامح إلى مجتمع استهلاكي ومتفردن -من فردانية- ينطبق عليه قول الفيلسوف الأممي زيجمونت باومان في قوله: “ولا يدرك الفرد في ظل الرأسمالية والحداثة الصورة الكاملة، وآثار الشر الذي يتسم به المجتمع الاستهلاكي، ما بعد الليبرالي، يعانيها الإنسان معاناة فردية ويشكو منها شكوى فردية ويئن منها أنينا فرديًا، ويبحث عن خلاص فردي شخصي خاص”. وهل المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية في ظل حكومة غلو فاشي، تعتبر العرب في الداخل مجموعات من البرابرة أخلاقهم القتل تشجع قتل السادة منا عبر أدواتها الاحتلالية لانتظار ردود الأفعال ووصم الإسلام ومن يقود برد الفعل بالإرهاب سعيًا لتحقيق مقصد وهدف أكبر بكثير من همومنا البسيطة يتجاوز الإقليم إلى ما هو أكبر منه؟ وهل تسعى المؤسسة الاحتلالية بغض الطرف عن جرائم القتل اليومية في الداخل الفلسطيني إلى الوصول بمجتمعنا لدفعه نحو البديل، الهجرة الطوعية هربًا من جحيم العنف والشر الآخذ بالتمدد في مفاصل الحياة؟ وهل نحن أمام صناعة للخوف باتت تطرق أبواب كل بيوتنا وأسرنا بما في ذلك أولئك العملاء الذين يقومون بما يطلبه منهم كبراؤهم من قتل وتخريب في مجتمع آمن بطبعه وإلى توطينه نفسيًا في كل فرد منا ليفقد المجتمع خصوصياته حتى يتسيد المشهد هؤلاء القتلة ومن معهم من الأعوان ويسيرون حيوات الناس وفقًا لرغباتهم ونزواتهم التي تتساوق تمامًا مع من يريدون الشر لمجتمعنا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق؟

 

لا خلاص خارج المسجد

من أقدار الحق مع الخلق، أن منّ عليهم بالهداية وكشف لهم سبلها ويسرها لكل من لديه عقل وهو حنيف. (الحنيف: المائل من شرٍّ إلى خير والصحيح الميل إلى الإسلام)، وفي التنزيل المبين:  “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ -الأنعام 79”. إذ الحنيفية تناقض الشرك). ومن كرم الله تعالى على الشيخ سامي عبد اللطيف مصري أن تدافع وثلة من إخوانه إلى تنزيل سنة المدافعة واقعًا مُعاشًا في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني من خلال تأسيس منظومة الدعوة والإصلاح وهي منظومة دعوية باتت تتغلغل في داخلنا الفلسطيني في مواجهة الشر الزاحف السائل في مجتمعاتنا المدنية والريفية والقبلية، وهذه المسيرة التي بدأ بها الشيخ وتفرغ لها ليلًا نهارًا اصطدمت في عقبات لكنه مضى بهمته العالية في مارتون سباقٍ مع الزمن مدرك أنه وإخوانه في مواجهة مع شر سائل أحال الآدميين إلى أدوات في لعبة العبودية الجديدة، الاستهلاك الذي استحال إلى أخلاق جديدة تتذوت بهدوء في مجتمعاتنا المتفككة.

ويحسب لهذه المنظومة إدراكها أن العمل في الحقل بات أكثر صعوبة مما كان سابقًا وأن الدعوة إلى المسجد هي الخلاص من التصدعات التي باتت تلطمنا من كل جانب، ليس لأن المسجد شعارًا تعبديًا فحسب، بل ولأنه المآل الأخلاقي في ظروف الوجود في الداخل الفلسطيني بعض من معانيه القيمية والحضارية والشرعية والوطنية بعد أن باتت حرياتنا كمجتمع وأفراد تنحصر في معاني الاستهلاك والوجاهة (انظر على سبيل المثال لا الحصر زخم الإعلانات عن المتخرجين من أجيال الروضة وحتى الجامعة في مشهد يجمع بين التفاهة والوجاهة). وإذا كان الشيخ سامي قد وقف على رأس هذه المنظومة التي من المفترض أن تدرك الحالة السائلة في مجتمعنا وتداعيات الواقع الرقمي المعاش وسبل استثماره، فسيحسب له أنه ترك بصمة في تاريخنا في الداخل الفلسطيني على أنه اجتهد في مواجهة الشر السائل عبر دعوته المباشرة للعودة إلى المسجد الحضن الشرعي للمسلم، إذ هو الصخرة الصلبة التي على عتباتها تتوقف مشاغب الحياة وتعود النفس إلى علاقتها مع خالقها، أي إلى حقيقة وجودها ودورها التفاعلي الوطني والإسلامي الأممي، مبشرًا بأن النصر للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا. إذ المسألة مسألة وقت وحسابات دقيقة في معاني فقه التدافع بسننه الحضارية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى