أخبار رئيسيةمقالاتومضات

الحج ليس آمنًا

الشيخ كمال خطيب

ها نحن في الأيام العشر الأول من شهر الحج ذي الحجة، ويوم الاثنين القريب سيكون يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية، ويوم الثلاثاء يوم التاسع من ذي الحجة يوم عرفة، ويوم الأربعاء يوم العاشر من ذي الحجة يوم النحر يوم عيد الأضحى المبارك.

إنها أيام أداء ركن الحج الركن الخامس من أركان الإسلام. وإذا كان من يؤدي ركن الصلاة فإنه يؤديه حيثما كان في أي بلد وفي أي أرض، ومن يؤدي ركن الزكاة فإنه يؤديه حيثما كان، ومن يؤدي ركن الصيام فإنه يصوم رمضان حيثما يطلع عليه هلاله، أما ركن الحج فقد خصّه الله سبحانه بأنه لا يكون إلا في أرض ومكان مخصوص، اختاره الله سبحانه حيث بيته الحرام الذي وضعه للناس ببكة {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} آية 96 سورة آل عمران. إنها مكة المكرمة في أرض الحجاز في جزيرة العرب.

ولقد استجاب الله سبحانه لدعوة إبراهيم عليه السلام فجعل هذا المكان آمنًا {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا} آية 126سورة البقرة. واستجاب له بتوفير أسباب الرزق والخيرات والثمرات فيه. {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} آية 37 سورة إبراهيم.

وعلى مدار تاريخ هذه الأمة، بل وحتى قبل الإسلام، فقد كانت العرب من القبائل التي سكنت ذلك المكان تتنافس في خدمة من يزورون بيت الله الحرام، فاختارت بعض القبائل الرفادة بأن يطعموا الحجاج، واختارت أخرى السقاية، ولم يمنعوا من الوصول إليه حتى من كانوا أعداء لهم، وظلّ هذا الحال على مدار تاريخ الإسلام.

يوم وقف الخطيب في مصر مشيرًا إلى السلطان العثماني سليم بقوله: يا حاكم الحرمين. فقال السلطان باكيًا: من أنا حتى أكون حاكم الحرمين، بل أنا خادم الحرمين الشريفين، فأعاد الخطيب كلامه فانحنى السلطان وسجد على التراب يعفّر به رأسه شاكرًا لله باكيًا يقول: أنا خادم الحرمين، أنا خادم الحرمين.

ومن يومها أصبح سلاطين آل عثمان يعلّقون على عمائمهم طرة تشبه المكنسة دلالة على خدمتهم للحرمين الشريفين، فكانوا هم أول من اتخذ لقب خادم الحرمين الشريفين.

وها هما الحرمان الشريفان في مكة والمدينة يشهدان في هذه الحقبة التاريخية حالة غير مسبوقة، نعم إنهما لم يكونا يومًا مثلما هما عليه من العمران وفخامة البناء، ولم يشهدا يومًا أعدادًا مثلما هو حالهما هذه الأيام، لكن وبالمقابل فإن انقلابًا لا بل إنها ردة تشهدها بلاد الحرمين بكل ما يغاير معاني الحج ورسالته التي أراد الله أن تكون فيه وعليه.

 

المسجد الحرام والمسبح الحرام

فمنذ انقلاب محمد بن سلمان على ولي العهد ابن عمه محمد بن نايف ليصبح هو ولي العهد لأبيه الملك سلمان بن عبد العزيز، بل ليصبح هو الحاكم الفعلي في ظل تقدم والده في السن والأمراض الكثيرة التي يعاني منها وغيابه عن المشهد بشكل لافت ومتواصل، فمنذ استلام محمد بن سلمان مقاليد الحكم في السعودية، فقد ظهرت واضحة ملامح التغيير، بل التحول بل الانقلاب والردة في هوية تلك البلاد، وقد اختار له بطانة سوء تضم تركي آل الشيخ وسعود القحطاني وغيرهما.

كانت البداية عام 2016 بالإعلان عن إقامة هيئة الترفيه وإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأ مشوار الترفيه والإباحية يظهر في كل ناحية وزاوية من نواحي المجتمع هناك.

فإذا كانت مكة تضم في جنباتها الطاهرة المسجد الحرام وفي داخله الكعبة الشريفة بكل ما تعنيه لأمة التوحيد، فإن محمد بن سلمان قد أوعز بإقامة مسابح على شواطئ البحر الأحمر وفنادق ومناطق ترفيه سياحية، حيث بإمكان الرجال والنساء ارتداء ملابس البحر بكل ما تعنيه من عري فاضح، لا بل إن الوصول إلى تلك الأماكن للسياح متاح بدون الحصول على تأشيرة، وهي غير خاضعة للرقابة الدينية والأخلاقية، بمعنى إمكانية شرب الخمور فيها وأكثر من ذلك.

وإذا كانت شواطئ البحر الأحمر قريبًا من مكة قد طالتها يد الردة الأخلاقية، فإن منطقه العلا قريبًا من المدينة المنورة قد أصبحت قبلة السياح والزائرين حيث فيها تقام حفلات الغناء والترفيه، لا بل إن عروض أزياء نسائية تقام في مدينة رسول الله ﷺ، وإنها دور سينما قد تم افتتاحها هناك. فأي جرأة على الله أنه وقريبًا من المسجد الحرام والمسجد النبوي يقام المسبح الحرام والمصيف في الحرام.

 

لباس الإحرام واللباس الحرام

وإذا كان من أهم مناسك الحج وشعائره أن يخلع الحجاج الرجال كل مخيط من اللباس وأن يلبسوا ثياب الإحرام غير المخيطة، حيث يظهر من الرجل أعلى الصدر مما لم يعتد ولا يقبل أن يظهره في الوضع الطبيعي.

فإذا كانت جموع الحجاج وخلال أداء المناسك يظهرون بذلك اللباس الموحد لجميعهم، فإنه وقريبًا من مكة ومنى وعرفات، هناك في جدة على بعد 70 كم، أصبحت تقام هناك الحفلات الغنائية حيث التبرج واللباس الحرام ليس فقط للمغنيات والمطربات القادمات من مصر ولبنان وغيرها، وإنما هو السفور والتبرج للفتيات والنساء السعوديات مما لم يكن يعرفه المجتمع في بلاد الحرمين قبل قدوم الأمير الأرعن محمد بن سلمان صاحب رؤية 2030، أي السعودية الجديدة التي ستصبح عليه حتى العام 2030، فهل لعاقل أن يصدق أن بلد الوحي وموطن الرسالة ومولد الحبيب محمد ﷺ وحيث تنزلت الآيات وحيث نزل جبريل من السماء إلى الأرض، وحيث لباس الطهر لباس الإحرام، تصبح عنوانًا ومرتعًا للباس الحرام؟

 

وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا

لقد أمر الله رسوله وخليله إبراهيم عليه السلام أن يؤذّن في الناس لأداء الحج إلى بيته الحرام وتعظيمه، فاستجاب لإبراهيم عليه السلام المؤمنون، بل إنهم كفّار العرب كانوا يأتون إلى البيت الحرام معظّمين.

إنه البيت الحرام والبلد الحرام الذي أصبح إعلام ووزارات بن سلمان تؤذن وتنادي للحفلات والمهرجانات والمطربين والمغنيين والرقاصين والمصارعين وحتى المخنثين الذين يلبسون الحلق في آذانهم ويلبسون اللباس الفاضح وأبطال الأفلام الإباحية، وحتى الشاذين جنسيًا أصبحوا يتوافدون إلى هناك، وقد سئل مسؤول من بطانة بن سلمان هل سيسمح لهؤلاء بالدخول فقال: إننا لا نسأل أحدًا عن ميوله الشخصية.

حتى من ينكرون الذات الإلهية أمثال الكاتب السوري “علي أحمد سعيد أسير” المعروف باسم “أدونيس” فقد أصبح ضيفًا مرموقًا على الرياض وجدة ويتصدر المنابر وهو الملحد وهو الطائفي العلوي النصيري.

لقد أصبحت المغنية والمطربة والرقاصة تأتي إلى بلاد الحرمين بدعوة رسمية وتستقبل استقبال العظماء، وتتلقى أموالًا خيالية وتفسد الشباب والشابات، وبعدها تذهب بموكب رسمي وحراسة مشددة وتؤدي العمرة. وإذا كان يقال: إذا صليت العشاء فافعل ما تشاء، فلعله سيقال في عهد بن سلمان: إذا أديت العمرة فإنها تغفر الزنى والرقص والخمرة.

 

ومن دخله كان آمنا

هكذا وصف الله بيته الحرام {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} آية 97 سورة آل عمران. وقال سبحانه :{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} آية 120 سورة البقرة. فهكذا كان المسجد الحرام حرمًا آمنًا لا يخاف فيه أحد ولا يروّع فيه أحد، حتى من كان له ثأر مع آخر وهو يعلم أنه هناك، فكان يأتي وهو مطمئن أن احترام وتعظيم المسجد الحرام سيمنعه من أخذ الثأر والانتقام فيأتي ويذهب بسلام وأمان، فما بال المسجد الحرام يتحول اليوم في زمن بن سلمان إلى “ومن دخله كان خائفًا”، نعم إن مسلمين أصبحوا يأتون لأداء ركن الحج أو سنة العمرة وهم يخافون أن يتم اعتقالهم وتسليمهم إلى حكام بلادهم الذين يعارضون سياساتهم، كما فعلوا مع ثلاثة معتمرين ليبيين اعتقلوهم وسلموهم إلى السيسي ومن هناك إلى خليفة حفتر، وكما فعلوا مع الكاتب الفلسطيني “محمود كلّم” الذي اعتقلوه خلال أدائه العمرة واختفت آثاره، وكما فعلوا مع قريب من سبعين مصريًا في العام 2017 اعتقلوهم خلال العمرة وسلموهم إلى نظام السيسي الدموي، وكما فعلوا مع مسلمين مظلومين من تركستان الشرقية “الايغور” ومنهم نساء وفتيات، حيث سلموهم إلى حكومة الصين الشيوعية، وهم يعلمون أن هؤلاء إما أن يفتنوا عن دينهم، وإما ستغتصب النساء، وإما يكون القتل والإعدام وفي الحد الأدنى السجن لهم.

يأتي المسلم في زمن بن سلمان ملبيًا نداء ربه {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} 27 سورة الحج فأصبح يُعتقل تلبية لطلب ونداء السيسي وحفتر، وإذا كان المسجد الحرام حرمًا آمنًا، فقد أصبح مصيدة للشرفاء والأبرياء حيث يتم اعتقالهم وتسليمهم إلى المجرمين من طواغيت بلادهم، فلم يعد الحرم آمنا وما الحج أضحى بآمن.

فهل يصدق عاقل أن يُمنع مسلمون من أخذ تأشيرات للحج والعمرة بسبب مواقفهم السياسية بينما في السنة الماضية تم تخصيص 300 تأشيرة حج هدية لسمير جعجع السياسي النصراني اللبناني الطائفي الذي تلطخت يداه بدماء المسلمين في صبرا وشاتيلا حيث يوزعها هو على مسلمين يتساوقون مع سياساته وهم من المتردية والنطيحة؟!

 

اليهود والحنين إلى خيبر

لا أحد يجهل وجود تطبيع غير معلن للعلاقات بين إسرائيل ونظام محمد بن سلمان، وأن اجتماعًا وزيارة قام بها نتنياهو قبل ثلاث سنوات إلى مدينة “نيوم” التي يتم بناؤها في شمال غرب السعودية والتقى بمحمد بن سلمان، وأن الطيران الإسرائيلي أصبح يعبر فوق سماء مكة والمدينة وكل الجزيرة العربية في طريقه إلى الإمارات ودول جنوب شرق آسيا وغير ذلك من نظام التطبيع التي بدأت بواكيرها بزيارات الجنرال السعودي “أنور عشقي” بزعم أنها كانت زيارات شخصية إلى مراكز الدراسات الإسرائيلية وهو الضابط الكبير في الاستخبارات السعودية حيث لا مجال للشك أن ذلك كان بإذن ومباركة، بل وتكليف من محمد بن سلمان.

لكن أن يصل الأمر إلى حد أن يصل يهود وإسرائيليون إلى أطراف المسجد الحرام، وأن يصلوا إلى داخل المسجد النبوي الشريف، وأن يصعدوا إلى جبل عرفات، وأن يصلوا إلى جبل أحد ويقفوا ويرقصوا بجانب قبر حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ومن هناك ينشرون الصور والفيديوهات، وأن يصل الأمر إلى حد قيام يهود بزراعة أشجار نخيل في المدينة المنورة معلنين بشكل واضح أنه إحياء لنخيل أجدادهم الذين سكنوا يومًا هناك من بني قريظة وبني النظير وبني قينقاع وخيبر، وقد قال اليهودي الذي رأس وفدًا يهوديًا وحوله مسؤولون من نظام بن سلمان: ها نحن نعود لزراعة النخيل في المدينة بعد 1400 سنة، فنحن نكتب التاريخ من جديد”. إن هذا لا يمكن أن يتم إلا بموافقة ومباركة نظام بن سلمان في دلالة واضحة على هوية هذا الشخص وتوجهه، وخطورة هذا التوجه ليس على شعب بلاد الحرمين وإنما على الأمة الإسلامية كلها.

ولقد كنت حذّرت من مقدمات هذا التوجه في مقالة كتبتها وخطبة خطبتها يوم 17/5/2019، حيث الإخوة المعتمرون خلال زيارتهم لموقع بئر عثمان رضي الله عنه في المدينة المنورة، وإذا بهم يجدون لافتة جديدة لم تكن موجودة من قبل ومعلقة على السياج المحيط حول البئر مكتوب عليها: “تعود إلى شخص يهودي اشتراها الخليفة الثالث عثمان بن عفان وجعلها صدقة للمسلمين عامة” واللافتة موقعة باسم وزارة الشؤون البلدية والقروية والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني- المملكة العربية السعودية.

ولم تطل الأيام وإذا باليهود يرجعون إلى المدينة ويزرعون النخيل ويقولون إنهم يعيدون كتابة وصناعة التاريخ، فهل سيطالبون ببئر عثمان ليسقوا منها النخيل الذي زرعوه؟ هل ستُعطى إليهم في دلالة على حسن النوايا ومظاهر التطبيع بين إسرائيل وبين نظام الأمير الخطير والأرعن محمد بن سلمان.

 

شعب بلاد الحرمين أهل وإخوة

إننا حين نتحدث عما يحصل في مهبط الوحي وأول بيت وضع للناس، وما يجري هناك من فساد وردة وتطاول على الدين وشعائره، فإننا نعلم أننا لسنا وحدنا ممن يألمون ويحزنون لما يجري. إن في تلك البلاد شعبًا عزيزًا كريمًا هو أكثر منا غيرة على دينه وأكثر حرقة على مقدساته وهم عنوان الإيمان والشرف والمروءة والعطاء في كل الميادين. إننا نعلم أن أصواتًا صدعت بالحق ونادت للخير ونهت عن المنكر وأمرت بالمعروف فكان مصيرها السجن والزنازين والموت، ومنهم من اختاروا المنافي والهجرة على السكوت عن الحق. وحتى الأكثرية الصامتة فإن صمتها ليس دليل موافقة ولا رضا عما يفعله ذلك الأرعن محمد بن سلمان وبطانته، حتى أن من هؤلاء ممن هم من العائلة المالكة، ولكنها عصا الأرعن الثقيلة وممارساته الظالمة.

أما أولئك المطبلون والمصفقون من الذباب الذي يقتات على فتات بن سلمان سواءً كانوا من المنتفعين والطفيليين أو من الشباب الذي حركته شهواته التي أطلق بن سلمان لها العنان والانفلات، فإنهم ليسوا هم الشعب الأصيل ولا العشائر العربية العريقة الذين هم الأكثرية في بلاد الحرمين.

وعليه فإن من نقصدهم بحديثنا هم تلك القلة القليلة التي خرجت وتجاوزت كل الحدود، وليست الأكثرية المقهورة والذين هم أهل وإخوة وأحبة، وهم أكثر منا حرقة وغيرة على دين الله تعالى، أسأله سبحانه أن يفرج كربهم وأن يرفع الظلم والقهر عنهم.

إنها كعبة الله وإنه بيت الله وموطن الوحي، وبيقين لا ريب فيه أن الله تعالى أغير من خلقه على كعبته وبيته الحرام ورسوله ﷺ، وأنه سينتصر وينتقم من هؤلاء الفاسدين، وأن وعد الله الآتي وفرجه القريب سيجعلنا في ذهول من عظيم فعل الله بحق هؤلاء، وإن غدًا لناظره قريب.

لا عزاء للمحبطين واليائسين والمتشائمين.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى