أخبار رئيسيةمقالاتومضات

الداء والدواء

الشيخ كمال خطيب

 

ليست الأجساد هي التي تمرض فقط، وإنما القلوب والأرواح لها أيضًا نصيب من الأمراض والعلل ومظاهر الداء التي تصيبها، وقد غلب على كثير من الناس الظن، بل الاعتقاد بأن الأجساد هي التي تمرض ولا تمرض الروح فلا يسعون لعلاجها، ليستفحل الداء حتى يستعصي على العلاج.

ولأجل العلاج النافع والسريع فلا بد من تشخيص الداء والوجع، فإذا عُرف الداء فإنه سيشخص له الدواء المناسب، ولا يصحّ مع الداء والمرض المكابرة ونفي وجود الألم، لأن ذلك سيزيد ويضاعف من تأثير المرض وانتشاره.

وعليه فإنها بعض مظاهر الداء تصيب القلوب والأرواح، شخّصها أهل الخبرة من علماء السلوك وأهل المعرفة ووصفوا لها الدواء النافع مستلهمين مركبات الدواء من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ومن تجارب الصالحين من سلف هذه الأمة المباركة.

 

 داء الشرك

ليس المقصود بالشرك عبادة غير الله تعالى أو عبادة مع الله تعالى، وإنما الشرك ما فهمه وأشار إليه الإمام الجيلاني لما قال: “يا موتى القلوب، يا عابدي أصنام حولهم وقوتهم ومعاشهم ورؤوس أموالهم وسلاطين بلادهم، يا هؤلاء إنكم محجوبون على الله، يا كل من يرى النفع والضرّ من عند غير الله فلست عبدًا لله. ما يسلم من نار الله تعالى إلا المتقون الموحدون والمخلصون والتائبون”. نعم فليس المقصود بداء مرض الشرك هو عبادة الأصنام من الطين أو الحجر، وإنما هي أصنام من نوع آخر، إنها أصنام الرزق والمال والقوة والسلطان والولاء لغير الله، واعتقاد أن النفع والضرّ بيد غير الله سبحانه.

إن الإنسان إذا خاف العبيد ورجا الخير منهم، أو خضع وذلّ أو أحب لغير الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى، وإنه بذلك قد أصابه المرض الذي إن لم يعالجه فقد يصل إلى حد موت القلب. إنه إذا خاف من عبد مثله وخاصة صاحب سلطان أن يضره وهو يعلم أن أهل الأرض لو اجتمعوا على أن يضروه أو ينفعوه فلن يكون لهم ذلك إلا بإذن الله، فإذا ردّ النفع والضرّ إليهم فهذا يعني أن المرض قد أصاب قلبه وقد تتوقف نبضات هذا القلب قبل إذ يموت، قال الشيخ الجيلاني: “لا تبع الدين بالتين، لا تبع دينك بتين السلاطين والملوك والأغنياء وأكلة الحرام، لأنك إذا أكلت بدينك اسودّ قلبك، وكيف لا يسودّ قلبك وأنت تعبد الخلق وتنسى الخالق”.

 

داء حب الدنيا 

إن من أسباب اسوداد القلب ومرضه ثم موته حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة كما قال النبي ﷺ. يقول الشيخ الجيلاني: “القلب يصدأ فإن تداركه صاحبه بما وصف النبي ﷺ وإلا انتقل إلى السواد، إنه يسودّ لبعده عن النور – القرآن- إنه يسودّ لحبه الدنيا وتحويزه لها من غير ورع، ولما غاب الورع جمعها من الحلال والحرام، ولا أشد خطرًا على القلب من المطعم الحرام”. أنظر إلى المصباح كيف يضيء المساحة التي حوله ولكن كلما ابتعدت عن المصباح كلما زادت الظلمة، وهكذا يصبح حال من يبتعد عن القرآن الكريم الذي هو النور {فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} آية 8 سورة التغابن، ورسوله ﷺ هو النور {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} آية 15 سورة المائدة، بل إن الله جلّ جلاله هو النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} آية 35 سورة النور.

نعم إن حب الدنيا يفسد القلب ويمرضه كما يفسد الخلّ العسل كما قال النبي ﷺ: “لا تطلب الدنيا ولا تغضب لشيء منها فإن ذلك يفسد قلبك كما يفسد الخل العسل”.

 

داء مخالطة أهل الذنوب وأصحاب البدع

إن الإنسان يتأثر بالبيئة والمحيط الذي حوله، إنه يتأثر بالسيء وبالحسن وإن اختلفت نسبة التأثر من شخص لآخر، إلا أنه لن يسلم أحد من تأثير غيره عليه، وقد قال ﷺ: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. قال الإمام أبو حامد الغزالي: “مجالسة الحريص تحرك فيك الحرص، ومجالسة الزهد تقوي فيك الزهد، ومجالسة الذي يكثر من ذكر الله يجعله ذاكرًا مثله، ومجالسة الخيرين تجعلك خيرًا، ومجالسة العصاة والمذنبين تجرؤك على المعصية وتقوي وتهون عليك الذنوب”. وقال الحسن البصري: “لا تجلس إلى صاحب بدعة فإنه يُمرض قلبك ويفسد عليك دينك”. وما أكثرهم أهل الذنوب والبدع وأصحاب الأفكار الضالة والسلوكيات القبيحة الذين تجمعنا بهم المجالس وظروف العمل ولعلها القرابة وصلة الرحم والجوار فالحذر الحذر.

وإذا كانت هذه بعض أنواع الداء التي تفسد علينا القلوب وتمرض الأرواح فإن مثلها فتنة النساء، وكثرة الأكل، وكثرة الضحك وغيرها كثير من أنواع الداء التي لا بد أن نبحث عما يكون لها دواء نافع وشفاء بإذن الله تعالى.

 

دواء القرآن الكريم

إنه أنجح الأدوية وأفضلها لأمراض ودواء قلوبنا وأرواحنا، إنه القرآن الكريم الذي أنزله ربنا سبحانه شفاء ورحمة ونورًا {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} آية 82 سورة الإسراء. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} آية 57 سورة يونس.

إنه القرآن الكريم يكون علاجًا وشفاء لمّا نتدبره ونعمل به وليس بالاقتصار على قراءته من غير تدبر معانيه والعمل بأحكامه، إنه يكون علاجًا لنا كأفراد من أمراض قلوبنا وعلاجًا لنا كأمة مما تعانيه وتقاسيه:

الله للدين كم ظلمًا أهين وكم       ظنّوه نقصًا وفي التفكير نقصان 

سل صفحة الأمس عمّن أيدوه أما     كانت لهم في نواحي الأرض تيجان

دين الحضارة والأخلاق أسعدهم      فمذ أهانوه قد ذلوا وقد هانوا

عدل من الله تأييدًا لسنته      حظ المقصر إقصاء وحرمان

يا قوم لوذوا بحبل الله واعتصموا       إن الدواء لداء العرب قرآن 

 

دواء تقبل الموعظة

فبعد قراءة القرآن كلام الله، فإن أنجع دواء هو كلام رسوله ﷺ وكلام العلماء الذين فسّروا لنا آيات الله وشرحوا لنا أحاديث رسول الله ﷺ. إن القلوب إذا سمعت الموعظة فإنها بداية العلاج والنكت البيضاء تنكت على قلوبنا لتزيل تلك البقع السوداء التي ظللته بفعل الذنوب والآثام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “القلب له مرض وشفاء، وله حياة وموت. فالقلب إذا وقعت عليه معصية أو شهوة أو ذنب قوي مرضه، وإذا وقعت عليه موعظة أو نصيحة كانت من أسباب صلاحه وشفائه بإذن الله”. وقد كتب ذر بن حبيش إلى عبد الملك بن مروان يعظه فقال: “يا أمير المؤمنين لا يطمعنك من طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون لما قالوا:

إذا الرجال ولدت أولادها     وبليت من كبر أجسادها

وجعلت أسقامها تعتادها       تلك زروع قد دنا حصادها

 

 دواء التوبة والاستغفار 

ما أجمل تعبير وتشبيه شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف دواء التوبة والاستغفار وتأثيره المباشر في علاج أمراض القلب والروح، لما قال: “أرأيتم الجسد يكون فيه الأخلاط من الطعام أو الصديد فلا يرتاح ولا ينام ولا يستطيع طعامًا ولا شرابًا، فإذا ذهب هذا وأخرجه ارتاح وعاد جسمه ينمو ويكبر. أرأيتم الأرض فيها الزرع وبينه الدغل -الأعشاب البرية- فيكون الزرع ضعيفًا هزيلًا فإذا أزلناها قويت الزروع وطاب ثمرها، وكذلك القلوب فإذا تاب صاحبه من الذنوب ونقّاه من الآثام فإن الإيمان سيقوى ويستريح القلب للطاعات”.

ولذلك كان النبي ﷺ يقول: “أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة” .

 

 دواء الحياء

لما يبدأ القلب يتماثل للشفاء من الأدواء، يأتي الحياء ليزيد ويسرع في مشوار الشفاء بإذن الله تعالى، الحياء الذي يمنعه من الميل والانحراف عن الجادة والطريق المستقيم، ولو لم يكن ذلك خوفًا من الله فإنه حياء من الناس ولذلك قال النبي ﷺ: “الحياء من الإيمان”. إن الرجل الحييّ يرد كل سوء عنه ولا يفعله لأنه يعلم أنه يؤثر في إيمانه وعلى قلبه، وقد قال ابن تيمية: “أرأيتم الأرض الرطبة الحية إذا وضعت عليها قدمك فإنها تبقي علامات، أما الأرض الجافة اليابسة فإنه لا يؤثر فيها شيء ولا تُبقي أثرًا لأنها جافة ميتة”. وكذلك الحياء يؤثر عند صاحب القلب الحي والنابض بالخير، بينما لا يؤثر عند صاحب القلب المريض أو الميت”.

 

دواء تزكية القلوب

فبعد أن يكون مريض القلب والروح قد بدأ في مشوار العلاج والشفاء وأخذ الدواء النافع، فبعد أن يكون قد داوم على قراءة ورد القرآن كل يوم وأكثر من سماع المواعظ، وأكثر من الاستغفار وأكثر من مجالسة أهل الطاعات وزاد منسوب الحياء في نفسه، فإنه يبدأ بمشوار تزكية قلبه من خلال العمل، لأن القلب ينمو بالأعمال الصالحة كما ينمو الجسد بالصالح والنافع من الطعام والشراب. وإن الأعمال الصالحة تبدأ بالطاعات والفرائض ولا تنتهي بالسنن والنوافل، بل إنه يصبح حتى في نيته فإنه لا ينوي إلا لفعل خير ولا يخطر له خاطر إلا لخير ، وعند ذلك ليس أنه يصبح قريبًا من الله، بل إن معية الله تلفه من كل جانب كما ورد في الحديث القدسي الجليل: “وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولإن استعاذني لأعيذنه”.

 

دواء النصيحة

فبعد أن فتح صاحب القلب المريض قلبه للعلاج والدواء بعد أن يكون قد أقرّ بمرضه وحاجته الماسة للعلاج، فبعد إذ عزم النية على التوبة والعلاج فقرأ القرآن ولازم صحبة الأخيار وزكى قلبه وجوارحه بالطاعات وصالح الأعمال، وترك الحياء بصمته على سلوكه وأعماله، فليس أنه سيشعر بلذة ما هو عليه وطمأنينة نفسه وتسيير أموره، بل إنه يصبح يتمنى الخير للآخرين من أحبابه وممن كانوا أصدقاءه فيبدأ بنصحهم وتذكيرهم وفي هذا زيادة في قوة إيمانه وشفاء قلبه إضافة إلى نفع لمن يدعوهم وينصحهم.

ها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سيد الدعاة والعلماء والناصحين، ومع ذلك فإنه في لحظة حاسمة من لحظات الابتلاء والمحن نزلت عليه، ليجد أن نصيحة من لصّ عيّار كانت سببًا في تثبيته والرباط على قلبه وصلابة موقفه. كان ذلك يوم سُجن فيما سمي بفتنة خلق القرآن التي قال بها كثير من علماء زمانه وأيدهم بذلك الخليفة العباسي، إلا أن الإمام أحمد قال بغير ذلك فأثار عليه حسد علماء فحرّضوا عليه الخليفة حتى حكم عليه بالسجن والجلد ثمانية عشر ألف سوط.

وفي أوج محنته وهو يتلقى على ظهره الكرابيج الأولى في زنزانته، وإذا بصوت من الزنزانة المجاورة يناديه ويقول: يا إمام أنا أبو هيثم العيّار اللص ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق وصبرت في طاعة الشيطان لأهل الدنيا، ألا تصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين يا إمام؟ يا إمام إن أنت متّ متّ شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا. قال الإمام أحمد: فوالله لقد قوي قلبي بهذه الكلمات التي سمعتها، فقلت له: أصبر إن شاء الله.

فإذا كان الإمام أحمد شيخ الناصحين قد انتفع بنصيحة لص، فلا تزهد أنت في أن تقبل نصيحة أحد ولا أن تبخل بالنصيحة على أحد، وكيف يكون ذلك والحبيب محمد ﷺ يقول “الدين النصيحة”.

 

الوصفة السحرية للعلاج 

جاء رجل إلى سفيان الثوري رحمه الله يشكو إليه قسوة قلبه وبعده عن الله وكثرة ذنوبه، ويريد منه نصيحة وموعظة لعلّ بها يلين قلبه ويشفى من مرض روحه وكثرة ذنوبه، فقال له سفيان: عليك بعرق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع. ضع ذلك كله في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه نار الحزن، وصفّه بمصفاة المراقبة، واشربه بكأس الاستغفار، وتناوله بكفّ الصدق وأبعد نفسك عن الحرص وعن الطمع والذنوب والنساء فتشفى من مرضك بإذن الله تعالى”.

إنها مركبات وصفة وخلطة سفيان الثوري في علاج مرض قلبه وروحه. إنها تتكون من الإخلاص والصبر والتواضع والتقوى والخشية والحزن والمراقبة والاستغفار والصدق والبُعد عن الحرص على الدنيا والطمع، والبُعد عن الذنوب وفتنة النساء، فحتمًا عندها سيكون الشفاء بإذن الله.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} آية 8 سورة آل عمران.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا..

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى