أخبار رئيسية إضافيةمقالات

هدى شعراوي.. الوجه الآخر

ليلى غليون

 

هدى شعراوي، زعيمة النهضة النسوية، ورائدة حركة تحرير المرأة والمدافعات عن حقوقها، ورئيسة الاتحاد النسوي في مصر، وهي ابنة محمد سلطان باشا رئيس أول مجلس نيابي في مصر في عهد الخديوي توفيق. ارتبطت انطلاقة ما يسمى بتحرير المرأة المصرية باسمها، إنها من كانت تدعى نور الهدى محمد سلطان قبل زواجها من ابن عمتها والذي كان متزوجًا أصلًا ويكبرها أربعين سنة وكانت حين زواجها ابنة ثلاثة عشرة سنة، حيث اشترطت عليه تطليق زوجته للموافقة على زواجها منه.

نعم تحولت إلى هدى شعراوي ونسبت نفسها لعائلة زوجها على موضة تلك الأيام، واقتداءً بالثقافة الغربية التي رضعت من لبنها وتبنتها حتى النخاع لتغير اسم عائلتها إلى شعراوي.

إنها التي كانت حلقة الوصل بين الحركات النسوية العربية ونظيراتها الغربية، ونقلت كل أفكار تحرير المرأة من مصر إلى بقية الدول العربية.

إنها التي خرجت عام 1919 مع نظيراتها من النسويات في مظاهرة ضد الانجليز، وفجأة وبدون سابق إنذار تخلع حجابها أمام الناس وتدوس عليه بقدميها، وتخلع من كانت معها من النساء حجابهن ويلقين به أرضًا ويشعلن النار فيه ليتم بهذه المسرحية الهزلية تحرير المرأة!! ويسمى الميدان الذي تم فيه حرق الحجاب ميدان التحرير، ولا أدري ما العلاقة بين خلع الحجاب والتظاهر ضد الانجليز، وكأن الإنجليز هم من فرضوا الحجاب على المرأة.

إنها التي اعتبرت أتاتورك قدوة لها وأفعاله المثل الأعلى، وقد قالت له في أحد المؤتمرات في اسطنبول عام 1935 كما جاء في مذكراتها: “إذا كان الأتراك قد اعتبروك من جدارة أباهم، وأسموك أتاتورك، فأنا أقول إن هذا لا يكفي، بل أنت بالنسبة لنا أتا شرق”.

لم أكن لأخصص للهانم مقالًا لولا اطلاعي على وجهها الآخر الذي يتناقض كليا مع شعاراتها التي تتغنى وتدعو إليها، وينسف كل المبادئ التي رفعت لواءها والتي يتجنب النسويون والنسويات ذكرها، كما تجاهلت هي نفسها ذكرها في كتابها “مذكرات هدى شعراوي”.

إنها الحكاية التي يتمنى النسويون والنسويات لو تبقى في الظل ولا تعرض أمام أحد، خاصة وأن بطلتها قائدة الحركة النسوية، وفصول هذه الحكاية ومجريات أحداثها تصادم وتناقض شعارات رنانة صدعوا رؤوسنا بها، كما صدعوا رؤوسنا بحقوق المرأة وتحرير المرأة وهم في الحقيقة يهينونها ويتاجرون بقضيتها.

ملخص الحكاية، أن الهانم التي نسجت ديباجة حقوق المرأة وحرية المرأة وأمضت سني عمرها في هذا المجال، ولكن عندما وضعت في أول اختبار لقناعاتها ومبادئها، فشلت فشلًا ذريعًا وكشفت عن وجهها الحقيقي الذي كانت تغطيه الرتوش، وهذه القناعات لم تكن سوى فقاعات سرعان ما تتلاشى.

والامتحان الذي كشف عن وجهها الآخر، أن أبنها الشاب المدلل محمد، أحب مطربة في ذاك العصر تدعى فاطمة سري وكانت مطلقة ولها ولدان، وتزوج منها زواجًا عرفيًا، وعندما وصل الأمر إلى راعية حقوق المرأة هدى شعراوي، أقامت الدنيا ولم تقعدها، وجن جنونها وثارت وأرغدت وأزبدت، إذ كيف لابن الأكابر والذوات والحسب والنسب أن يرتبط بمطربة من عامة الشعب ،لا بل والمصيبة الكبرى أنها مطلقة ولها ولدان (وهي التي كانت تطالب بحقوق المطلقات) وعندما علمت أن جنينًا سيخرج إلى الدنيا ويرتبط اسمه باسم عائلة الشعراوي ازداد جنونها لتحرض ابنها على الفور بتطليق هذه المرأة التي تسببت بإلحاق العار على هذه العائلة وعدم الاعتراف بالمولودة لاحقًا، لأن مثل هذا الزواج لا يليق بابنة الحسب والنسب هدى شعراوي، لتصبح فخامة المرأة المتحررة والتي أسست خمسة عشرة مؤسسة نسوية تنادي بحقوق المرأة ورعاية المرأة، وأنشأت مجلتين إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية لهذا الغرض، أقول لتصبح فخامتها المرأة المتحجرة القاسية بل الحماة الظالمة السيئة لزوجة ابنها ولحفيدتها والتي اسمتها أمها ليلى.

نعم لقد سقط القناع عن وجهها في أول امتحان لها تمامًا كما خلعت عنها حجابها يوم أشعلت النار فيه، لتكشف عن وجهها الحقيقي، وجه تلك المرأة الأرستقراطية التي لا يشرفها مثل هذا النسب، وقد أعدت كل عدة لمحاربة هذا الزواج وبكل وسيل.

وبدأت الحرب تشتعل بين الحماة والكنة من جهة ومع الكنة وزوجها من جهة أخرى والذي بدأ بدوره يتنكر لهذه الزوجة وابنتها، لتستعمل راعية حقوق المرأة مع كنتها سياسة العصا والجزرة، سياسة الترهيب والترغيب، حيث استغلت نفوذها وعلاقاتها العامة، وأرسلت إلى كنتها أحد الرجال يهددونها بتلفيق قضية شرف إن لم تترك ابنها، ولما رفضت ذلك بشدة، أرسلت إليها مبلغًا مغريًا من المال مقابل طلاقها، إلا أنها وقفت متحدية رافضة كل هذه الإغراءات متمسكة بحقوقها وحقوق ابنتها.

وازداد اشتعال أوار المعركة بين هدى (الحماة) وفاطمة (الكنة) خاصة بعد تنكر ابن الهانم لزوجته وتهربه منها، وبعد محاولات حثيثة مع زوجها للاعتراف بها كزوجة وبطفلتها كوالد لها (وكان بحوزتها مستند بخط يده يعترف بزواجه منها عرفيًا وأن ليلى هي ابنته استغلته في قضية إثبات نسب رفعتها في المحكمة لاحقًا) وبعد أن دب اليأس في قلبها أرسلت رسالة طويلة لزعيمة النهضة النسوية تطلب إنصافها ودعمها وإنصاف ابنتها، ضاربة على الوتر الذي كانت تعزف عليه هدى هانم وهو حقوق المرأة، وتذكرها بما كانت تنادي به وتدعو إليه، وإلا ستضطر إلى اللجوء إلى المحاكم.

وقد جاء في مقدمة هذه الرسالة: “سلام وبعد، إن اعتقادي بك وبعدلك ودفاعك عن حقوق المرأة يدفعني إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهانًا على صدق دفاعك عن المرأة ….”.

ولما وصلت الرسالة إلى قصر الهانم وقرأتها ثارت ثائرتها واعتبرتها تحديًا وإعلان حرب، لتدوس على مبادئها التي نادت بها كما داست على حجابها، وتسقط الشعارات التي كانت تتغنى بها كما أسقطت حجابها، لتخوض معركة عنيفة مع كنتها في المحاكم استمرت ثلاث سنوات، لتكون المفاجأة أن المحكمة حكمت لصالح الكنة وأن الطفلة (ليلى) هي ابنة محمد شعراوي نجل السيدة هدى شعراوي، لتكون هذه أول قضية إثبات نسب في مصر.

إلا ان الهانم وابنها لم يلقيا سلاحهما ولم يستسلما، بل أرادا معاقبة فاطمة بحرمانها من ابنتها، وذلك بإقامة دعوى ضم للطفلة بسبب عمل والدتها كمغنية (لأن هذا العمل كان يعتبر عيبًا في تلك الأيام) لتحرم الأم من رؤية ابنتها حتى ماتت، ليسدل الستار على مسرح هذه الحكاية، ويسقط القناع وتتعرى الوجوه لتظهر بلا فبركة ولا رتوش، وشكرًا للمواقف التي تكشف حقيقة البشر.

وقد كتبت فاطمة مذكرات لها نشرت عام 1927 قالت في نهايتها: “لا يدهشني أكثر من أن هدى شعراوي تقف مكتوفة الذراعين أمام ابنها، وهي ترى سيدة تطالب بحقها وحق ابنتها، في حين أنها تملأ الصحف المحلية والأجنبية ضجيجًا بدفاعها عن حقوق المرأة”.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى