أخبار رئيسيةمقالاتومضات

لا تُضيّعوا رمضان بين أطباق الدِش (التلفاز) وأطباق الطعام

أميّة سليمان جبارين

ساعات معدودة تفصلنا عن بداية خير الشهور وخير الأيام التي فضَّلها الله عز وجل على سائر الأزمنة والأيام، حيث تنزل فيه كلام الله ودستوره للعالمين: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ). وقد اعتاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُبشّر أصحابه عند اقتراب رمضان فيقول لهم: “أتاكم رمضان” ويطلب منهم الاستعداد له واغتنام فرص العروض الرمضانية التي تختص فقط بهذا الشهر، كيف لا؟ وهو شهر الجود والكرم، فكلما استزدنا من الطاعات وشمرنا عن سواعدنا، نلنا الأجر والثواب أضعافا مضاعفة. أليس الله هو الجواد الكريم؟!! لذلك فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رغم أنف أمرئ أدرك رمضان ولم يُغفر له)، أي خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يستطع أن يدخل به الجنة ويجعله سبيلا للمغفرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف يمكن للإنسان أن يقوم بأداء فريضة الصيام طيلة شهر رمضان ولا يغفر له، أو لا يكون من عتقاء رمضان؟ أمّا الإجابة فإنها تكمن في عدم فهمنا لمضمون الصوم والهدف منه، حيث أن معظمنا يؤدي الصوم كطقس أُفرغ من مضمونه الشرعي السامي، فلا يُحدث الصوم أي تغيير على قلوبنا أو على نفوسنا، فكما يعلم الجميع أن الصيام عبادة عظيمة، تربي النفس على الطاعة والانضباط وتهذّب الأخلاق، فالصيام بمثابة دواء للنفوس والأرواح قبل أن يكون دواء الجسد كما أثبت الطب والعلم ذلك، فكما ورد في الحديث: (صوموا تصحوا)، ولكن ليس المقصود هنا صحة البدن أو الجسد فقط، بل المقصود أيضا صحة النفوس والعقول، والقصد من ذلك أن الصيام قبل أن يكون صياما وامتناعا عن الطعام والشراب والفرج، يجب أن يكون صياما وامتناعا عن الحقد، والضغينة والغيرة والخيانة وغيرها من المعاصي، وإلا ما قيمة صيام عاق الوالدين، أو قاطع الرحم، أو صيام التاجر الغشاش أو المحتكر، لذلك فقد عرّف أبو حامد الغزالي الصيام على أنه في ثلاثة مستويات أو درجات وهي: صوم العوام ويتضمن صوم البطن والفرج عن الشهوة، وصوم الخصوص: يزيد عن صوم العوام بكف سائر الجوارح من سمع وبصر ولسان عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص، وهو أعلى وأرقى درجات الصيام وتعني صوم القلب عن الصفات الدنية من حقد وحسد وكره، وصوم عن الأفكار الدنيوية، فيكون الصائم بكليته مع الله ويقف نفسه لله طيلة شهر رمضان. وهذا هو مفهوم الصيام الحقيقي الذي كان يعيه ويفهمه المسلمون ويحرصون على تطبيقه حتى ينالوا المغفرة والفوز من عند الله. ولكن ما يحصل في وقتنا الحاضر، أن المفاهيم انقلبت واختلطت مع بعضها البعض، لا سيّما مع وجود الغزو الفكري والإعلامي الذي يغزو بلاد المسلمين بأسلحته الناعمة، ويعمل على تفريغ العبادات من مضمونها الحقيقي، والإبقاء عليها كصورة رمزية بحته، حيث أصبح مفهوم الاستعداد لرمضان يتحقق بامتلاء الثلاجات بشتى أصناف وأنواع الطعام واللحوم والأسماك، وأصبحت طقوس رمضان تتمثّل في الولائم الكبيرة وفي كثرة الإسراف والتبذير الذي نهى عنه الإسلام، فأصبحنا نرمي الأطعمة في القمامة دون أدنى تأنيب للضمير، أو شعور بإخوة جياع لنا، وبذلك فقدنا معنى الصيام وروحه وهو الشعور بالفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم أو رغيفا يُسكت جوعهم ويشبع بطونهم، لا سيما في ظل جائحة كورونا التي أصابت العالم وأثرت على الجميع اقتصاديا، وفي ظل الحروب الدائرة في بلاد المسلمين منذ عشرات السنين حيث أضطر بعض إخوتنا في سوريا إلى أكل الميتة لسد جوعهم وجوع أطفالهم، بينما نحن نقضي الساعات في تحضير ما لذّ وطاب من أصناف تزيد عن حاجتنا لنضعها في القمامة، وتحوّل شهر رمضان من شهر عبادات وشعور بالآخرين إلى شهر تباه وتفاخر أمام الآخرين، ونسينا قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وقوله: (إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا).

كما أن الإعلام يلعب دورا بارزا في ضياع صيامنا، من خلال ما يبثّه طيلة الشهر الفضيل، حيث تتسابق الفضائيات على بثّ المسلسلات الرمضانية والتي تصل سنويا لأكثر من أربعين مسلسلا، إمّا تكون مسلسلات إباحية تدعو للزنا والشذوذ واستمراء ذلك، أو مسلسلات مخابراتية لتلميع وجوه الطغاة في عيون شعوبهم، أو من خلال بثّ المسابقات والسهرات الرمضانية التي يقضي الناس جلّ أوقاتهم في رمضان وهم يشاهدون ذلك الإعلام الفاسد الذي يخدم أجندة الغرب والصهاينة في غزو المسلمين، فكريا وإعلاميا- هذا ينطبق على مختلف وسائل التواصل والإعلام- وبذلك يجد الفرد نفسه وقد انقضى رمضان ولم يحدث أي تغيير في نفسه، وبذلك نكون أضعنا أنفسنا وصيامنا ما بين أطباق الطعام وأطباق الإعلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى