أخبار عاجلةمقالاتومضات

الصهيونية الدينية ومهمة حراسة المُــقدس: هل هي حرب مــفتوحـــــة على الفلســطيني؟ (16)

الرعاية العمالية للصهيونية الدينية

الرعاية العمالية للصهيونية الدينية

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

قراءات في تاريخ الحركة الصهيونية بمركباتها الثلاثة العمالية الاشتراكية والتصحيحية اليمينية الرأسمالية والدينية الصهيونية، تؤكد أن قيما جامعة ومتفق عليها شكّلت الأرضية المشتركة والمتفق عليها بين هذه المكونات وساعدت مستقبلا على قيام إسرائيل من جهة وتمددها الاستعماري من جهة أخرى خاصة بعد حرب عام 1967. فلئن كان قيام إسرائيل على ارض فلسطينية بقرار اممي وبرعاية بريطانية مباشرة، فإن التغول في الأراضي المحتلة عام 1967 استند إلى قيم شرعية يهودية وإلى تاريخ يهودي وإلى تراث يهودي تمّت كتابته خارج هذه الأرض، وقد شكّلت مسائل الأرض والحدود والوجود العربي الفلسطيني أرضية مشتركة متفق عليها بين هذه الهيئات السياسية الثلاث مع اختلاف طفيف في التفاصيل والرؤية السياسية وكيفية تطبيق وتنفيذ السياسات ذات الصلة بالمسائل الثلاث فهم على سبيل المثال لا الحصر متفقون على أن هذه الأرض أرضهم وأن من عليها من غيرهم هم غُزاة ولذلك فطردهم من الأرض مسألة ليست أخلاقية والسؤال كيف يتم تنفيذ هذه الرؤية وتحت اية ظروف وملابسات.

في عام 1968 أعيد تشكيل مباي وسميت مفليكت هعفودا، حزب العمل، وقد بقي الحزب وفيا وأمينا لسياسات الإباء المؤسسين القائلة بأن الأرض، كل الأرض حق خالص لليهود وأن التنازل عن الأرض ليس له مكانة لا في قاموسهم السياسي ولا في طروحاتهم السياسية ولا يجوز التنازل عن شبر من الأرض إلا في حالة الضرورة القصوى أو/ومن خلال قوة أعظم من إسرائيل.

لقد آمن بن غوريون أنَّ الشعب الذي لا يحصل على دولة محكوم عليه بالاندثار، ولذلك كانت نظريته خلاصة الفكر “الخلاصي الاشتراكي” الصهيوني تعتمد إعادة انتاج وبناء الانسان اليهودي وهو بالمناسبة ما تقوم به اليوم الحركات الدينية الصهيونية اليوم فالحركة العمالية لم تعتقد بقيم الاشتراكية في سياقها العالمي كما لم تلق بالاَّ قط لمسائل حقوق الانسان واحترامه ذلكم ان مثل هذه القيم تعرقل مسيرتها الرامية لبناء كيان يهودي ولذلك لم تعتقد هذه الحركة -مثلا- بالعمل على تحرير الانسان/ العامل من عبوديات النظام الرأسمالي بل شاركت قياداتها في لقاءات جمعتهم والقيادات الاستعمارية الفرنسية (مثلا) مطّلعة على كيفية قهر الشعب الجزائري وتوطيد احتلاله وتشويه عقيدته وتنفيذ سياسات الدمج والفصل.

لقد كان هدف الصهيونية العمالية وكافة المركبات الأخرى (العامة-تؤمن بأن الخلاص اليهودي يكمن في تظافر عمل سياسي عالمي- والتصحيحية والعمالية والصهيونية الدينية)، أن تجعل الانسان “العامل” اليهودي المتصهين أداة للانبعاث القومي كأساس لتجميع عدد أكبر ممكن من اليهود في أرض فلسطين “الانتدابية” وذلك في مسعى تدريجي لتأسيس الدولة القومية “اليهودية” على أي جزء من ارض “صهيون”، وذلك كمرحلة أولى ضمن منطق الواقعية السياسية الذي يفترض لنجاحه واندفاعه وتقدمه وجود بشري منطلقين من ان حدود الدولة تفرضها سياسات الامر الواقع المعتمدة على الطاقات البشرية عددا وخبرة وقدراته التقانية والعسكرية فضلا عن الاكاديمية والصناعية.

الحركات الثلاث شغلت دورا تأسيسيا في قيام إسرائيل واستمرارها وكل منها أدى دوره في عمليات التأسيس والبناء والتمدد فالحركة الاشتراكية العمالية ممثلة بمبام ومن ثم حزب العمل أسست إسرائيل بناء على نظرية المراحل البنغريونية ورفضت منذ اللحظة الأولى تحديد وترسيم الحدود للدولة انطلاقا من المفهوم الجمعي لأرض إسرائيل وفقا للتراث اليهودي وعندما سنحت الفرصة ممارسة الابادة الجماعية والترحيل القسري لم تتورع عن فعل ذلك عام 1948 وكررت ذلك في عام 1967، ولم تبد القيادات العمالية اية استعداد للعودة الى حدود عام 1948 التي وافقت عليها قوى دولية رغم علمها وعملها على ظلم الشعب الفلسطيني وتغييبه عن ارضه ووطنه.

بن غوريون قال بصراحة غير معهودة عام 1956 اثناء الاستيلاء على سيناء بدعم بريطاني-فرنسي بأن هذه الحرب أي الحرب على مصر (لاستعادة سيناء) كانت بمثابة سفر الرؤيا لسيناء الجديدة ولذلك اعتبر احتلال ما تبقى من فلسطين الانتدابية عام 1967 تحقيق لما جاء في الاسفار والتوراة بشقيها الشفاهي والمكتوب.

لقد رعت الحركة العمالية الحاكمة بعد عام 1967 التيار الديني الصهيوني بأن شجعته في الاستيطان في الضفة الغربية ففي نيسان من عام 1968 قامت مجموعات من الصهاينة المتدينين بالصلاة في الحرم الابراهيمي وبعد شهر واحد من هذه الصلاة خولت اللجنة الدفاعية الوزارية التي يرأسها رئيس الوزراء ليفي أشكول، وزير الدفاع موشيه ديان بضمان أمن المستوطنين وقررت ذات اللجنة عدم اخلاء جماعة الراب ليفنغر من الخليل وفي الخامس من شباط/فبراير من عام 1970 أقرّت الحكومة العمالية برئاسة غولدا مائير قيام كريات اربع في مدينة الخليل.

اعتمدت الحكومة العمالية سياسة التشويش وتعكير صفو حياة الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس والقطاع والجولان وذلك بموافقاتها على توطين اليهود من علمانيين ومتدينين داخل المدن والنجوع الفلسطينية ويعتبر شمعون بيرس الذي شغل منصب وزير الدفاع في حكومة رابين الأولى (1974-1977) عراب هذا المشروع فهو من الداعمين لحركة بني عكيفا الشبابية المتدينة وقد كان معجبا في طليعتها الاستيطانية ووقف خلف تأسيس مستوطنة سبسطية وقد خضع له رابين ليس من باب الضعف بل من باب التأثر في الحركة الشبابية الاستيطانية ومورثها الأيديولوجي الحماسي العامل على تحقيق وتوسيع مديات الاستيطان باعتباره عملا مقدسا يعيد الأرض الموعودة.

الصهيونية الدينية اليوم تعتبر نفسها الوريث الشرعي للحركة الصهيونية العمالية الطلائعية التي أسست لاستعمار البلاد ولم تتورع عن ارتكاب المجازر بحق المدنيين والامنيين الفلسطينيين من اجل تنفيذ مشروع قيام دولة “يهودية” على أي قطعة ممكنة من أرض فلسطين (ارضهم المقدسة) وترى أن السياسات الأولى التي نفذها الآباء الأوائل هي السبيل للاستمرار في الوجود وتحقيقه والتمدد بمعنى الجمع بين القوة والسياسة والفكر والتقانة وهو ما نلاحظه في مسيرة هذه المجموعة التي تشكل عمليا الحلقة الأخيرة في الصيرورات الصهيونية المسيطرة على هذه الأرض بعد ان انتهى دور الحركة العمالية والتصحيحية-التنقيحية- ونجحوا في التغلغل الى داخلها وآلت اليهم السيادة اليوم فهو من يقودون الدولة وهم من يقودون المعارضة ضمن معادلات شغف السياسة وتناقضاتها.

استدراك لا بدَّ منه..

ملفت للنظر في هذا السياق تصريحات النائب عن القائمة العربية الموحدة والمنتمي لفصيل إسلامي مشارك في انتخابات الكنيست إقراره، وهو صاحب الأرض الشرعي سياسة وعقيدة وتراثاً وتاريخاً أن يعلن في أكثر من مرة وعلى أكثر من منبر اعترافه بيهودية الدولة- (أنظر برنامج رافي ريشف على القناة ال12 انتيمي/حميمي الذي بثَّ يوم الجمعة الفائت 17\12\2021)- ذلكم ان هذا الاعتراف في السياق الذي أشير اليه في بيان المواقف العقدية والأيديولوجية من القضية الفلسطينية عموما والوجود الفلسطيني كمشتقة من هذا الموقف المؤسس أصلا على تنظيف الوجود العربي الفلسطيني باعتباره احتلالا يعيدنا الى ما اشرت اليه في مقالات سابقة حول مواقفهم الشرعية “الهلاختية” من المواطن الفلسطيني (נכּרי) الغريب- الذي يعيش بينهم ويحمل الجنسية ويسمونه في مصطلحاتهم הנכרי הגר وللتذكير فقط كنت قد أشرت آنذاك الى ان النظرة الشرعية الى هذه الإشكالية “الفقهية ” أوصلتهم الى ضرورة التفريق الجذري بين الحقوق الشخصية والحقوق الوطنية والقومية لهؤلاء الغرباء وانه من الممكن العمل على منحهم حقوقا فردية لا وطنية ولا قومية وبالتالي فالنائب عباس في حقيقة الامر يلعب في ملعب من يرونه غريبا خلاصة ما يمكن ان يتحصل عليه حقوقا فردية لن تفضي الى حق جماعي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى