الرسائل الخفية في الاعلام وكيف تجدها (36): الكلمة الأخيرة
عائشة حجار
من يملك الكلمة الأخيرة؟ من الذي يقرر كيف سنفكر بكل حدث وهل نتقبله أم لا؟ عادة، الرابح في كل معركة هو الذي يملك الكلمة الأخيرة، هو الذي يتبنى الإعلام خطابه، وبالتالي هو أيضًا الذي يطبع في ذاكرتنا القصة التي سنرويها لأنفسنا وأبنائنا، حتى لو كانت تلك القصة أبعد ما تكون عن الواقع.
في الشارع العربي مثلًا، سنجد صراعًا على الرواية في كتب التاريخ خلال السنوات القادمة: هل ما يحدث في سوريا ثورة أم حرب أهلية أم مؤامرة كونية؟ هل بدأت الأحداث مع أول مظاهرة، أول اشتباك مسلح، أم أنها بدأت قبل ذلك بكثير، عندما تقلّد الـ الأسد الحكم في البلاد؟ سنتعلم من الشرير والخيّر حسب نقطة البداية التي يختارها الراوي، وحسب الزاوية التي يسرد الحكاية فيها وعدد المغالطات التي يدخلها في روايته.
في مصر، سيكون الأمر معقدًا أكثر قليلًا، لأن نظام السيسي تعجل ولم ينتظر حتى انقشاع غبار مجازره، وحاول سرد قصة لا زال رواتها أحياء. لذلك عندما تقرر أن تكون الكلمة الأخيرة لك، من الجيد أن تتحلى ببعض الذكاء، ليس الكثير بل شيء أساسي لكي لا تصبح أضحوكة لغيرك. ومع ذلك لا بد من التنويه أن محاولات نظام السيسي لتسويق رواية عن مجموعة دموية كانت تهدد المصريين جميعًا، ثم أتى الجنرال لينقذهم منها، تلاقي نجاحًا ضئيلًا لسبب واحد: أن هذا النظام أيضًا اهتم بنشر الكراهية في عقول الشعب، والكراهية هي أبشع ما يمكن أن تغذي به البشر، فهي تعميهم عن كل الحقائق، الكره هو أسوأ ما يمكن أن يتمتع به بشر، وهو أساس حكم الطغاة.
أمّا في الساحة الإسرائيلية، فالأمور أقل حدة وأكثر تعقيدًا بقليل، فالصراع هو حول الكلمة، انظر مثلًا إلى الكلمة الاخيرة هذا الاسبوع: طول السنتين الأخيرتين تخبط الإعلام في وصف أي حكومة بدون بنيامين نتنياهو متبنيًا خطابه هو، بين “حكومة يسارية” و”حكومة ضد نتنياهو”، ليبدو الأمر أن السياسة الاسرائيلية تشمل لاعبين مركزيين: نتنياهو وباقي العالم! عندما بدى أن باقي العالم بدأ يشكل حكومة تبنى الإعلام كلمة هذا الباقي وأصبحت “حكومة التغيير” كلمة مستساغة ودارجة في الإعلام، الكلمة التي تقول إن هذه الحكومة ستأتي بالتجديد الإيجابي وليست تهديدًا بل مطلبًا حيويًا للشارع الاسرائيلي.
الكلمة الأخيرة قد تكون أهم كلمة في كل خطاب، ولذلك لا يجيد السياسيون السكوت، كل منهم يحاول أن يكون آخر من يتكلم حتى تبقى روايته في الذاكرة.
بعد سنة تقريبًا من البحث عن الرسائل الخفية في الاعلام ومحاولة قراءتها، أعتقد أننا وصلنا مرحلة الشبع، حان الوقت لإغلاق هذه السلسلة التي كانت حديثًا حاولت فيه أن أعقّد المعقد وأظهر ما وراء الشاشة والكلمات المجردة. لا بد أن الإعلام سيحمل رسالة خفية كل أسبوع، كل يوم وكل ساعة، لا بد أن نتنبه لها، ولهذا جاءت هذه السلسلة التي أنهيها الآن، بينما أبحث عن باقة جديدة من الأفكار في منشوراتكم، رسائلكم وكلماتكم، أدعو لي بالتوفيق!



