أخبار عاجلةمقالات

كانوا للمكسورة قلوبهم سندًا

سوسن محمد مصاروه

جابرة الخواطر، مغيثة الملهوفين، بلسم الأمل للأطفال، أيقونة المحتاجين

نعم إنها آية خطيب التي تُحاكم على إنسانيّتها وحبّها للخير، التي فتحت لنا أبواب خيرٍ كثيرة وكأنها كانت تنادينا بنداء الفضيل بن عيّاض لما كان يقول: (نِعم السائلون، يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى).

كانت تدعونا وتُشدِّد علينا لنحفظ أموالنا، ولكن ليس في بنوك الدنيا، رفعت شعار ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: (إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا تناله اللصوص؛ فافعل بالصدقة)، إنه بنك الآخرة الذي لا تضربه الأزمات ولا تؤثر فيه المتغيرات.

إنها آية التي أعطت من جهدها ووقتها لمساندة المرضى والأطفال والمحتاجين، التي جعلت شعارها إحنا سندهم، وكأنها تذكرنا بمسؤوليتنا نحو أهلنا في غزة بالذات، إحنا سندهم، كم مِنَ الناس مَن رحلوا من الدنيا بغير زاد، تركوا الأموال وودّعوا النعيم، رحلوا بالحسرات ولـزمتهم التبعات، فلا المال ليوم الميعاد قدّموه ولا بعد موتهم أخذوه!! بل لأهل الميراث تركوه! ومع ذلك سيُحاسبون عليه مِن أين اكتسبوه وأين أنفقوه.

الصدقة تطفئ الخطيئة، الصدقة تدفع المكروه، الصدقة سبب في نماء المال وبركته، الصدقة تقرِّبك من الله تعالى، المتصدق في ظل العرش يوم القيامة، الصدقة فكاك ووقاية من النار، الصدقة سبب في تيسير موقف الحساب يوم القيامة، الصدقة تُطفئ حر القبور، الصدقة تُظلٌّ صاحبها، الصدقة برهان، ما أكثر فضائلها وما أعظمها وأجلّها!

تخيّل ما أنفقته، لمريض، لطالب علم، لإطعام طفل، لترميم بيت، لبناء مسجد، لعائلة مستورة، كم لكّ من الدعوات والأجور.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجلٌ في فلاة من الأرض، سمع صوتا من سحابة: اسق حديقة فلان، فتنَحَّى ذلك السحابُ، فأفرغ ماءه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجلٌ قائم في حديقة يُحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع من السحابة، فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتًا في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسقِ حديقة فلان، اسمك – فما تصنعُ فيها؟ قال: أما إذا قُلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، و آكل أنا وعيالي ثلثه، وأردّ فيها ثلثه” وفي رواية: “وأجعل ثُلَثَه في المساكين والسائلين وابن السبيل”. فماذا نصنعُ نحن بمعاشاتنا؟ هل نجعل ثلث المعاش أو السدس أو الثمن صدقة؟ كم تجعل منه لله؟ سؤال حريّ بنا أن نقف عنده ونسأل أنفسنا ونجد الإجابة.

جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله عن مرض أصابه في ركبتيه منذ سبع سنين وقد عالجها بأنواع العلاج وسأل الأطباء فلم ينتفع. فقال له ابن المبارك: اذهب واحفر بئرًا فإن الناس بحاجة الماء، ففعل الرجل ذلك، فبرأ.

وما أكثر الأمراض في هذا العصر، وما أشد تلهف المرضى للشفاء، فهل حاولنا مداواتها بالصدقات والقربات لله؟

هناك الكثير من القصص التي سمعناها من المتصدّقين فيها العبرة والدليل على صدق ما قرأناه في الكتًب.

إنها وقفة من وقفات المحاسبة نُقلب فيها صفحات القلوب، ننفض التراب عنها، ليدخل النور إليها، ليتفكك الران الذي علق بها، ولتزول شهوات الدنيا التي تشرَّبها، ولتُغسل الذنوب، كان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلًا على بابه فيقول: (مرحبًا بمن جاء يغسل ذنوبي).

أبواب الخَير كثيرة، فإن كانت آية خطيب غير موجودة ونسأل الله لها الفرج القريب، فهناك المؤسسات الخيِّرة التي ترعى مشاريع كثيرة وأُناسٌ خيّرون ساروا على خُطى آية، فتصدق وأنفق وتذكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة).

كم من جائع بحاجة للقمة، هي عنده أفضل مما حوته الدنيا، وكم من عارٍ، الثوب عنده أعظم ما فيها، وكم من طالب علم بحاجة إلى صدقتك، وكم من حافظ للقرآن بحاجة إلى تبرعك، وكم من أسير، وكم من بيت من بيوت الله وكم من مشفى … كلٌ بحاجة إلى أموالك وصدقاتك وتبرعاتك، لا تقل وما تفعل أموالي فإنها قليلة!!

قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدّق وأنت صحيح حريص، تأمُلُ الغِنَى، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا…).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (درهم ينفقه أحدكم في صحته وشحه، أفضل من مائة يوصى بها عند الموت).

فيا مَن يأمل أن يكون في ظل الله يوم لا ظلّ إلا ظله، تصدّق لتكون يوم القيامة، عندما تدنو الشمس حتى تصل إلى الرؤوس، تكون أنت في ظلّ صدقتك التي رباها لك ربك فأصبحت عظيمة.

ربَّ القليل يسبقُ الكثير، أحسنُوا وتصدّقوا وكانوا للمكسورة قلوبهم سندًا

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى