كورونا القيم أخطر من كورونا الجرثومية

كورونا القيم أخطر من كورونا الجرثومية

أمية سليمان جبارين (أم البراء)
كنت ولا زلت أؤكد من خلال سلسلة مقالاتي أن للمرأة الفلسطينية كامل الحق أن تحيي بكرامة وأن تتمتع بكامل حقوقها التي تحفظ عليها إنسانيتها وقيمها وثوابتها الإسلامية العروبية الفلسطينية ودورها الأساس في مسيرة مجتمعنا، وقد فصَّلت في ذلك عبر مقالات سابقة ولا حاجة للإعادة، ومن حق المرأة الفلسطينية كذلك أن تتمتع بفضاء حياة آمن يملؤها المودة والرحمة بعيدا عن أي مظهر عنف. بداية من العنف الكلامي فصاعدا، ولكن ذلك لا يعطي عذرا ولا مبررا لبعض الجمعيات النسوية أن تستغل هموم المرأة الفلسطينية وأن توجهها في اتجاه غير صحيح خصوصا إذا كنا نعرف سلفا ما هي هذه الجمعيات النسوية، وكيف أنها تتلقى دعما ماليا من صناديق صهيونية أمريكية، ولذلك إذا أردنا أن نناصر المرأة الفلسطينية مناصرة راشدة وصادقة ومخلصة لا بد من وضع الأمور في نَصابها، وحتى نضع الأمور في نصابها أسجل هذه الملاحظات:
1-مبدأ العنف مرفوض سواء كان عنفا كلاميا أو سلوكيا، وسواء كان عنفا أسريا أو مجتمعيا، وسواء كان صادرا من الرجل أو المرأة، وسواء كان ضد المرأة أو الطفل أو الرجل، ولا بد من مناصرة ضحايا العنف في كل هذه الحالات دون تمييز أو استثناء.
2-القول إن هناك عنفا ضد النساء هذا صحيح مع شديد الأسف ولكن محاولة إظهار أحوال مجتمعنا وكأنه لا يوجد إلا عنف ضد النساء هذا مجانبة للحقيقة وهو مرفوض، وواقع حالنا اليومي الجريح يؤكد ذلك، فقد بات لا يمر علينا يوم إلا ويُصاب البعض منا بجراح نتيجة هذا العنف الدامي، وقد يُقتل البعض، والواضح لكل عاقل أن هذا العنف أعمى لا يفرق بين رجل وامرأة وطفل.
3- الدعوة إلى علاج هذا العنف الكارثي، واجب لا ريب فيه، يجب أن يحظى بكل اهتمامنا، وهناك عنف يجب أن يحظى ببعض اهتمامنا، أو كأن هناك ضحية عنف لها منزلة (أ) وهناك ضحية عنف أخرى لها منزلة (ب) وهناك ضحية عنف ثالثة لها منزلة (ج)…إلخ، هذا أمر مرفوض رفضا مبدئيا وقاطعا، وهو عنف بحد ذاته ضد بعض القطاعات من مجتمعنا، لذلك المطلوب مواجهة كل العنف، والمطلوب هو تعاون الكل على مواجهة العنف، ولذلك أنا شخصيا أرى محاولة فصل ما تعاني المرأة من عنف عن سائر ما تعاني بقية مركبات مجتمعنا الأخرى من عنف، هو أمر يثير التساؤل ويجعلني أعتقد أن وراء الأكمة ما وراءها، وهناك محاولات لاستغلال معاناة المرأة المعنفة في ثوب ادعاء السعي لمناصرة هذه المرأة، وكأن هناك جمعيات نسوية تحاول إثبات وجود، وتحاول إثبات أنها تستحق الدعم من صناديق الدعم الصهيونية الأمريكية كي تحظى بدولاراتهم محاولة تمرير أجندتها الداعية إلى الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي والجنسانية بادعاء مناصرة المرأة المعنفة.
4- وإلا ما معنى محاولة ادعاء بعض الجمعيات النسوية أن العنف ضد المرأة شهد (الارتفاع الحاد في الحالات المبلغ عنها خلال فترة العزل والتباعد التي فرضتها إجراءات الوقاية من فايروس كوفيد19، التي أبرزت الثغرات في منظومة الحماية الاجتماعية للنساء، وأكدت حجم التحديات والمخاطر التي تواجهها الفلسطينيات في كل مكان)، فإذا كان مقصود هذا القول إن هذا (العزل والتباعد) قد أحدث عنفا ضد كل مركبات المجتمعات في كثير من شعوب العالم بما في ذلك المجتمع الفلسطيني، ولذلك يبقى السؤال لماذا هذا التخصيص والتميز وكأن جائحة الكورونا لم تتسبب إلا بعنف ضد النساء فقط، وكأن هذه الجائحة لم تُبْرز إلا ثغرات في منظومة الحماية الاجتماعية للنساء فقط!! وماذا عن ضحايا العنف الذي تسببت به هذه الجائحة من غير النساء سواء كانوا رجالا أو أطفالا؟! فإن من الواضح أن العنف الذي تسببت به جائحة الكورونا هو عنف مركب، لا يمكن أن نفصل المرأة إذا كانت له ضحية عن الرجل أو الطفل إذا كانا له ضحية، ولا يمكن أن نفصل فيه معاناة الفرد عن معاناة البيت وعن معاناة المجتمع، ففي الوقت الذي أحدث فيه (العزل والتباعد) -كناتج عن الكورونا-عنفا ضد المرأة وغيرها، فقد أحدثت البطالة -كناتج عن الكورونا – القروض، ولذلك فقد أنتجت الكورونا وباء عنف أسري ومجتمعي متشابك وليس ضد النساء فقط، ولا يمكن علاج العنف ضد النساء بمعزل عن علاج سائر حدود هذا العنف المتشابك.
5- مما يستوقفني كامرأة أن هذه الجمعيات النسوية تحاول استغلال جائحة الكورونا وما أنتجته من عنف مركب، لبث مقولاتها الملغومة التي ما عادت تخفى على أحد، وتحاول تكريس هذه المقولات الملغومة، وها هي في بياناتها التي تتحدث فيها عن جائحة الكورونا قد عادت تتحدث عن العنف الذكوري وعن معاناة المرأة الفلسطينية من العنف لأنها امرأة، وهو قول متهافت لا صواب فيه، لأنه إذا صدر عنف من رجال لا يجعل العنف ذكوريا، فهناك عنف يصدر من النساء، وهناك عنف يصدر من الأطفال، وهو مرفوض بغض النظر عن مصدره، والمطلوب منا مواجهته بغض النظر عن مصدره، ومن قال إن المرأة الفلسطينية تعاني من العنف لأنها امرأة ؟! على العكس تماما فإن معظم النساء الفلسطينيات يتمتعن بالتكريم والتقدير والاحترام، لأنهن نساء، وما يقع على بعضهن من عنف قد يقع من رجال وقد يقع من نساء، وقد يقع على رجال وقد يقع على نساء وهو مرفوض لا عذر له ويجب مواجهته، ولا داعي لصناعة هذا الوهم.
وكأن العنف هو عنف رجولي فقط، وكأن المرأة الفلسطينية تعاني من العنف لأنها امرأة.
6- بات واضحا لي كامرأة أن بعض الجمعيات النسوية تحاول صناعة هذا الوهم، ومواصلة الادعاء أن العنف رجولي، وأن المرأة تعاني من العنف لأنها إمرأة، بغية أن تتكئ هذه الجمعيات النسوية على هذه المقولات الوهمية لدعوة النساء إلى التمرد على الأسرة والبيت والمجتمع والقيم والثوابت، وبغية أن تشرعن للنساء، – باطلا- الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي والجنسانية، ولن تخدعني هذه الجمعيات النسوية ببعض تعابيرها الملغومة التي تحمل في طياتها أهداف هذه الجمعيات النسوية المبيتة كدعوتها وفق قولها- إلى الالتزام (بمبادئ حقوق الإنسان الأساسية التي تكفل العدالة والمساواة لجميع البشر على حد سواء) فهذه التعابير في ظاهرها جميلة، ولكن ما أخطرها عندما نعلم أن هذه الجمعيات النسوية وعلى سبيل المثال تقصد بقولها (… والمساواة لجميع البشر على حد سواء) أي إسقاط حدود الجنس التي خلق الله تعالى الناس عليها وإباحية التحول الجنسي إلى جانب إباحة الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي بادعاء تحقيق المساواة.
7- بناء على كل ما ورد أعلاه أؤكد أن داء الكورونا خطير، وأن العنف المركب الذي أنتجه داء الكورونا خطير، ولكن الأخطر من الكورونا الجرثومية هي كورونا القيم التي تحاول إفساد هويتنا وانتمائنا وثوابتنا وأخلاقنا بادعاء أنها تحاول التصدي لعنف الكورونا الجرثومية أو فايروس كوفيد19.
8- إن قول هذه الجمعيات النسوية: (إن العنف الذكوري الذي تواجهه المرأة الفلسطينية لكونها امرأة يتشابك مع العنف الاستعماري الذي تواجهه لكونها فلسطينية) إن هذا القول مجرد زخرف قول منقوش وأجوف يُراد منه صناعة الوهم لاستدراج المرأة الفلسطينية إلى مستنقع الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي والجنسانية. وإن الذي يجب أن يُقال: إن هدم قيمنا يتشابك مع الهدم الاستعماري لبيوتنا، ومقدساتنا، وإن ثوابتنا تتشابك مع المصادرة الاستعمارية لأرضنا ومقدساتنا، وإن تدمير هويتنا يتشابك مع التدمير الاستعماري لحاضرنا ومستقبلنا، وإن التنكر لانتمائنا يتشابك مع التنكر الاستعماري لتاريخنا وحضارتنا وجذورنا.