حق المرأة في العمل السياسي والمهني

حق المرأة في العمل السياسي والمهني

أمية سليمان جبارين (أم البراء)

إن التي تظن مستندة إلى قول الله تعالى (وقرن في بيوتكن) -الأحزاب:٢٣- أن الإسلام يمنع المرأة المشاركة في العمل السياسي والمهني هي مخطئة، وحول هذا الاستدلال الخاطئ بهذه الآية وحول الاستنتاج الخاطئ المبني على هذا الاستدلال الخاطئ، يقول الشيخ العلامة د.يوسف القرضاوي، كما أورد ذلك الأستاذ عصام أحمد البشير في كتيبه (المرأة المسلمة في عصر التنزيل): آية ( وقرن في بيوتكن، ) لا تنهض دليلا لمنع مشاركة المرأة في العمل العام، وذلك لأسباب منها:
١- الآية تخاطب نساء النبي كما هو واضح من السياق، ونساء النبي لهن من الحرمة وعليهن من التغليظ ما ليس على غيرهن، ولهذا كان أجر الواحدة منهن إذا عملت صالحا مضاعفا، كما جعل عذابها إذا أساءت مضاعفا أيضا.
٢ – أن أم المؤمنين عائشة مع هذه الآية خرجت من بيتها، وشهدت معركة الجمل استجابة لما تراه واجبا دينيا عليها، وهو القصاص من قتلة عثمان، وإن أخطأت التقدير فيما صنعت كما ورد عنها رضي الله عنها.
٣ – أن المرأة قد خرجت من بيتها بالفعل وذهبت إلى المدرسة والجامعة وعملت في مجالات الحياة المختلفة، طبيبة ومعلمة ومشرفة وإدارية وغيرها، دون نكير من أحد يعتد به مما يعتبره الكثيرون إجماعا علميا على مشروعية العمل خارج البيت للمرأة بشروطه الشرعية المعروفة من احتشام وغيره.
٤ – أن الحاجة تقتضي من المسلمات الملتزمات أن يدخلن معركة العمل العام في مواجهة المتحللات والعلمانيات اللائي يتزعمن قيادة (العمل النسائي، والحاجة الاجتماعية والسياسية قد تكون أهم وأكبر من الحاجة الفردية التي تجيز للمرأة الخروج إلى الحياة العامة) وحول استناد البعض إلى سد الذرائع لمنع المرأة من المشاركة في العمل السياسي والمهني يقول الشيخ العلامة د.يوسف القرضاوي نقلا عن نفس المصدر: (لا شك أن سد الذرائع مطلوب ولكن العلماء قرروا أن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها، وقد يترتب عليها ضياع مصالح كثيرة، أكبر بكثير من المفاسد المخوفة. وهو من المسائل التي تقدر بقدرها من غير ما شطط ولا غلو. وقد وقف بعض العلماء يوما في وجه تعليم المرأة ودخولها المدارس والجامعات من باب سد الذرائع، ولكن غلب التيار الآخر، ووجد أن التعلم في ذاته ليس شراً، بل ربما قادها إلى خير كثير).
وحول استناد البعض إلى مسألة ولاية الرجل على المرأة لمنع المرأة من المشاركة في العمل السياسي والمهني يقول الشيخ العلامة د.يوسف القرضاوي نقلا عن نفس المصدر: (إن الآية الكريمة التي ذكرت قوامة الرجال على النساء إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية، فالرجل رب الأسرة، وهو المسؤول عنها، بدليل قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض وما أنفقوا من أموالهم )-النساء:٢٣-، فقوله: (وبما أنفقوا من أموالهم ) يدلنا على ان المراد القوامة على الأسرة، وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: ( وللرجال عليهن درجة)، ومع قوامة الرجل على الأسرة ينبغي أن يكون للمرأة دورها، وأن يؤخذ برأيها فيما يهم الأسرة،، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في مسألة فطام الرضيع، (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما )-البقرة: ٢٣٣- وكما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود : (آمروا النساء في بناتهن) أي استشيروهن في أمر زواجهن.
أما ولاية بعض النساء على بعض الرجال خارج نطاق الأسرة فلم يرد ما يمنعه، بل الممنوع هو الولاية العامة على الرجال. والحديث الذي رواه البخاري عن ابي بكرة رضي الله عنه مرفوعا: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة) إنما يعني الولاية العامة على الأمة كلها، أي الإمامة الكبرى، كما تدل عليه كلمة (أمرهم) فإنها تعني أمر قيادتهم ورياستهم العامة.
أما بعض الأمر فلا مانع ان يكون للمرأة ولاية فيه، مثل ولاية الفتوى أو الاجتهاد أو التعليم أو الرواية أو التحديث أو الإدارة ونحوها، فهذا مما لها ولاية فيه بالإجماع، وقد مارسته على توالي العصور، فظهر في النساء نوابغ كأمهات المؤمنين وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية التي أخذ عنها إبن شهاب الزهري فوجدها بحرا لا ينزح، وفاطمة السمرقندية وكريمة التي روت صحيح البخاري وأم الخير التي روت صحيح مسلم وغيرهن كثير، وسبب ورود الحديث المذكور يؤيد تخصيصه بالولاية العامة، فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرس بعد وفاة إمبراطورهم، ولّوا عليهم ابنته بوران بنت كسرى، فقال صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة).
على ضوء ما تقدم، للمرأة أن تخوض غمار المشاركة في العمل السياسي والمهني بشروطه الشرعية المعروفة. ولذلك برز في الماضي والحاضر عدد لا يُحصى من النساء المسلمات الملتزمات اللاتي خضن غمار العمل السياسي والمهني وعلى سبيل المثال وعلى الصعيد المحلي فقد كانت الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا من أوائل من فتح المجال للمرأة كي تتقلد منصب عضوة بلدية، وهذا حزب الوفاء والإصلاح ذي التوجه الإسلامي في الداخل الفلسطيني فتح المجال للمرأة كي تنخرط في هذا الحزب وتتقلد فيه أعلى المناصب، وعلى صعيد عام فكلنا قد قرأ عن سيرة حياة المرحومة زينب الغزالي السياسية الثائرة على الظلم في مصر، وكلنا قرأنا عن مروة قوقجي عضوة البرلمان التركي، وكلنا لا زلنا نتابع سيرة الناشطة اليمنية توكل كرمان الحاصلة على جائزة نوبل، وكلنا نتابع أخبار الناشطات السعوديات الثائرات على ظلم محمد بن سلمان، والأمثلة أكثر من ذلك بكثير، ولذلك أنصح بقراءة كتاب (إضاءات على ميلاد الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا) للشيخ رائد صلاح، لأن هذا الكتاب يبين سمو الدور الذي قامت به المرأة في سيرة حياة الحركة الإسلامية المحظورة.