الطنطورة.. قرية فلسطينية ساحلية كيف دمّرتها العصابات الصهيونية وارتكبت أفظع المجازر بحق أهلها؟؟

الطنطورة.. قرية فلسطينية ساحلية كيف دمّرتها العصابات الصهيونية وارتكبت أفظع المجازر بحق أهلها؟؟

ساهر غزاوي
تختلف مذبحة الطنطورة عن سائر المذابح السابقة في فلسطين ليس لحجم الضحايا فقط ولكن كونها جريمة ارتكبت على يد القوات الصهيونية بعد أسبوع واحد من إعلان قيام الكيان الإسرائيلي. وقد اختارت القوات الصهيونية هذه القرية بالذات بسبب موقعها على ساحل البحر المتوسط وسهولة مهاجمتها تحت ذريعة أن القرية تمثل تهديدا لهم واتهموا أهلها بتحويلها لمرفأ يصل منه السلاح للفلسطينيين. وقد قاومت القرية مقاومة باسلة ولكن لضعف تسليحهم لم تستطيع الصمود أمام القوات الصهيونية.
ولو لم تهجرَ القوات الصهيونية أهلها، وتُغير ملامحها، وتقيم على أنقاضها مستعمرتي نحشوليم عام 1948 ودور عام 1949، لكانت قرية الطنطورة الساحلية التي تمتاز بموقعها الاستراتيجي المهم، والتي تقع إلى الجنوب من مدينة حيفا، وتبعد عنها 30 كم، تضاهي الآن كبرى المدن الساحلية في فلسطين التاريخية (حيفا ويافا وعكا) من حيث الأهمية والتطور المدني والازدهار الاقتصادي القوي المتين. وكان فيها أيضا محطة لقطار سكة الحديد توفر الخدمات للخط الساحلي. وكانت القرية تُصدّر البضاعة إلى كافة الدول الأوروبية وكافة الأراضي الفلسطينية والدول العربية المجاورة، وكان أهالي القرية يعتبرون من الطبقات الثرية وأصحاب الأملاك.
وتقوم القرية على بقايا قرية (دور) الكنعانية وتعني المسكن. وتبلغ مساحة أراضيها 14520 دونمًا وتحيط بها قرى كفر لام والفريديس وعين غزال وجسر الزرقاء وكبارة. قُدر عدد سكانها سنة 1929م بحوالي 750 نسمة وفي عام 1945م بحوالي 1490 نسمة. وكان بالقرب من القرية عدة خرب منها خربة المزرعة، وخربة أم الطوس، وخربة السليمانيات وخربة حناتة، وخربة دريهمة، وخربة حيدرة، وتل عيدون، والطنطورة منطقة أثرية تضم ميناءً قديماً وبقايا أبنية ومدافن وأعمدة وبقايا معمارية أخرى إضافة لمحطة سكة حديدية.
وقد شكلت القرية نقطة دفاع هامة إبّان الحروب الصليبية، وكانت أهم مركز اقتصادي لفلسطين، قبل أن تسبقها قيسارية. وفي أواخر القرن التاسع عشر، وُصفت الطنطورة بأنها قرية ساحلية تمتد من الشمال إلى الجنوب. وكان ميناؤها، المبني على أطراف شبه جزيرة مربعة، يقع شمالي القرية مباشرة. واشتملت القرية على بناء حجري مربع الشكل كان يستعمل مضافة للزائرين. وكان فيها 1200 نسمة، يزرعون 25 فداناً. وكان للقرية تجارات محدودة مع يافا.
وتذكر المصادر أن منازل الطنطورة كانت حجرية مبنية على الشاطئ الرملي. وكان فيها مدرسة ابتدائية للبنين (بُنيت في سنة 1889 تقريبا) وأخرى للبنات (أسست في 1937/1938). واعتمد اقتصاد القرية على الزراعة وصيد السمك. وفي فترة الانتداب، ازداد صيد السمك من 6 أطنان في 1928 إلى 1622 طناً في سنة 1944. وكانت الحبوب والخضروات والفاكهة أهم الغلال الزراعية. في 1944/1945، كان ما مجموعه 26 دونماً مخصصاً للحمضيات والموز، و6593 دونماً للحبوب، و287 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين، منها 270 دونماً للزيتون.

أبشع المجازر وأفظعها!
جاءت مذبحة الطنطورة بعد شهر تقريبا من مذبحة دير ياسين استكمالا للهدف الصهيوني الرئيسي والمتمثل بعملية التطهير العرقي للبلاد بقوة السلاح والترهيب للسكان تمهيدا لتهجير أكبر عدد من المواطنين الفلسطينيين، وقد تركت مذبحة طنطورة أثرا بالغا على الفلسطينيين في القرى المجاورة ومهدت لتهجيرهم بالفعل.
عمدت قيادات الييشوف (الاستيطان) ضمن سياستها الكلية لطرد السكان الفلسطينيين من قراهم وتوطينها باليهود، كوسيلة من وسائل الترانسفير. فقال بن غوريون: “حتى نعطي أهمية لانتصاراتنا علينا أن ندخل القرى العربية المتروكة ونستوطنها، فالحرب تجلب معها متغيرات لصالحنا”. ولتحقيق هذا الهدف فقد سجل (جاليلي) في رسالة بعثها إلى فايتس: “إننا ننظر بأهمية بالغة لإنشاء بؤر استيطانية في الأماكن المفصلة أمامكم (عين محيسن، خربة سريس، خربة الدوير، كفر مصر، خربة المنشية الطنطورة…).
الإشاعة من الوسائل الهامة التي استخدمتها الهاغاناه في طرد الفلسطينيين من قراهم، ولذلك ففي بداية آيار من عام 1948 تركت (48) عائلة فلسطينية الطنطورة. وقد أشار (بني موريس) نقلاً عن كتاب “حطيفت الكسندروني” لواء الالكسندروني وأرشيف البلماخ أنه تم تهجير الناس قسراً إلى الفريديس (المجاورة). وقسم آخر هاجر إلى المثلث ومنها أكمل رحلة الشتات إلى الضفة الغربية، سوريا والأردن. وقد بلغ عدد السكان الإجمالي الذي تم طرده وفقاً لبيانات موريس بين (500-1200) شخصاً. وبعد المجزرة التي ارتكبت بحق السكان وتحديداً في 14/6/1948 اجتمعت مجموعة من رجالات الأمن والمختصين بالشؤون العربية من حزب مبام، وبحثوا في إمكانية طردهم أو ابقائهم في أماكنهم الجديدة أو نقل ملفهم إلى خارج هيئة الصليب الأحمر. إلا أنه فيما بعد طرد معظم اللاجئين الطنطوريين خارج حدود الدولة اليهودية، وكان لفلاحي مستوطنة بنيامينه المجاورة الدور الكبير في طرد أهالي الطنطورة من الفريديس، وذلك أثر الاجتماع الذي عُقد بين الدائرة العربية لحزب مبام آنذاك، ولجنة مزارعي بنيامينه. (موريس بيني).
كانت الطنطورة في بداية أيار/ مايو 1948 من أواخر القرى العربية الباقية في شريط السهل الساحلي، الممتد من منطقة زخرون يعقوب (جنوبي حيفا) حتى تل أبيب. في 9 أيار/ مايو، عقد اجتماع بين ضباط الاستخبارات المحليين في الهاغاناه وبين خبراء بالشؤون العربية، لتقرير مصير الطنطورة وبضع قرى أخرى. واتخذ القرار وفق ما ذكر المؤرخ الإسرائيلي بني موريس بطرد السكان أو إخضاعهم، ويؤكد “تاريخ حرب الاستقلال” أن القرار نفذ في الطنطورة بعد أسبوعين، ليل 22-23 أيار/ مايو، إذا هاجمت الكتيبة الثالثة والثلاثون في الهاغاناه (الكتيبة الثالثة في لواء ألكسندروني) القرية، التي سقطت بعد معركة قصيرة ذلك بأن القرية، وفق ما ذكر موريس، كانت رفضت في السابق شروط الهاغاناه للاستسلام واختارت القتال. وكتب موريس: كان من الواضح أن قادة لواء ألكسندروني أرادوا القرية خالية من سكانها وأن بعض هؤلاء السكان على الأقل طرد.
وجاء في بلاغ عسكري إسرائيلي، صدر في 23 أيار/ مايو 1948، وأوردته صحيفة (نيورك تايمز)، أن مئات من العرب وقعوا في أيدينا، فضلا عن كميات كبيرة من الغنائم. وقد أورد مراسل الصحيفة ادعاء الهاغاناه المستبعد وهو أن القرية كانت نقطة تهريب للمتطوعين المصريين القادمين الى فلسطين بحرا.
غير أن معاناة السكان لم تنته بطردهم فقد ذهب بعضهم الى المثلث بينما طرد نحو 1200 من الأهالي الى قرية الفريدس المجاورة، والتي كانت سقطت من قبل. في أواخر أيار/ مايو، سأل وزير الدولة الإسرائيلي بيخور شيطريت، رئيس الحكومة دافيد بن-غوريون: هل يجب طرد سكان الطنطورة من الفريدس أيضا؟ ويشير موريس الى أن معظم السكان كانوا قد طردوا في الصيف من الأراضي التي تسيطر العصابات الصهيونية عليها، وأن 200 شخص تقريبا مكثوا في الفريديس، ومعظمهم من النساء والأطفال ممن لهم أقارب ذكور في قيد الاعتقال الإسرائيلي وقد بات هؤلاء في العراء مفتقرين الى الكسوة، استنادا الى موريس الذي يذكر أن بعض المسؤولين الإسرائيليين قلق جراء ما يمكن أن يحدث لهؤلاء في الشتاء غير أنه لم يذكر شيئا أكثر من ذلك فيما يتعلق بمصيرهم.
استقر في أذهان ووعي القادة الصهاينة ضرورة ترحيل وطرد العرب من قراهم ومدنهم، بعد أن ضمنوا كفة الميزان العسكري لصالحهم-فهم أثناء الحرب العالمية الثانية شاركوا في فيالق عسكرية مع جيوش الحلفاء ضد ألمانيا، مما أدى لاكتساب هذه الوحدات خبرات قتالية وعسكرية كبيرة.. ولقد أيد بن غوريون بشكل صريح طرد العرب معتبراً أن هذه العملية ليس فيها أي شيء غير أخلاقي. فقد صرح قائلاً: “ولذلك يتم تسويغ أية وسيلة لترحيل العرب وطردهم، وفي بعض الأحيان إذا كانت المقاومة قوية لا تستطيع الهاغاناه وعصاباتها حسم المعركة دون تدخل الانجليز، وهذا ما حدث في الطنطورة فعلى الرغم من قلة السلاح بين سكان القرية، تدخل الطيران البريطاني حيث قامت طائرتان بقصف إجزم والطنطورة كمقدمة لتسهيل غزو الهاغاناه للقرية.
ولذلك قامت قوات الهاغاناه بتطبيق قرار الترحيل عبر محاصرة الطنطورة براً وبحراً بفيالق عسكرية كبيرة وبمساعدة طائرتين بريطانيتين، فيما لم يكن بحوزة السكان أية قطعة سلاح ثقيلة أو متوسطة كما لم يكونوا منظمين، في الوقت ذاته أحدثوا فيها الفساد وارتكبوا مذبحة مروعة، ويؤكد عدد من المؤرخين العرب واليهود أن تلك المذبحة تعتبر من أبشع المذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين التي تزيد على ثمانين مذبحة. حيث قتلوا فيها نحو 230 فلسطينياً على طريقة القتل النازية في القرى البولندية في الحرب العالمية الثانية، حيث أوقفوا الرجال والشبان بجانب القبر الجماعي وتم إطلاق النار عليهم ودفنهم ومواراتهم الرمل.
ولم يبق من القرية اليوم إلا المسجد وإلى جانبه مقام يضم رفات الشيخ (عبد الرحمن المجيري) المصري الأصل، وقلعة وبئر قديمة وبضعة منازل. أحد المنازل الباقية (منزل آل اليحيى) بني في سنة 1882. مثلما يتبين من نقش ظاهر عليه. وينتشر كثير من شجر النخيل وبعض نبات الصبار في أنحاء الموقع. الذي تحول الى منتزه إسرائيلي يضم بعض المسابح.

تحقيق “كاتس” حول مذبحة الطنطورة
ويشار هنا إلى أن الكاتب والباحث الاسرائيلي: (تيودور (كاتس) قام ببحث ودراسة، عن مجزرة بلدة الطنطورة الفلسطينية في العام 1948م، حيث لم يكشف النقاب عنها وعن تفاصيلها السرية إلا حديثا، ولم تلق اهتماما فلسطينيا، كما لاقته مجزرة (كفر قاسم)، مع أنها قد تفوقها فظاعة وتنكيلا.
وكان قد أعدّ البحث في إطار تقدمه للحصول على درجة (الماجستير) من جامعة حيفا، (سحبت جامعة حيفا اعترافها برسالته الأكاديمية بعد الضجة الإعلامية التي أثارها الكشف عنها وقتذاك) عمل وتجول طوال سنتين من اجل الوصول للأشخاص الذين تواجدوا في تلك الليلة الواقعة بين 22 و23 أيار 1948م في قرية الطنطورة.. تحدث “(كاتس)” مع مشردي القرية والذين يسكن البعض منهم اليوم في قرية (فريديس)، وبعضهم الآخر طردوا وهجروا إلى خارج البلاد، جزء منهم يقيم حاليا في مخيم “اليرموك” قرب دمشق.
كما تحدث (كاتس) مع أقارب هؤلاء الناجين من المجزرة لسبب أو لآخر، ومع جنود لواء “الكسندروني” من الكتيبة (33) التي دعيت آنذاك باسم “كتيبة السبت”، إبان حرب العام 1948م، كما تحدث الباحث مع سكان بلدة “زخرون يعقوب” الإسرائيلية المجاورة لموقع قرية الطنطورة والتي لم تبق منها سوى أطلال عدد قليل من المباني الحجرية القديمة.. كذلك استند “(كاتس)” في إعداد بحثه ودراسته إلى معاينة وثائق في ارشف الجيش الإسرائيلي.. وقد توصل في بحثه إلى نتيجة قاطعة، مؤداها أن ما حصل في قرية الطنطورة في تلك الليلة من شهر أيار عام 1948م كان “مذبحة ومجزرة على نطاق جماعي”.

مشاهد لا تنسى
يقول الشاهد فوزي محمود أحمد طنجي (أبو خالد) في مقابلة شخصية معه، وهو من سكان الطنطورة الأصليين ويقيم في مخيم طولكرم: (لقد قتلوا أبناء عائلتي وأصدقائي أمام عيني، أخذونا إلى مقبرة القرية، ثم وضعونا في صفوف. ثم جاء القائد اليهودي وقال لجنوده خذوا عشرة، ثم اختاروا عشرة منا وسحبوهم إلى جانب الصبرة وأطلقوا عليهم النيران، ثم عادوا وأخذوا عشرة آخرين، ثم عادوا مرة ثالثة حيث قاموا بدفن القتلى، ثم قتلوهم وتكرر الامر… ولن أنسى أبداً وجوه هؤلاء الجنود فقد ظننتهم ملائكة الموت، فعندما وقفت هناك كنت على يقين أن هذه هي لحظاتي الأخيرة، فبعد لحظات سيأخذونني ويطلقون علي النار… وأثناء الحديث مع الحاج فوزي انهمر بالبكاء الشديد وهو يقول أتمنى لو أنني مت آنذاك، ولا أن تلاحقني هذه الأحداث حتى هذه اللحظات).
الشاهد رزق عشماوي (أبو السعيد) يقيم في قرية الفريديس يقول: (على مقربة المسجد كانت ساحة، وقد قام الجنود اليهود بصف الشباب قرابة 25 شاباً وكذلك فتيات وكان أمامهم (10-12) جندياً يهودياً، ثم فجأة قاموا بإطلاق النار على الشباب وأمروا الفتيات بالانصراف. عند عودتي إلى الشاطئ اصطدمت بجثث القتلى كانوا (40-50) شهيداً كلهم على طول الجدران. وعندما هممنا بالخروج كان الجنود يوجهون بنادقهم إلى أمهاتنا، ويستذكر إحدى الأمهات التي غطت على أولادها مخافة قتلهم وعندما نادى أحد الأطفال على أمه أطلقوا عليه النار.. والتي من شدة الخوف أصيبت بشلل وترجينا اليهود أن ينقلوها بالسيارة فقالوا لا حاجة نقتلها وتستريحو.. لقد كان في القرية بئران، بئر ألقيت فيه جثث الشباب، وآخر ألقيت فيه جثث الفتيات. ولا أزال أتذكر تكلم المرأة التي رجت الجنود أن تبعد جثة زوجها عن الشمس، وهمّ أحد الجنود بقتلها، ولكنهم وافقوا على إبعاد جثة الزوج عن الشمس).

_______________
المصادر:
(1) -إبراهيم أبو جابر، “جرح النكبة” الجزء الأول، ص 237-246.
(2) -وليد الخالدي، “كي لا ننسى” (1997). مؤسسة الدراسات الفلسطينية‎، ص 106-108.
(3) -ايلان بابيه، “التطهير العرقي في فلسطين”، ص 193.
(4) – بيني موريس، “ولادة مشكلة اللاجئين”، ص 245
(5) -سمير أبو الهيجاء، “أنا من هناك ولي ذكريات”، ص 84، 85.