معسكر الاعتقال الأكبر في التاريخ!

معسكر الاعتقال الأكبر في التاريخ!

أحمد عبد العزيز
لم أشهد في عمري الذي ناهز الستين، نازلة اجتاحت العالم من أقصاه إلى أقصاه، فتنادى لمواجهتها، كتلك التي سببها فيروس كورونا! ذلك الكائن المجهري الذي اعتقل البشرية بأسرها، وألزمها البيوت قسرا، رغم كل ما تملك من قوة وجبروت!
في معسكرات الاعتقال، تُخيم أجواء الرعب، ولا تنقطع أصوات الاستغاثة، ويعيش المعتقلون حالة دائمة من القلق والترقب، فيحسبون كل صيحة صادرة عن أولئك الجلادين الذين يطوفون أرجاء المعسكر بلا كلل أو ملل؛ لاقتياد العشرات إما للتعذيب أو الموت!
وهذا هو حال البشرية اليوم، غير أن الجلاد العصري، أو جلاد العصر، ليس سوى فيروس لا يُرى بالميكروسكوب العادي! وما أفزع أن تواجه عدوا لا تراه، ولا تعرف من أين يأتي، ولا كيف تتحاشاه إذا أحاط بك من كل جانب.
هناك في معسكرات الاعتقال، يتجرد المعتقل من كل شيء، إلا من معدنه ومواهبه! فلا يمكن أن يكون كريما وهو البخيل، ولا يمكن أن يكون رقيقا وهو الفظ، ويستحيل عليه الإيثار إذا كان أنانيا، وقد يعود إلى ربه إذا كان عاصيا.. أما الموهبة، فتكفل لصاحبها مكانة خاصة بين المعتقلين، وتدر عليه عائدا من “العملات الصعبة” التي لكل منها قيمة “سوقية” تساوي أضعاف قيمتها “الأصلية”، وهي ليست من عينة العملات الورقية التي نعرفها!
المشهد في معسكر اعتقال “كورونا” بانورامي عريض، بعرض العالم. كم كان سيبدع في تصويره الشاعر صلاح جاهين، فيكتب أوبريت “ليلة كورونا”، ثم يمرره إلى الموسيقار سيد مكاوي، ليبدع في تلحينه، كما أبدع في تلحين أوبريت “الليلة الكبيرة” الذي كتبه جاهين أيضا؟ لكنه لن يكون “أوبريتا” فكاهيا هذه المرة، وإن بدت للأعين بعض مشاهده كذلك، فالبشر مفطورون على التمييز بين دمعة الفرح الصافية ودمعة الحزن الدامية.
إقليم “وُوهان” الصيني، كان البؤرة التي انطلق منها الفيروس.. وسواء كان “إطلاقا” بفعل فاعل، أو “انطلاقا” بسبب الخفافيش الحاملة للفيروس، فقد اعتبره كُثر في البداية، عقابا من الله للصينيين؛ بسبب اضطهاد السلطات هناك لمسلمي تركستان الشرقية! وكأن الفيروس يمكنه التمييز بين المسلم والبوذي، فيصيب الصيني البوذي، ويستشني الصيني المسلم من الإصابة!
يظهر الوباء في إيران.. نكالا من الله للروافض الذين يسبون الصحابة وأمهات المؤمنين (رضوان الله عليهم أجمعين)! أما إخلاء صحن الكعبة المشرفة من المعتمرين، فكان مؤامرة من محمد بن سلمان على الدين!
بابا الفاتيكان يلقي موعظتة في غياب الجمهور! وكان الأولى أن يتوجه بموعظتة، في هذا الظرف العصيب، إلى قساوسته الذين تضج جنبات الكنائس والأديرة بجرائمهم الأخلاقية!
القس الكوري الجنوبي “لي مان هي” يجثو أمام الشعب الكوري طالبا الصفح منه، بعد أن تسببت دعوته لإقامة “الصلوات” في الكنيسة في انتشار الفيروس بصورة وبائية في البلاد!
ترامب صاحب السجل الحافل بالمخالفات الأخلاقية يدعو مواطنية لصلاة “الوطنية”! لرفع البلاء! جميل أن يعود الإنسان إلى الله، الإله الحق!
حاخامات اليهود يصلون للرب كي يحفظ شعبه المختار، ويبيد العرب والمسلمين.. عنصرية لن يتخلصوا منها ما دامت السموات والأرض!
الهدف من “نشر” الفيروس هو “انتخاب طبيعي” لمليار واحد فقط، من سبعة مليارات ونصف المليار! هذا المليار هو القادر على البقاء والإنتاج والإبداع، وهو الذي يستحق الحياة.. فمن أصحاب هذه الفكرة الجهنمية الذين حصَّنوا أنفسهم من هذا الفيروس؟!
عماد الدين أديب الصحفي المؤيد للانقلاب في مصر، يكتب مقالا “وعظيا” يحسده عليه شيخ الأزهر!
محمد بن زايد الذي يحكم دولة الإمارات عُنوة، والجنرال المنقلب في مصر، مصابان بالفيروس! شوف حكمة ربنا يا مؤمن! فإذا نظر المؤمن فلا يرى إلا أماني!
وزيرة الصحة في حكومة الانقلاب المصرية، ترتدي ماسكا لا يغطى أنفها، وتسافر إلى الصين؛ لمؤازة النظام الصيني القمعي الشقيق في حربه ضد الفيروس!
إيطاليا، تمنح مواطنيها إجازة للبقاء في البيوت، فيخرجون بالملايين في المتنزهات والملاهي والبارات؛ لقضاء أسعد الأوقات، فتمسي أكبر بؤرة وبائية في أوروبا!
وزارة الصحة التركية تفرض الحجر الصحي على مجمع سكني بالكامل، وتمدهم بالوجبات الثلاث ساخنة يوميا!.. عطلة ولا أروع، فلم لا يستغلها السكان في التعارف والسمر وتدخين الأرجيلة، بينما الأطفال حولهم يلعبون حتى مطلع الفجر! وكاد الطبيب الزائر ليلا أن يدخل في غيبوبة متأثرا بصدمته من هول ما رأى؟!
تعالي يا آنسة، شوفي ياهانم طريقة عمل “مكياج كورونا”! نص الوجه مخفي تحت الماسك، والنص التاني باين، بُصي شوفي هنعمل فيه إيه، عشان تحافظي على جمالك وجاذبيتك!.. أي جاذبية وأي جمال، في حضور الموت؟!
معانا المطهر.. اللي يقتل كورونا واللي جابوا كورونا! تعالى يا سيد جرب بنفسك! هتشوف الفيروس بيفرفر في إيديك!.. وما المطهر الفتاك إلا ماء ومسحوق غسيل!
الماسك بعشرة جنيه! يا بلاش! احمي نفسك وعيالك! وبلاش مراتك.. فرصتك الأخيرة! ماسك من ورق الحمام! معقم.. هيحيمك طول اليوم!.. ورق حمام ومعقم!
اللواء عبد العاطي، مخترع “أعظم” جهاز لكشف الفيروسات في العصر الحديث، ومبتكر نظرية علاج الفيروسات بالكفتة، يغيب تماما عن المشهد، في الوقت الذي تحتاج إليه البشرية قاطبة، وليس المصريين فحسب!
“صلوا في رحالكم”.. جملة مؤثرة، لم أسمعها من قبل في حياتي، إلا من مؤذن في الكويت، قالها بعد “أشهد أن محمدا رسول الله”.. إذ ليس للمسلم إلا أن يجيب المؤذن إذا قال “حي عى الصلاة”، لذا لا يمكن للمؤذن أن يقولها، حتى لا يأتي المصلون إلى المسجد، بل يقول: “صلوا في رحالكم”، أي في بيوتكم أو في أماكنكم.
بعد هذا المشهد العصيب المهيب الذي تعيشه البشرية اليوم، لن يعود العالم كما كان، وإذا كان ما نعيشه من صنع شياطين الإنس، أو هو قدر الله الخالص، ففي الحالتين هو مشيئة الله وحده، تلك المشيئة التي ستتكشف بعض غاياتها شيئا فشيئا، وإن غدا لناظره قريب.
اللهم ارفع عن خلقك البلاء، فلا رافع له إلا أنت سبحانك، إنا كنا ظالمين.