معركة الوعي (11).. ورطة المشتركة بين فكيّ صفقة القرن

معركة الوعي (11).. ورطة المشتركة بين فكيّ صفقة القرن

حامد اغبارية
جاءت صفقة القرن، التي صفع بها ترامب وجه الأمة وقفاها، لتضع القائمة المشتركة في ورطة، يبدو لي أنها لم تأخذها بالحسبان، فجعلتها تتصبب عرقا.
فقد كان الخطاب الانتخابي الذي تغلّفت به القائمة يستند بشكل مباشر، وأحيانا كثيرة بشكل غير مباشر، على التوصية ببيني جانتس لتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، وهو الأمر الذي لم يكن في وسعها التنازل عنه، كي توهم جمهورها بأن شعارها الوحيد، وبرنامجها الانتخابي هو “إسقاط نتنياهو”.
وها هو بيني جانتس يقولها بصراحة، كما قالها هو وأقطاب حزبه في المرة السابقة، بأن القائمة المشتركة لن تكون جزءاً من الحكومة التي سيشكلها، بينما قال أقطاب حزبه إنهم لا يحتاجون المشتركة ولن يطلبوا دعمها حتى من الخارج. هذا في الوقت الذي أعلن فيه جانتس أنه سيعمل على تنفيذ صفقة القرن، التي أعلنت المشتركة رفضها لها. فماذا ستفعل المشتركة الآن؟
إنها في ورطة حقيقية؟ ورطة لن يمكنها الخروج منها، وسيكون عليها أن تقدم كشف حساب لجمهورها، الذي أشبعته شعارات وطنية حتى تكدست فوق رأسه.
فهل ستواصل المشتركة التلميح بأنها ستوصي بجانتس رئيسا للحكومة القادمة، رغم حديثه عن تطبيق صفقة القرن؟ وهل ستبقى على موقفها هذا رغم أن جانتس أعلنها بوضوح أن المشتركة لن يكون لها دور (لا من الداخل ولا من الخارج) في حكومته التي سيشكلها؟
في رده على جانتس قال رئيس المشتركة إن قائمته لن توصي بجانتس إذا أيد صفقة القرن. وهذا التصريح بحد ذاته، وبهذه الصيغة هو صفعة لجمهور المشتركة، إن لم يكن أكثر من ذلك!! فجانتس كان قد أعلن موقفه من صفقة القرن أثناء وجوده في جُحر ترامب، الذي حيكت فيه مؤامرة صفقة القرن، وقال إنه يدعم الصفقة، بل وسيعرضها على الكنيست للتصويت عليها. ألم يكن أيمن عودة يعلم بهذا؟ لماذا إذاً هذا الاستخفاف بالجمهور؟ هل يتوقع عودة أن يغير جانتس موقفه من أجل سواد عيون المشتركة؟
لكن الأهم من هذا أن أيمن عودة، على ما يبدو، لم يتشاور مع شركائه في القائمة حول موقفه هذا. فقد قال الدكتور منصور عباس إن تصريح عودة يعبر عن موقفه الشخصي، وإن الموقف من التوصية بجانتس من عدمها، ستتخذه المشتركة بعد الانتخابات. فمن نصدّق؟ هل نصدق أيمن عودة، أم نصدق منصور عباس؟ ولماذا لا تتحدث المشتركة بصوت واحد؟ ومن هو الذي يتحدث بلسانها ويعبر عن مواقفها؟ هل هو رئيسها، أم أن كل شريك من شركاء القائمة له موقف مختلف حول القضايا الكبرى بالذات؟ ولماذا يكون الحديث عن هذه الأمور في الإعلام العبري تحديدا، ولا يكون هناك بيان يخاطب الجمهور الذي تريد منه المشتركة أن يصوت لها؟! إنها سياسة التعامل مع القطيع. هكذا باختصار شديد.
ولعلنا نسأل أيضا، من بين ثنايا تصريحي عودة وعباس: هل هناك صفقات تحت الطاولة ستظهر لاحقا بعد الانتخابات؟ ومن هو عرّاب هذه الصفقات؟
لقد رفعت المشتركة شعار “إسقاط نتنياهو” منذ جولة الانتخابات الأولى في نيسان من العام الماضي، لكنها لم تسقطهُ؟ لماذا؟ لأنها في الحقيقة باعت الجمهور وهماً. فهي واقعيا لا يمكنها أن تسقط نتنياهو، كما تقول، مثلما أن الجبهة والحزب الشيوعي لم يتمكنا من إسقاط اليمين، وهو الشعار الذي تبناه الحزب والجبهة منذ صعود الليكود لسدة الحكم في عام 1977، في عملية غسيل دماغ لجمهور الداخل الفلسطيني، حتى بات كثيرون يعتقدون أن القوى السياسية الصهيونية الأخرى، وعلى رأسها المعراخ (حزب العمل لاحقا) هي في الحقيقة يسارٌ لطيف، يحسن التعامل معه، رغم علم هذا الجمهور أن كل المصائب التي صُبّت فوق رؤوس أبناء شعبنا منذ 1948 سببها هؤلاء “اللطفاء”!! وما فعله “اليمين” هو أنه واصل إكمال المهمة.
وها نحن نشهد اليوم كيف أن شعار “إسقاط اليمين” الفاشل، أصبح محصورا بإسقاط نتنياهو الشخص، وليس الفكرة أو التوجه أو الأجندة أو المبدأ. بمعنى أن إسقاط الليكود أو اليمين لم يعد واردا في برنامج المشتركة، ولا في برامج الأحزاب المنضوية تحتها. فهل هذا هو غاية ما يريده أبناء شعبنا؟ وهل يمكن أن نفهم أن تحقيق إسقاط نتنياهو سيجعل حياتنا “برنجي” في ظل حكومة جانتس الرشيدة؟! وما الذي يمكن أن يقنع أي فلسطيني في الداخل أن المشتركة لن تغير اتجاه شراع مركبتها المثقوبة نحو الليكود، بذرائع مختلفة لا تخلو منها جعبة المشتركة، ولا جراب الحاوي المليء بالأرانب؟ ألم يقل عضو المشتركة وليد طه إنه لا يستبعد أي اتفاق مع الليكود إذا ما استجاب لقائمة مطالب معينة؟

ظاهرة صوتية لا أكثر!!
ومن أكثر ما يجب أن يستفز الجمهور هو حديث المشتركة اليوم، في حملة الانتخابات الحالية، عن تحقيق أكثر من 15 عضوا. والهدف؟ إسقاط نتنياهو!!
لماذا يجب أن يستفز هذا الجمهور، ويجعله يتساءل عن فشل خيار الكنيست أساسا، وعن فشل المشتركة في تحقيق كل الأوهام التي وعدت بها؟ (بالمناسبة: هناك أعضاء كنيست حاليين من المشتركة قالوها صراحة إن الكنيست ليست هي المكان الذي يجب أن يكونوا موجودين فيه)
يجيب على ذلك أيمن عودة، رئيس القائمة، بنفسه. فقد صرح في وقت سابق (قبل شهرين تقريبا) بما معناه أنه حتى لو حققت المشتركة 17 عضو كنيست، فإنها لن تستطيع تغيير شيء، وأن الحل الوحيد الذي يمكنه أن يؤثر ويمارس الضغوط الحقيقية هو الشراكة العربية اليهودية.
إذاً، هل زيادة أعضاء الكنيست عن المشتركة هي التي ستحقق الأوهام، أم الشراكة العربية اليهودية؟
إذا كانت الأولى، فهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن المشتركة تتعامل مع الجمهور كالقطيع، لأن التجارب السابقة على مدار سبعة عقود، أكدت بما لا يدعى مجالا للشك، أن تأثير أعضاء الكنيست العرب مهما كان عددهم يساوي صفرا. وإذا كانت الثانية، فهل هذا هو موقف المشتركة الموحد، أم هو موقف شخصي لأيمن عودة؟ هذا أيضا يؤكد أن التعامل مع الجمهور هو تعامل مع قطيع. فمن ناحية يقولون له: نريد تحقيق أكثر من 15 عضوا كي نحقق ما وعدناكم به، ومن ناحية أخرى يعترف رئيسها أن عدد أعضاء الكنيست العرب ليس هو الذي يقرر، بل الشراكة مع الشارع اليهودي. فمن ذا الذي يقبل على نفسه أن يكون جزءا من القطيع؟
حقيقة الأمر، أنه لا 17 عضو كنيست عربي، ولا عشرون ولا شراكة يهودية عربية يمكن أن تحقق شيئا ذا قيمة. والعملية لا تعدو كونها بيع أوهام، من أجل البقاء داخل دائرة لعبة السياسة الإسرائيلية. وفي التالي فإن المشتركة لا تعدو كونها “حالة صوتية” أو “ظاهرة صوتية”، لا أكثر. وهذا ليس تحليلا، بل هو مأخوذ من لسان المشتركة نفسها. فهي التي تقول لجمهورها إنها مجرد صوت. فهي “صوت مع الحقوق والمساواة والهموم اليومية”، تلك المساواة التي لا تريد أن تصل إلى باب دارنا طوال تلك العقود، وتلك الهموم اليومية التي تزداد تأزما وتعقيدا، كلما أكثروا من الحديث عنها.
وهي صوت، مجرد “صوت ضد العنصرية”. وهذا تقرأه في بيانها –على سبيل المثال لا الحصر- حول جريمة عصابة تدفيع الثمن في قرية الجش. فقد شجبت واستنكرت وحمّلت الشرطة المسؤولية الكاملة، يا الله!!! تماما كما يفعل الذي لا يؤمنون بنجاعة الكنيست!! بل إن المشتركة لا تجيد أكثر من توصيف الحالة، وهذا يتقنه أي شخص يملك الأسس البسيطة المبدئية في العمل السياسي. فما الذي أضافته المشتركة؟ وماذا بعد توصيف الحالة؟ ما العلاج؟
وهي “صوت ضد الهدم”! ليس هدم المجتمع لا سمح الله، فهذا ليس في برنامجها أصلا، ولكن ضد هدم البيوت العربية التي ما زالت جرافات الداخلية تحولها إلى أنقاض وركام.
وهي “صوت مع الأمن والأمان والحياة الكريمة”. ذلك الأمن والأمان الذي سيأتي إن شاء الله بعد اجتثاث الجريمة من جذورها في عهد جانتس الميمون!! والحياة الكريمة التي أصبحت كالحكايات التي تروى للأطفال قبل النوم، حتى إذا استيقظوا في الصباح وجدوا واقعا مختلفا طعمه مُرّ.
وهي “صوت مع العدل”؛ ذلك العدل الذي ضرب أطنابه في ربوعنا، إلى درجة أنه سجل 28 درجة على سلم “بينجو”، في ملف الثوابت الذي حكم في بالسجن على الشيخ رائد صلاح!!
وهي “صوت ضد القهر والظلم”، الذي رُفع عن شعبنا ومجتمعنا، إلى درجة أن ترامب تحرك من وراء المحيطات كي يرفعه عنا!!
ثم يأتيك من يقول: ما الفائدة من مقاطعة الانتخابات؟ دعونا نجرب هذه المرة أيضا؟!!
جرّب قدّيش بدّك!! فأنت لست أكثر من وسيلة تجارب… جرِّب.. جرِّب.. حتى تشبع!!
سنتحدث في مقال قادم عن الفائدة من مقاطعة الانتخابات. ولكن قبل أن يعود القطيع إلى الحظيرة نقول: تعلمنا من أمهاتنا وجداتنا وجدات جداتنا أن “المَيَّة ما بِتْروب”!! يعني بالعربي الفصيح “المية ما بتصير لبن”، والنمس لا يعطيك عسلا.