الإسلاميون وصفقة القرن

الإسلاميون وصفقة القرن

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

استهلال
كانت ولا تزال الحركات الإسلامية تتقدم الصفوف في الذب عن القضية الفلسطينية مقالا وعملا، وقدّمت التضحيات الكثيرة على مدار عقود متتالية ابتداء من تحفيز الوعي الفردي والجماعي والنوعي للعرب والمسلمين وانتهاء بتقديم القوافل من الشهداء في سبيل القضية الفلسطينية باعتبار أنّ هذه القضية بارومتر الواقعين العربي والإسلامي، ولعلَّ ما يجري في بعض الدول العربية والإسلامية من اندلاق نحو تأسيس علاقات مع إسرائيل بغض النظر عن الاعتبارات التي يتقدم بها هؤلاء، تكشف عن جانب مما نذكر فكلما كانت العلاقة الروحية والمعرفية والإنسانية مع القضية الفلسطينية وفي القلب منها القدس والاقصى أقوى، كلما كانت العلاقة مع المُحتَلْ، أي كان، تبعا لهذه العلاقة- في هذه الحالة إسرائيل- أكثر خصومة ومنابذة، ولا يحرر فلسطين إلا من آمن بقدسيتها ذلكم أنَّ تحريرها جزء أساس وتكويني من معاني التطهير بقيمها المادية والروحية والعملية، باعتبار أن القداسة عكس النجاسة والاحتلال حالة من حالات النجاسة الواجبة التطهير كما يتطهر الجسد والمكان والروح من الشرك والنجاسات وادرانهما.
ينطلق الإسلاميون في فهمهم للقضية الفلسطينية من أساس شرعي- أخلاقي-سياسي متين مرتبط بالإنسان ذاته ففي التصور الإسلامي تتقدم قدسية الانسان المسلم على المكان والزمان والحال وما تزال كلمات الصحابي الجليل سلمان الفارسي “الأرض لا تقدس أحدا إنما يقدس الرجل عمله” تشكل الدليل الأساس على ضرورة العمل المحقق للغاية: غاية التحرير، تحرير الذات وتحرير المكان ومن ثم تحرير الزمان من أواصر وأغلال الاستعمار والاستعباد والاستصنام، ولا يتم ذلك الا من خلال تحقيق العدالة بين الناس انفسهم ففي الحديث الذي رواه ابن ماجة ( 4\362،ح:4010)، “كَيفَ يُقَدِسُ الله أمةُّ لا يُؤخذُ لضعيفهم من شديدهم” وهذا معناه أن قداسة الأمة متعلقة بمدى إنجازها للعدالة فيما بينهم وفي أمثالنا الشعبية فاقد الشيء لا يعطيه، فهل نتوقع من العبيد تحرير المُقَدَسْ، ولذلك سعت هذه الحركات لتحقيق ثلاثية التحرير: تحرير الانسان المسلم من هواه الذاتي وتحريره من الاستبداد الرابض على جسده ووطنه وتحريره من الاستعمار الذي يوجه عبيده المُستعمِرينَ لشعوبنا العربية والإسلامية.
وما دمنا بصدد القداسة والطهارة والمتعلق بينهما من المهم الإشارة الى خصوصية الأجيال المسلمة الحركية العاملة على الساحات المختلفة لتحرير الأرض والانسان في عصرنا الذي تسيدت فيه العلمانية وما نجم عنها من استعمارات متعددة للمشهد البشري منذ عدة قرون، ذابحة البشر والحجر والشجر لتحقيق شهوات الرجل الأبيض، وهذه الخصوصية نجدها في إشارات وإحالات العلامة ابن عبد البر، المحدث والفقيه الاندلسي المالكي في محاجاجاته لاحاديث الخيرية “الأولى زمانيا” تلكم المتعلقة بأحاديث خير القرون قرني وحصر الخيرية بتلكم السنوات وتحقيقه الى التسوية بين الأجيال الأولى والمتقدمة بتجسير لافت ومهم للأحاديث التي تناولت الخيرية من حيث الزمان والأشخاص، لافتا في احالاته وإشاراته الى ارتباط الخيرية من حيث هي “المُقدس” بالعمل الصالح والتمسك بقيم الدين، فمن يكتب خيرية الزمان ليس الزمان ذاته، بل من يعيش فيه ويعمل الصالحات لخير الخلق ولتحقيق الحق والعدل والعدالة، وأنا أزعم أن الإسلاميين في عصرنا الذي نعيشه فيه هم أهل الخيرية مع تفهمي للملاحظات التي قد يعترض عليَّ أحدهم، إذ ما يحيق بهم اليوم أضعاف أضعاف ما تعرضَّ له من سلف وها هم ثابتون كالجبال الرواس في ظروف تكالب فيها الجميع الا من رحم ربي عليهم وعلى الامة الإسلامية، يشارك ملل الشرك والعلمنة والتحلل والاستعمار جلاوزة من بني جلدتنا وجموع من المستبدين والطغاة ومدعي العلموية والثقافة من تيارات مختلفة وفَدَتْ إلينا واستوطنت النفوس والأرض.
التحديات التي تواجه حملة المشروع الإسلامي
تشكل هذه المقولات أساسا لفهم علاقة الإسلاميين مع القضية الفلسطينية باعتبارها كما اشرت جامعة لثلاثيات التحرير، تحرير الانسان، تحرير الأرض ن تحرير الزمان، وهذه القضية بأبعادها المختلفة: السياسية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية والاقتصادية تشكل حالة دائمة من التحدي لحملة المشروع الإسلامي في كيفية التعاطي مع قضية بِثِقلِ القضية الفلسطينية، يقابل ذلك تحد لا يقل عنه أهمية يتعلق بسبر أغوار المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته الحكومية الرسمية والمدنية وغير الرسمية والحفر العميق في مكونات هذا المجتمع بتعدده العرقي والطائفي والمذهبي والوصول الى أعماق النفسية الإسرائيلية وكذا النفسية اليهودية فضلا عن فهم عميق لجدل العلاقة القائم بين إسرائيل واليهود واليهودية وجدل العلاقة مع أوروبا العلمانية والمسيحية والصليبية ومسارات وتعرجات الاستعمار الأوروبي في منطقتنا ودور اليهود واليهودية في تشكيل الفكر والعقل الأوروبي ومن ثم الأمريكي ومدى تقاطع المصالح بين كا ما ذكرت، فالإسلامي فردا وجماعة مطالب اليوم على ضوء التطورات المتسارعة في مشرقنا العربي وما يتعلق بالقضية الفلسطينية لفهم هذه العلاقات وتفكيك رموزها ومن ثم تفكيك تلكم العلاقات القائمة مع أنظمة الاستبداد العربي وتفكيك منطقي المصالح والخاوات المفروضة على عرب اليوم وحالة الاستلاب التي يعيشها قطاعات واسعة من عرب اليوم وقد تسرب هذا المرض، مرض الاستلاب، الى عديد الإسلاميين الحركيين، وعليه فإنَّ الاسلاميين أمام مهمات دونها الجبال تتطلب همما عالية مخلصة ومتجردة وعملا كالنمل وصبرا يتطاول زمانا ومكانا وحدثا.
ومن ضمن التحديات الرابضة على عملهم ما يتعلق بحملة المشروع الإسلامي عموما، أنه آن الأوان لوقف التصلب والتشنج القائم بينهم على مختلف القضايا للوقوف أمام ما ذكرت من تحديات قد تأتي عليهم إن استمروا على اصرارهم بخلوصية وصِدْقية المواقف ومصادرة الأخر لمجرد الاختلاف وفي النصوص تنتظر من يدور في مثل هذه الافلاك سنن الاستبدال.
الإسلاميون وصفقة القرن
كانت الولايات المتحدة ولا تزال في الوعي الإسلامي الوريث للاستعمار الأوروبي وفي المقدمة منه الاستعمارين البريطاني والفرنسي وكان لها الدور الحاسم في القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور الذي تحول الى قرار في عصبة الأمم صار من بعد ذلك دولة توسعت لتسيطر على ثلثي فلسطين الانتدابية التي تمّض تخليقها لتحقيق غاية التأسيس للزمن الإسرائيلي والى هذه اللحظة: لحظة نشر بيانات صفقة القرن التي يعمل الجانب الأمريكي على منحها الشرعية الدولية لإغلاق ملف شرعَ به منذ مئة عام يقضي بإنهاء الوجود الفلسطيني بشرا ومكانا ثقافة وتاريخا، فصفقة القرن في خلاصاتها تغلق ملف اللاجئين وملف الأرض وملف القدس والاقصى، وبالنظر الى الأيديولوجيا التي غرقت بها تفاصيل صفقة القرن على صفحاته المئة وواحد وثمانين فإن صفقة القرن مسيانية بامتياز تصلح لئن تكون المثال الحي للعلاقة الطردية بين الأيديولوجيا والدين والسياسة لتبيان معالم الولايات المتحدة الامريكية كدولة مسيحية وارثة للدولة الصليبية الأولى، فصفقة القرن التي شارك فيها عدد من الدول العربية تعلن عن وفاة الانسان الفلسطيني وعن انتهاء القداسة على الأرض المقدسة وانتهاء مكانة القدس والمسجد الأقصى كمقدس عقدي وتعبدي وحتى كترميز وطني في السياق العلماني، وهذا يتساوق مع استبدال المقدس الإسلامي بالمقدس المسيحي الإنجيلي التجديدي -اليهودي برسم ان العلمانية الأورو-أمريكية المعاصرة وليدة شرعية لعديد تجاذبات الفلسفات الأوروبية العلمانية -المسيحية بشقيها الكلفاني واللوثري ومتدخلات الديكارتية والاسبونزية.
لقد تنبه الإسلاميون مبكرا الى هذه الفخاخ التي سعت عديد الاجسام الرسمية وغير الرسمية في داخل إسرائيل واوروبا والولايات المتحدة ترويجها ابتداء من المقولات الكاذبة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” وانتهاء بصفقة القرن التي تكرس الاحتلال الإسرائيلي تحيله برسم القوة الى واقع ناجز لا مفرَّ للفلسطينيين من الالتزام بمقرراته والعمل بمقتضياته، مع تأكيدي أنّ صفقة القرن بتفاصيلها الدقيقة تحمل عمليا بذور انتهاء الدولة اليهودية في سياقاتها الكولونيالية المعتمدة على مسيانيات علمانية ودينية أشرت الى طرف منها في هذا المتن.
تاريخيا، منذ عهد الامام المجدد حسن البنا وحتى هذه اللحظات حظيت القضية الفلسطينية بمكانة خاصة عند هذه الجماعة التي تنبهت الى مخاطر المشروع الصهيوني منذ لحظات ارتباطه بالمشروع الصهيوني، ولا أبعد النجعة إذا قلت إن هذه الجماعة كان من خلفيات تأسيسها القضية الفلسطينية ولعل المراسلات المبكرة جدا بين الامام وبين محمد أمين الحسيني (الحاج امين الحسيني) تكشف عن هذا الأمر ومعلوم أن الاخوان قدموا من التضحيات وكان الامام البنا من بين من استشهدوا من اجل القضية الفلسطينية بعد أن قام بقتله الملك فاروق بأوامر من بريطانيا ربيبة إسرائيل، ولا يزالون يقدمون التضحيات من أجل القضية الفلسطينية، وما تصريحات مرشد الجماعة العلامة محمد ربيع في معتقله اثناء عرضه للمحاكمات في سجون السيسي من انهم معتقلون ويحاسبون من اجل تمرير صفقة القرن إلا بيان لما ذكرت، ففي الجلسة التي عقدتها محكمة الجنايات في القاهرة النظر في قضية فض الاعتصام في ميدان رابعة عقب الانقلاب العسكري في 2013 قال المرشد “فلسطين قضيتنا الأبدية وقضية الامة العربية والإسلامية … نحن محبوسون لإتمام صفقة القرن” وكان الرئيس ترامب قد صرح في أيار من العام الفائت ان إدارته تعمل على تصنيف جماعة الاخوان كتنظيم إرهابي وهو ما دفع الجماعة لإصدار بيان ترد على هذا الاتهام وتعلن عن تحرك عالمي لمواجهته، وفي السياق ذاته صرح جاريد كوشنير لصحيفة التايمز الامريكية في أنّ مهمة الجنرال عبد الفتاح السيسي في صفقة القرن “تجنيد العالم العربي المعتدل لدعمها”( لاحظ كيف دخلت السودان على الخط وكيف دخل حفتر …)، وفي السياق ذاته فإنَّ الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني التي ترأسها الشيخ رائد صلاح كانت خلفيات حظرها عام 2015 متعلقة بالمطلق بالقضية الفلسطينية وجودا ومآلا ومن ضمن ذلك مشاريعها التي طرحتها واشتغلت بها سواء تعلق بالمجتمع الفلسطيني في الداخل أو تعلق بالقدس والمسجد الأقصى المبارك وعلى نفس الخلفية يحاسب الشيخ رائد صلاح وقد حكم عليه مؤخرا بثمانية وعشرين شهرا.
إنَّ الإسلاميين لا يرون في القضية الفلسطينية قضية سياسية فحسب، بل هي قضية أمة وعقيدة ومبدأ، ولذلك كانت مواقفهم من صفقة القرن واضحة جدا ليس فيها عوجا ولا أمتا وليس فيها التواءات ولا شبهات، فمن غزة وحتى طنجة ومن الداخل الفلسطيني حتى باكستان رُفضت صفقة القرن جملة وتفصيلا، رفضت بما فيها من خل وعسل… فصفقة القرن لا يتعاطى معها حملة المشروع الإسلامي كمشروع إحلالي امريكي يسعى لتثبيت الوجود الإسرائيلي فحسب، بل يتعاطون معها باعتبارها التجلي (بأل التعريف) لمعاني الاستكبار والافساد والعلو في الأرض ومن يتابع تعليقات المتحدثين الأمريكيين المدافعين عن الصفقة سيلحظ حجم الكِبر والاستعلاء والتجبر الذي ينطلق منه هؤلاء النفر لتبرير وتسويق هذه الصفقة وكأنها قدرُّ على الفلسطيني والعربي والمسلم القبول به باعتبار تفوق الحضارة (الغربية/ الامريكية) على الحضارة الإسلامية وباعتبار تفوق العرق الأورو-امريكي على العرق الشرقي “في هذه الحالة العربي والفلسطيني والمسلم”، وباعتبار أن من يملك القوة يملك حق الرواية وكتابة التاريخ، لذلك ترفض الحركات الإسلامية صفقة القرن باعتبارها تكريس للهيمنة وتفلت من كل المواثيق والمعاهدات وتكريس لمنطق العربدة لمئة عام أخرى قادمة، وفي هذا السياق ترى هذه الحركات ببعض الدول العربية متواطئة مع المشروع سواء بالقبول أو بالرضاء او بالسكوت، والساكت عن الحق شيطان اخرس في عصر تغلب المال والسلطان، ويد العديد من الدول العربية والإسلامية هي السفلى تحتاج الى كل دانق لتبرير وجودها فسنجد العديد من هذه الدول تلعن نهارا وجهارا صفقة القرن وتقدم ولاءات الطاعة للسيد ترامب سرا، وليس غريبا أن نجد ستة دول عربية تطبع هذه الاثناء تطبيعا ثقافيا مع إسرائيل كما صرحت خارجيتها اول من امس باستضافتها العديد من أفلام هذه الدول في مهرجانها الدولي الذي سيفتتح قريبا في القدس، وليس غريبا ان نشهد حربا الكترونية شعواء على رئيس البرلمان الكويتي الرافض لصفقة القرن وليس غريبا أن نرى اليمين الأوروبي والامريكي هذه الأيام يطالب بملاحقة جماعة الاخوان المسلمين ومحاكمة قادتها متوافقين مع دول كالسعودية والامارات حيث يلتقي هذا الركب في حربه على الإسلاميين مع الاحتلال الإسرائيلي والامريكي والصليبية الدولية في تلكم الحرب إذ ترى هذه المجموعات بالإسلاميين سببا مباشرا يحول دون تمدد إسرائيل وبقائها كدولة احتلال تزعم ان حدودها العقدية من النيل الى الفرات، وأنَّ حدودها العملية المؤقتة من البحر إلى النهر وان عاصمتها الأبدية القدس وعلى أنقاض المسجد الأقصى يجب ان يُبنى الهيكل.
هكذا يتزايل واقعنا العربي والفلسطيني والإسلامي بين فسطاط يمالئ ويتواطأ مع واشنطن-تل ابيب واخر يعمل على تحقيق العدالة.