من الكنيست الصفرية إلى كنيست التيه

من الكنيست الصفرية إلى كنيست التيه

صحيفة المدينة
قبل أن تصل إلى صندوق انتخابات لعبة الكنيست رقم (23) وقبل أن تدلي بصوتك في هذا الصندوق الأجوف، وقبل أن ترضخ لأية ضغوط تحاول أن تستدرجك للإنغماس في مستنقع هذه اللعبة، قبل كل ذلك ننصحك أن تعرف هذه الحقائق، وأن تفكر فيها جيدا:
يبدو أننا قد نضطر أن نترحم على الأيام التي كانت فيها لعبة الكنيست تساوي محصلتها صفرا، لأن (القائمة المشتركة) تواصل جهودها على المكشوف للقفز بجمهور ناخبيها من لعبة الكنيست التي تساوي صفرا إلى لعبة الكنيست التي تساوي تيها، أي من لعبة الكنيست الصفرية إلى لعبة كنيست التيه!! كيف ذلك؟ قبل عصر (القائمة المشتركة) كانت جهود كل أعضاء الكنيست العرب تساوي في محصلتها صفرا إلا من بعض الإنجازات الرتوشية الوهمية، ولكن الذي ميّز تلك الفترة أن أعضاء الكنيست العرب في حينه لم تنحدر جهودهم إلى ما دون الصفر، ومع أنهم ظلوا عاجزين عن إنجاز أي شيء، إلا أنهم لم ينتقلوا من حالة العجز إلى حالة أسوأ من العجز، وظلوا وفي ظاهر الأمر محافظين على الحد الأدنى من الثوابت الوطنية والسياسية التي شبّت عليها كل جماهيرنا الكادحة، وهذا يعني أنهم في الوقت الذي لم ينجزوا فيها شيئا إلا أنهم لم يتجرؤوا على إضاعة تلك الثوابت الوطنية والسياسية، ولا على تعدّي تلك الثوابت وتحديها والقفز عنها ومصادمتها، ولكن (القائمة المشتركة) اليوم لا تزال في الكثير من خطواتها تتجرأ على هذه الثوابت وتتعدّى عليها وتتحداها وتقفز عنها وتصادمها، ولا تتردد في كل ذلك، بل تفتخر به وتجاهر به وتحاول أن تجعله عنوان مرحلة ما بعد عصر (القائمة المشتركة)، ومع أن تكرار الحديث عن هذه الخطوات التي كانت ولا تزال تقوم بها أو تدعو لها (القائمة المشتركة) بات مملا إلا أننا مضطرون أن نذكّر بها قبل فوات الأوان ليحيى من حيا عن بيّنة ويتيه من يتيه عن بيّنة دون ان يكون له أي عذر يتكئ عليه في تيهه، ولذك نقول مرة بعد مرة بإيجاز، (القائمة المشتركة) هي التي شرعنت هذه المحرمات الوطنية:
هي التي تلقت دعما ماليا بمبالغ طائلة من صناديق دعم صهيونية أمريكية ولكن معظم أعضاء الكنيست العرب ما قبل عصر (القائمة المشتركة) رفضوا ذلك وحرّموه وطنيا، ونعتوا من مدّ يده إلى تلك الصناديق الصهيونية الحارقة بكل نعت قبيح، لدرجة انهم نعتوه بالعمالة ولو قدّر لعضو الكنيست توفيق زياد أن يتكلم في قبره لشنّ هجوما لاهوادة فيه على القبول بهذا الدعم المالي من الصناديق الصهيونية الحارقة.
هي القائمة المشتركة، التي تلقت دعما ماليا إماراتيا بواسطة خط دحلان- الطيبي باعتراف بعض أعضاء (القائمة المشتركة)، ولا ندري أين ذهب مصطلح (الرجعية العربية) التي طالما صدّعت رؤوسنا به الكثير من أقلام هذه القائمة، مع التأكيد ان معظم أعضاء الكنيست العرب ما قبل عصر (القائمة المشتركة) كان يحرّم هذا الدعم وطنيا، فلماذا أصبح مباحا في ليلة وضحاها، وأين ذهب مصطلح (الرجعية العربية)، ولو قدّر لعضو الكنيست توفيق زياد أن يتكلم في قبره لأعلن حرمانا سياسيا على من قبل بهذا الدعم المالي أو أن يكون وسيلة لنقله.
هي القائمة المشتركة التي شارك رئيسها أيمن عودة في مؤتمر المنظمة الصهيونية الأمريكية (جي ستريت) الذي أقيم في أمريكا، وها هي صحيفة الإتحاد تبشرنا في عددها الذي صدر بتاريخ 17/1/2020 أن عضو الكنيست عايدة توما قامت بجولة في أمريكا، وخلال جولتها هذه التقت بعضو الكونغرس عن الحزب الديموقراطي ألحان عمر، وقالت لها وفق ما رود في صحيفة الاتحاد: (الهدف الأساسي للقائمة المشتركة هو إسقاط نتنياهو من دكة الحكم من خلال طرح بديل يساري حقيقي جريء يمكنه تمثيل الجماهير العربية والقوى الديموقراطية اليهودية في إسرائيل)، ولأننا لا نعاني من عقدة (فهم المقروء) وإن كنا لسنا عباقرة، فإن من الواضح ما بين السطور أن البديل (اليساري الحقيقي الجريء) الذي تبشر به عايدة توما هو التحالف الذي تحلم به (القائمة المشتركة) مع الجنرال غانتس وحزبه (كاحول لافان)؟! فهذا التحالف في حسابات توما سيمكنه تمثيل الجماهير العربية)، وكذلك تمثيل (القوى الديموقراطية اليهودية في إسرائيل) على حد قولها!! وقوى ديموقراطية يهودية وليست قوة واحدة في حسابات توما!! فيا للعجب هل هذا يعني ان مصطلح (القوى الديموقراطية اليهودية) وفق حسابات توما يشمل حزب (كاحول لافان)، والتحالف الذي تم ما بين بقايا المعراخ وميرتس وجيشر!! فإذا كان كل ذلك او بعضه هو ما تعنيه توما فهذا يعني أنها لم تبق أي أثر لتوفيق زياد، وهذا يعني أنها بذلك تنقل الجبهة من جبهة مرحلة توفيق زياد إلى جبهة مرحلة أيمن عودة!! ويا لهذا التناقض والحرج الذي باتت تغرق فيه صحيفة الاتحاد حيث انتقلت من مرحلة الحديث عن زيارات الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الشيوعية التي كانت في الأيام الخوالي، إلى مرحلة الحديث عن زيارات أمريكا معقل الرأسمالية والإمبريالية!! ولا ندري هل زيارات أيمن عودة لأمريكا ثم زيارة توما لأمريكا هي من قبيل التزامن القدري أم ماذا؟! وأين رفاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة من ذلك؟! الشيء الذي نجزم به انه لو قدّر لتوفيق زياد أن يتكلم في قبره لأعلن- تحديدا- براءته من تحركات أيمن عودة في أمريكا.
هي القائمة المشتركة التي خطت خطوات متقدمة نحو الأسرلة وإن ادّعت غير ذلك أو بررتها بأنها من باب الضرورات التي تبيح المحظورات خدمة لقضايا جماهيرنا الكادحة!! وهكذا باسم قضايا هذه الجماهير أوصت بالجنرال غانتس رئيس للحكومة، وواصلت تأكيد استعدادها للتحالف معه ومع حزبه في حكومة صهيونية واحدة!! وهكذا قدّمت (القائمة المشتركة) القضايا المطلبية على الثوابت الوطنية والسياسية، وهكذا بات حديثها عن القضية الفلسطينية مجرد ضريبة كلامية، فإذا كانت كل هذه الخطوات ليست أسرلة فما هي الأسرلة؟! وهكذا نقلت القائمة المشتركة جمهورها من مرحلة الكنيست الصفرية إلى مرحلة كنيست الأسرلة، ومن مرحلة كنيست بلا إنجازات إلى كنيست التنازل عن الثوابت الوطنية والسياسية، ومن مرحلة استعطاف جماهيرنا الكادحة إلى مرحلة كي وعي هذه الجماهير، ثم تعريف كل ذلك بأنه إسقاط نتنياهو ودحر اليمين الإسرائيلي ومنح الجنرال غانتس وحاشيته صكوك غفران عن كل ما ارتكبوه من جرائم حرب في حق شعبنا الفلسطيني!! وكم كان عضو الكنيست وليد طه صريحا بالتعبير عن ذلك عندما قال خلال مقابلة مع الإعلامي رمزي حكيم على قناة (إحنا- TV) كما نشرت ذلك صحيفة الميثاق بتاريخ 17/1/2020: (… نواب القائمة المشتركة يتعاطون مع السياسية بأدوات أخرى تختلف عن التي كانت في السابق!! وتوصية المشتركة على بيني غانتس في الدورة السابقة كانت ضمن هذه السياسة الجديدة التي أردنا من خلالها أن ندخل الحلبة السياسية الإسرائيلية لنؤثر على دوائر صنع القرار) ولا يوجد أصرح من هذا الحديث الذي يؤكد أن القائمة المشتركة نقلت جماهيرنا من مرحلة ما قبل المشتركة إلى مرحلة ما بعدها، وهو أخطر انتقال في مسيرة جماهيرنا الكادحة منذ نكبة فلسطين، ولأنه يعني بوضوح واختصار الانتقال من كنيست الصفر إلى كنيست التيه.
لكل ذلك نتمنى على كل فرد من جماهيرنا الكادحة أن يعلم أن صوته في الكنيست يعني الانتقال من مرحلة دعم الكنيست الصفرية إلى مرحلة دعم التيه والتنازل عن الثوابت الوطنية والسياسية.