سووا الصفوف وسدوا الفُرَج

د. أنس سليمان أحمد
قد تقع اجتهادات في حدود المتاح في مسيرة المشروع الإسلامي، وقد تتعدد وجهات النظر وتختلف المواقف بين أتباع المشروع الإسلامي على ضوء هذه الاجتهادات في الحدود المتاحة، والمطلوب أن تتسع صدور أتباع المشروع الإسلامي لهذا الاختلاف وأن يحافظوا على أدب الاختلاف فيما بينهم، وألا يدفعهم هذا الاختلاف إلى تجريح بعضهم من على صفحات التواصل، أو أن ينكر بعضهم قدر بعض أو ينسوا الفضل بينهم، كأن لم تكن بينهم مودة ذات يوم، ولذلك يجب على أتباع المشروع الإسلامي أن يعلموا أن هذا الاختلاف بناء على الاجتهاد في حدود المتاح لا بد أن يقع بينهم مرات ومرات، ولا بد أن تتعدد مواقفهم، والمطلوب منهم أن يعرفوا قدر الرجال الذين اختلفوا معهم وأن يشهدوا لهم، لأنه لا يعرف قدر الرجال إلا الرجال.
وها هم الصحابة خير القرون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد اختلفوا بناء على الاجتهاد في حدود المتاح، وكان من أشهر هذه الاختلافات ما وقع بين الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، إلا أنه رغم ذاك الاختلاف فأن كلاً منهما ظل يحفظ قدر الآخر ويشهد له. فهذا علي رضي الله عنه لما بلغه أن إثنين من أصحابه يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، أرسل إليهما أن كفّا عمّا بلغني عنكم، فأتيا فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى وربّ الكعبة المسدّنة، قالا: فلِمَ تمنعنا عن شتمهم ولعنهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعّانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأبعدهم عن ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي من لج به.
وفي موقف آخر قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لئن فقدتموه لترون رؤوسنا تندر عن كواهلها كأنها الحنظل. وفي المقابل لمّا جاء خبر قتل علي إلى معاوية رضي الله عنهما جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحكِ إنك لا تدرين ما فقدَ الناس من الفضل والفقه والعلم.
وكان معاوية يكتب فيما ينزل به يسأل له علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغ قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك. وقد طلب معاوية رضي الله عنه في خلافته من ضرار الصّدائي أن يصف له علياً رضي الله عنه، فقال: إعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنّه، قال: أما إذا لا بد من وصفه فكان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله – تقريبه إيّانا وقربه منّا- لا نكاد نكلّمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه- وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه – قابضاً على لحيته، يتململ تململ السقيم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرّي غيري؛ إليّ تعرّضت أم إليّ تشوّفت؟! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك كثير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك يا ضرار؟ قال: حزن من ذُبح ولدها وهو في حجرها.
وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: والله لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني. كما وذكر ابن كثير في كتاب البداية والنهاية: “.. طمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لاصطلحن أنا وابن عمي عليك وأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكفأ، وبعث يطلب الهدنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان”. وهذا الأثر يدل على أن الخلاف الذي بينه وبين علي رضي الله عنهما لن يبقى لحظة واحدة فيما لو تعرّض أمن الدولة الإسلامية في الشام للخطر، ولولا أن الروم يعلمون أن هذه الخلافات قابلة للنسيان المطلق ما أخذوا تحذير معاوية مأخذ الجّد وكفوا أيديهم.
على ضوء كل ما تقدم تأدّبوا يا أبناء المشروع الإسلامي بأدب الصحابة رضي الله عنهم إذا ما وقع بينكم اختلاف بناء على اجتهاد في حدود المتاح، واحذروا التعصب الأعمى في حال وقوع مثل هذا الاختلاف، واحذروا إذا ناصر أحدكم زيداً في حال وقوع مثل هذا الاختلاف أن ينكر قدر عمرو، وأن يغفل عمّا له من فضائل وسبق في نصرة المشروع الإسلامي، فهذا عبدالله بن عباس رضي الله عنه من آل البيت عليهم السلام، وابن عم الأمام علي رضي الله عنهما، وكان إلى جانبه طوال الوقت عندما وقع الاختلاف بين الأمام علي ومعاوية رضي الله عنهما، ومع ذلك ظلّ عبدالله ابن عباس وفيّاً لأدب الاختلاف وظلّ يشهد لمعاوية بقدره وفضله علانية دون تلعثم، فعبدالله بن عباس هو القائل: ما رأيت رجلاً أخلق بالملك من معاوية، وفي صحيح البخاري: أنه قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فأنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه. وذكر ابن عباس معاوية فقال: لله درّ ابن هند ما أكرم حسبه وأكرم مقدرته، والله ما شتمنا على منبر قط، ولا بالأرض ضَّناً منه بأحسابنا وحسبه. وحين عزّى معاوية عبدالله بن عباس في الحسن بن علي بقوله: لا يخزيك الله ولا يسوؤك في الحسن فقال: له ابن عباس: أما ما أبقى الله لي أمير المؤمنين، فلن يسوءني الله ولن يخزيني.
فيا أبناء المشروع الإسلامي سووا الصفوف، وسدوا الفرج، ولا تجعلوا للشيطان فسحة بينكم.
