أخبار رئيسيةمحلياتمقالاتومضات

القبول المشروط: حين يصبح ثمن المشاركة التنازل عن الذات

أحمد سليمان

على مدى عقود، دافع كثيرون في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل عن المشاركة في انتخابات الكنيست باعتبارها أداة للتأثير السياسي وانتزاع الحقوق من داخل مؤسسات الدولة.

وقد استند هذا التوجه إلى فرضية مفادها أن تعزيز الحضور العربي في مراكز صنع القرار يمكن أن يفتح المجال أمام تحقيق مساواة أوسع والدفاع عن الحقوق المدنية والقومية.

غير أن التجربة السياسية المتراكمة تفرض اليوم سؤالًا جوهريًا: ماذا يبقى من فكرة التأثير عندما يصبح المطلوب من الممثلين العرب تقديم تنازلات مسبقة مقابل مجرد قبولهم شركاء في اللعبة السياسية؟

تكشف التطورات السياسية في السنوات الأخيرة عن ظاهرة يمكن تسميتها بـ “القبول المشروط”.

فالمشكلة لم تعد في وجود العرب داخل الحلبة البرلمانية، بل في طبيعة الشروط التي تُفرض عليهم كلما اقتربوا من دوائر التأثير. فبدلًا من أن يُنظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها حقًا طبيعيًا لمواطنين متساوين، تتحول إلى امتياز مشروط بمدى الانسجام مع الحدود التي يرسمها الطرف المهيمن.

وتتجلى هذه الظاهرة في مجالات مختلفة. فالعربي مقبول طبيبًا ومهندسًا وأكاديميًا وعاملًا منتجًا، ويُشاد بمساهمته في الاقتصاد والتعليم والصحة.

لكن هذا القبول يصبح أكثر تحفظًا عندما ينتقل من المجال المهني إلى المجال السياسي، ومن أداء دور وظيفي إلى التأثير في تحديد السياسات العامة والخيارات الوطنية. وكأن المطلوب هو المساهمة في إدارة الواقع، لا المشاركة في صياغة مستقبله.

والمواطنة الحقيقية لا تقتصر على أداء الواجبات، بل تشمل الحق في تحديد مستقبل المجتمع. أما حين تُطلب الواجبات دون تمكين حقيقي من التأثير، فإن الحديث يدور عن مواطنة منقوصة، لا عن شراكة متكافئة.

وتظهر المفارقة بوضوح داخل الساحة البرلمانية نفسها. فقد ساد خطاب سياسي مفاده أن الأحزاب العربية تستطيع، من خلال دورها البرلماني، أن تفرض شروطها مقابل تقديم الدعم أو التوصية لهذا المعسكر أو ذاك. غير أن التجربة كشفت، في كثير من الأحيان، صورة معاكسة؛ إذ أصبح الطرف العربي هو المطالب بإثبات أهليته للشراكة وتقديم الضمانات السياسية المسبقة.

ولعل إحدى أكثر الصور دلالة على ذلك ما حدث عندما وافقت “الموحدة” على الخدمة المدنية الإلزامية، بوصفها جزءًا من شروط الاندماج في معسكر التغيير والحصول على شرعية الشراكة السياسية.

وفي المقابل، كانت أحزاب يهودية حريدية تشترط على المرشح ذاته التعهد بعدم فرض التجنيد على جمهورها مقابل دعمه. هنا تتجلى المفارقة بأوضح صورها: ما يُطلب من الطرف العربي لإثبات أهليته السياسية هو نقيض ما يُمنح للطرف اليهودي باعتباره حقًا مشروعًا في الدفاع عن مصالحه الخاصة. وبذلك، لا تبدو المشكلة في مضمون المطلب بحد ذاته، بل في عدم تكافؤ معايير القبول بين طرف وآخر.

وهنا تكمن الأزمة الأعمق. فهي لا تتعلق بالسياسة وحدها، بل بسؤال فلسفي قديم حول معنى الاعتراف.

فالإنسان لا يبحث عن مجرد الوجود داخل المؤسسات، بل عن الاعتراف به كما هو، بذاكرته وهويته وإرادته الحرة. أما القبول المشروط فليس اعترافًا حقيقيًا؛ لأنه يقبل الآخر ما دام منسجمًا مع الصورة المرسومة له، ويرفضه عندما يتمسك باستقلاليته.

لذلك، فإن الشراكة القائمة على التبعية تمنح حضورًا محدودًا، لكنها تحرم من التأثير الحقيقي ومن حق المشاركة في تحديد المصير.

وفي هذا السياق، لا يكفي الاستدلال بالنجاحات الفردية للعرب في الطب والأكاديميا والهندسة لإثبات تحقق المساواة. فالنجاح الفردي، على أهميته، لا يلغي استمرار الفجوات البنيوية في مجالات الأرض والتخطيط وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي.

كما أن التركيز المفرط على قصص النجاح الفردية قد يحجب النقاش حول القضايا الجماعية الأوسع التي ما تزال من دون معالجة جذرية.

من هنا تنبع مشروعية موقف المقاطعة. فالمقاطعة، وفق هذا التصور، ليست انسحابًا من العمل السياسي ولا عزوفًا عن النضال، بل موقف نقدي من إطار يُنظر إليه باعتباره عاجزًا عن توفير شراكة متكافئة أو إحداث تغيير جوهري في القضايا المصيرية. وهي تعبير عن قناعة بأن الكرامة السياسية والحقوق الجماعية لا يمكن أن تكون موضوع مساومة دائمة من أجل مكاسب جزئية ومؤقتة.

ومع ذلك، فإن المقاطعة لا تعني الاستسلام أو الانكفاء. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تُقاس بما تملكه من قوة آنية، بل بما تملكه من قدرة على الصمود وإعادة بناء أدواتها. وما يبدو اليوم أفقًا مغلقًا قد يتحول غدًا إلى بداية جديدة.

فالأفكار تتغير، وموازين القوى تتحول، والحقوق التي تبدو بعيدة المنال قد تصبح مع الزمن جزءًا من الواقع.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على قبول مشروط يُمنح اليوم ويُسحب غدًا، بل على بناء وعي جماعي وثقة بالذات ومؤسسات مجتمعية قادرة على حماية الحقوق والدفاع عنها.

ومن يعرف شجرة الزيتون يدرك أنها لا تستعجل ثمرها، لكنها لا تتخلى عنه أيضًا. وكذلك الشعوب الحية؛ قد يطول انتظارها، لكن تمسكها بحقوقها يجعل المستقبل مفتوحًا دائمًا على إمكانات أوسع من حدود الحاضر. فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تبتعد عن شعب يعرف ما يريد، ويتمسك بحقوقه، ويرفض أن يكون الاعتراف به مشروطًا بالتنازل عن ذاته.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى