ثلاثة أسابيع على “فجر اليمن”.. أين وصلت عملية وما الذي حققته؟

بعد ثلاثة أسابيع تقريبا على انطلاق عملية “فجر اليمن”، لم تعلن الحكومة اليمنية ما إذا كانت قواتها قد تجاوزت المرحلة الأولى من مراحل العملية الست، رغم نشر حصائل متواصلة للاستهدافات العسكرية وإعلان تحقيق تقدم في عدد من الجبهات.
ويثير غياب تقييم رسمي شامل لنتائج العملية تساؤلات حول حجم المكاسب الميدانية التي تحققت، ومدى انعكاس الضربات الجوية والمدفعية على موازين السيطرة، والمعايير التي تحكم الانتقال من مرحلة عسكرية إلى أخرى.
ميدانيا، تصاعدت المواجهات غرب وجنوب شرقي مدينة تعز، وسط محاولات حوثية لاختراق خطوط القوات الحكومية والتقدم نحو مركز المحافظة، في حين حققت الجماعة تقدما في قرى ومرتفعات بالريف الجنوبي والغربي.
وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع في منطقة باب المندب بمديرية ذوباب المطلة على الممر الملاحي الدولي، بينما نفت جماعة الحوثي بعض إعلانات التقدم الحكومي في المنطقة.
كما أعلنت القوات الحكومية تحقيق اختراقات ميدانية في محافظة مأرب الغنية بالنفط، واستعادة مناطق ومواقع جنوب المحافظة وشمالها وشمال غربها، دون توفر حصيلة مستقلة شاملة للتغيرات التي طرأت على خطوط السيطرة منذ بدء العملية.
وكان وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي قد كشف، في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أن عملية “فجر اليمن” تتكون من ست مراحل، وأن القوات الحكومية وصلت إلى المرحلة الأولى من الفقرة (ب).
وأوضح العقيلي، في تصريحات لقناة “الإخبارية” السعودية، أنه لا يمكن تحديد موعد نهائي لإتمام العملية، نظرا لاختلاف ظروف الجبهات وتوقيت تحركها، مشيرا إلى أن بعضها ينتظر إشارة الانطلاق.
بين الأدء والنتائج
وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، الدكتور عادل الشجاع، ضرورة التمييز بين مستوى الأداء العملياتي، الذي تعكسه أعداد الاستهدافات والاشتباكات، ومستوى النتائج الاستراتيجية، الذي يقاس بالتغير الفعلي في موازين السيطرة والنفوذ والقدرة العسكرية للحوثيين.
وقال الشجاع في تصريحات صحفية، إن إعلان وزير الدفاع أن العملية تتكون من ست مراحل، وأن القوات كانت لا تزال في المرحلة الأولى، قدم توصيفا رسميا أوليا، لكنه لم يتضمن معايير محددة لقياس الانتقال بين المراحل أو مؤشرات موضوعية للحكم على مدى إنجاز المرحلة الأولى.
وأوضح أن الفجوة الأساسية تكمن في تركيز الخطاب الرسمي على حجم النيران وعدد الأهداف المستهدفة والخسائر المعلنة، بينما يحتاج الرأي العام إلى معرفة المواقع التي تغيرت السيطرة عليها بصورة مؤكدة، والقدرات العسكرية التي فقدها الحوثيون، ومدى تأثير ذلك على قدرتهم على المناورة والإمداد ومواصلة القتال.
وأشار إلى أن إعلان تنفيذ آلاف الاستهدافات وتدمير آليات عسكرية يعكس حجم العمليات وفق الرواية الرسمية، لكنه لا يمثل وحده دليلا على تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
وأضاف أن هذه الأرقام ينبغي أن تقترن ببيانات قابلة للمقارنة حول طبيعة الأهداف وحجم الأضرار التي لحقت بقدرات الحوثيين، والتغير في خطوط التماس، وحصيلة التقدم البري، والكلفة البشرية والمادية للعمليات.
واعتبر الشجاع أن الأرقام التراكمية تحولت لدى الحكومة إلى غاية بحد ذاتها، بدلا من الإجابة عن سؤال جوهري: “ما الذي تغير على الأرض مقارنة بما كان قائما قبل إطلاق العملية؟”.
لكنه شدد على أن استمرار العملية في مرحلتها الأولى لا يعني تلقائيا فشلها، موضحا أن المراحل العسكرية قد تتفاوت في مدتها تبعا لطبيعة الأهداف والمقاومة والظروف الميدانية.
وأكد أن استمرار هذه المرحلة يستدعي توضيحا رسميا بشأن “ما أنجز وما تبقى”، والتمييز بين التقدم المحسوب وفق خطة عسكرية، واستمرار الاستنزاف دون تحقيق اختراق يتناسب مع التوقعات التي رفعها الخطاب السياسي والعسكري.
ورأى الأكاديمي اليمني أن التقييم الأقرب للموضوعية بعد ثلاثة أسابيع يتمثل في اتساع نطاق النشاط العسكري وكثافة العمليات، فيما يتطلب الحكم على نجاحها الاستراتيجي أدلة أوضح على استدامة المكاسب الميدانية وتراجع قدرات الحوثيين.
وفي الوقت نفسه، أكد أنه لا يمكن الجزم بتعثر العملية لمجرد استمرارها في المرحلة الأولى، دون الاستناد إلى معطيات ميدانية موثوقة.
تحول تكتيكي وتحديات مستمرة
من جانبه، رأى الباحث في المركز اليمني للسياسات، أحمد الشرجبي، أن عملية “فجر اليمن” تمثل عودة إلى مسار الحرب الشاملة ضد جماعة الحوثي، متجاوزة طابع الحملات العسكرية المحدودة، واصفا المرحلة الحالية بأنها “مرحلة التحول التكتيكي واحتواء الانهيار”.
وأوضح الشرجبي في تصريحات صحفية، أن العملية أحدثت تحولا في معادلة الصراع من خلال كسر الجمود الميداني، وانتقال المبادرة إلى القوات الحكومية، وتحسين التنسيق بين التشكيلات العسكرية، وحماية المناطق التي استعادتها تلك القوات.
وقال إن العملية ساهمت في تحويل موقف القوات الحكومية من الدفاع إلى الهجوم، والحد من التمدد الحوثي باتجاه باب المندب، وتخفيف الضغط العسكري جزئيا عن بعض جبهات تعز، مستفيدة من غطاء جوي أربك تحركات الجماعة وفرض عليها استنزافا عسكريا.
وأشار إلى أن الجبهات الحكومية شهدت تنسيقا ميدانيا بين ألوية العمالقة الجنوبية وقوات “درع الوطن” والمقاومة، معتبرا أن هذا التنسيق ساهم في حماية المناطق المستعادة والضغط على خطوط إمداد الحوثيين.
وبحسب الشرجبي، فإن العمليات أجبرت الجماعة على التراجع في بعض المحاور، وزادت اعتمادها على الضربات بعيدة المدى بالصواريخ والطائرات المسيرة.
ورغم هذه المكاسب، أقر الباحث بوجود قصور في التقييم الحكومي الرسمي، مشيرا إلى أن نشر أرقام الاستهدافات لا يعكس بالضرورة تحقيق مكاسب استراتيجية تغير خريطة السيطرة الميدانية.
وأكد أن المعطيات المعلنة لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل لتحديد أثرها الفعلي، وأن العملية لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم.
وشدد الشرجبي على أن استدامة النتائج تتطلب معالجة التحديات المرتبطة بتعدد التشكيلات العسكرية، من خلال فرض غرفة عمليات موحدة، إلى جانب تأمين الممرات المائية وقطع خطوط تهريب السلاح، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي لحماية المنشآت الحيوية من الهجمات الانتقامية.
وتأتي هذه التطورات فيما تشهد محافظة تعز تصعيدا عسكريا متواصلا، وسط استمرار القيود التي تفرضها جماعة الحوثي على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، وما يترتب عليها من صعوبات في حركة المدنيين وتدفق الإمدادات والسلع الأساسية.
وفي ضوء استمرار المعارك وتباين التقديرات بشأن نتائجها، يبقى غياب تقييم حكومي مرحلي واضح أحد أبرز الأسئلة المحيطة بعملية “فجر اليمن”، سواء بشأن ما تحقق من أهدافها أو شروط الانتقال إلى مراحلها التالية.
وفي هذا السياق، خلص الشجاع إلى أن الاختبار الحقيقي للعملية ليس عدد الأهداف التي ضربت، بل مقدار التغيير الذي أحدثته في الواقع العسكري والسياسي، داعيا الحكومة إلى تقديم تقييم مرحلي يوضح ما تحقق فعليا منذ إطلاق العملية، والعوامل التي تمنع أو تسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية.
