بين يهودية الدولة وإنكار النكبة: هندسة الاقتلاع الصامت للوجود العربي في الداخل

المحامي خالد زبارقة
حين يطفو على السطح نقاش واقع فلسطينيي الداخل، غالبًا ما يُنظر إلى “الحكم العسكري” بوصفه صفحة طُويت رسميًا مع أواخر عام 1966، وكأن عقود التحكم والسيطرة قد أصبحت جزءًا من الماضي الأرشيفي. لكن نظرة هادئة ومعمقة إلى خفايا الواقع تكشف عورة هذا الوهم؛ فالحكم العسكري لم ينتهِ، بل تحوّر وتناسل ليرتدي أثوابًا مدنية وقانونية جديدة، محتفظًا بجوهره الثابت القائم على السيطرة والإخضاع والهندسة الأمنية الشاملة للإنسان والحيّز.
تاريخيًا، لم يكن ذلك الحكم مجرد حالة طارئة مرتبطة بلحظات التأسيس، بل كان المختبر الأول لصياغة آليات الضبط الاستراتيجي: تصاريح خروج مقيّدة، وتسييج للبلدات، وتجميع للباقين في جيوب ضيقة، إلى جانب مصادرة ملايين الدونمات تحت غطاء القوانين الأمنية.
هذا العقل الأمني لم يغب يومًا، بل وجد تعبيره في محطات مختلفة من تاريخ هذه الأرض، وفي كل مرة يخرج علينا بصيغة أخرى، لكن بالأهداف نفسها. وفي “هبة الكرامة” عام 2021، أماطت الأحداث اللثام عن تفعيل البنية الأمنية والشرطية بنسخة حديثة ومطوّرة، شملت الاعتقالات الجماعية الواسعة، والملاحقات الرقمية، والزج بجهاز “الشاباك” في الشارع العربي، فضلًا عن عسكرة الحياة اليومية برمّتها، وربط لقمة العيش بمعايير الرضا الأمني. واستمرت السياسات نفسها، وبعد السابع من أكتوبر، اتخذت هذه السياسات طابعًا تصعيديًا وأكثر انكشافًا.
ولكي نفهم جذور هذه السياسات واستمراريتها، يجب الغوص أعمق خلف القشور السياسية، وصولًا إلى المنطلقات الفكرية العميقة؛ حيث تتقاطع الأيديولوجيا الصهيونية مع المخيال الديني والتلمودي للأرض والإنسان.
وفق هذه العقيدة، لا يُنظر إلى الفلسطيني الباقي في أرضه بوصفه صاحب حق أصيل أو جزءًا طبيعيًا من النسيج، بل يُنظر إليه بمنطق تلمودي استعماري غريب: “حارس مؤقت على الأرض، يحرسها نيابة عن المشروع الاستيطاني إلى حين اللحظة التي تقرر فيها الدولة استعادتها”.
من هذا المنظور، فإن استعادة الأرض والتخلص من هذا الوجود المعوّق لا تتعدى، بالنسبة إلى المؤسسة، أمرين: قرارًا سياسيًا يُتخذ، وأدوات تنفيذ يُطلق عليها مجازًا اسم “القانون”. والهدم والترحيل ومصادرة الأرض في النقب أمثلة حية على هذه المنطلقات.
ولكن تمرير قرار بهذا الحجم وتهيئة الأجواء له لا يتمان دفعة واحدة؛ وهنا تكمن، على سبيل المثال لا الحصر، خطورة سياسة المقايضة والاعتراف بيهودية الدولة، إلى جانب إنكار النكبة.
فهذه السياسات ليست مجرد شعارات نظرية أو مواقف سياسية عابرة، بل هي أدوات هندسية بالغة الدقة لـ”خلق البيئة القابلة” لسياسات الاقتلاع الكبرى. فعندما يُدفع الفلسطيني نحو التساوق مع الرواية الرسمية، أو الاعتراف بيهودية الدولة وقانون القومية، فإن الغاية هي كسر مناعته النفسية والوطنية، وتجريده من شرعية وجوده التاريخي، لتهيئته هو أولًا، وتهيئة الرأي العام المحلي والعالمي، لتقبّل أي خطوة استثنائية قادمة (كالترانسفير الصامت، أو المصادرة الشاملة، أو الهندسة الديموغرافية القسرية، أو الهدم الممنهج)، باعتبارها “تصحيحًا تاريخيًا”، لا جريمة تطهير عرقي. حتى بتنا نسمع أصواتًا نشازًا تتهم الضحية بما آلت إليه أوضاعها.
إن هذا المسار التمهيدي ينذر بتداعيات كارثية على مستقبل الوجود العربي في الداخل، تبرز ملامحها في مسارات واضحة: بدءًا من خنق الفضاء الجغرافي، وتحويل القرى والمدن إلى كانتونات معزولة تعاني أزمات سكن خانقة، مقابل التمدد الاستيطاني؛ مرورًا بتصدّع النسيج المجتمعي، وتغذية ظاهرة الجريمة المنظمة والسلاح الفوضوي بوصفهما أداتين للتفكيك الذاتي، تُلهيان المجتمع عن قضاياه الوجودية؛ وصولًا إلى تعميق الاغتراب، ودفع قطاعات واسعة من الشباب نحو هجرة صامتة تبحث عن النجاة وسط اليأس وانعدام الأفق.
وأمام هذه الجدران الصلبة، يسقط الوهم السياسي الذي يربط بين تبدّل الحكومات الإسرائيلية وأي تغيّر استراتيجي في التعامل مع العرب. فالهدف الاستراتيجي للمشروع الصهيوني ثابت لا يتغير، وما يتبدل أحيانًا هو شكل الأدوات فقط (بين الاحتواء الناعم والتدجين الاقتصادي تارةً، والقبضة الخشنة والتشريعات العنصرية السافرة تارةً أخرى)، بينما يظل الإجماع الأمني عابرًا لكل الائتلافات الحاكمة، لضمان إحكام القبضة.
إذن، ما العمل في ظل هذا المشهد المعقد؟
لحماية وجودنا في هذه البلاد ومستقبل الأجيال الناشئة، يقع على عاتق المجتمع، وبالأخص القيادة السياسية، واجب إسقاط بيئة الاستسلام، ورفض منطق “الحراسة المؤقتة”، عبر وعي الذاكرة وتحصين الجيل الناشئ. إن حماية الذاكرة وتدريس رواية البقاء والنكبة لا يجب أن يبقيا مناسبة موسمية، بل يجب أن يتحولا إلى فعل تربوي وثقافي يومي ينبض داخل العائلات والتجمعات والحواضن التربوية والتثقيفية؛ فذلك ليس فعلًا وطنيًا فحسب، بل فعل لحماية الحقوق والبقاء والوجود.
إن خطط الطوارئ وسياسات التدجين والتطهير، وما لمسناه على جلودنا في السنوات الأخيرة، وإن سعت إلى خلق بيئة قابلة للاقتلاع، ستصطدم دائمًا بحقيقة ساطعة: إن الإنسان المرابط الذي يرفض أن يكون “حارسًا مؤقتًا” لجلّاده، ويُصرّ على أن يكون مالكًا لجذوره وهويته، هو وحده القادر على إسقاط كل الرهانات الهادفة إلى شطبه، وهو القادر على البقاء بكرامة، وحراسة بوصلته مهما اشتدت عواصف الاستهداف والتدجين.
