التربية التي لا ننتبه لأثرها
ليلى غليون
الطفولة، تلك الروضة الغناء التي تجعل النفس تهيم بمشاعر جياشة من البهجة والنشوة، إنها لوحة فنية رائعة رُسمت عليها البراءة والصفاء بريشة وألوان تسر الناظرين، وانعكس بريقها في أعماق الوجدان فأيقظ خلجاته لتتمايل طربًا من ترنيمتها الرائعة التي اهتزت على أثرها أوتار قلوب الوالدين، فلا تملك النفس السوية قبالة هذه النعمة العظمى، إلا أن تخر ساجدة شاكرة لله المنعم الوهاب، أن منّ عليها من فضله بطفولة جميلة تدب حركتها في البيت بعد أن كان الصمت يلف أركانه.
فكم تعم الفرحة قلوب الوالدين عند قدوم المولود الجديد، ذاك الحبيب الصغير الذي بقدومه أحدث تغييرات جمة في نظام وحياة والديه، اللذين يقومان على خدمته ورعايته بكل ما يحملان في قلبيهما من مشاعر أمومة متدفقة كنهر جار، وأبوة حانية كشلال لا يتوقف، مشاعر خالصة صادقة لا تنتظر جزاء ولا شكورًا، مشاعر انسابت من والدين لا يتوانيان بدافع حبهما الفطري لهذا الحبيب الصغير أن يُسكناه في عينيهما ويجعلان من رموشهما سياجًا واقيًا له من كل سوء.
نعم إنها مشاعرنا، وإنه حبنا لأطفالنا، جُبل عليه تكويننا النفسي والوجداني ولا نملك من أمرنا شيئًا، وهذه الجبلّة لا يحيد عنها إلا من اختل فيه الميزان الفطري وتشوهت عنده الصورة الشعورية الطبيعية نحو الأبناء. ولكن هل العواطف والحب والحنان هو كل ما يحتاجه منا أبناؤنا؟
نحن ولا شك، نريد أن نربي أبناءنا تربية راشدة، نريدهم صالحين، أقوياء، واثقين من أنفسهم، ناجحين، قادرين على مواجهة الحياة… ولكن في مشوار تربيتنا لهم، هل ننتبه فعلًا إلى الطريقة التي نربيهم بها؟ وما الذي يجب أن نكون عليه نحن معشر الآباء والأمهات حتى نقطف الثمرة المرجوة؟
فكم منا من يتجاهل أمورًا تربوية مهمة ولا يلقي لها بالًا، بل ولعله يحسبها هامشية وهي في الحقيقة محور ومركز التربية السليمة الذي منه تنشأ شخصية الطفل السوية.
فهل فكرت أيها الأب أيتها الأم، أن كلمة واحدة لا تلقيان لها بالًا، تقولانها لطفلكما قد تبقى في ذاكرته سنوات؟ وأن جملة يقولها أحدكما وينسى أنه قد قالها، قد تصبح في داخله صوتًا يرافقه عندما يكبر؟
مثلًا: قد يتكلم الأب أو الأم أو ربما الجد أو الجدة، بكلمة غير لائقة أمام الطفل الذي بدأ يتكلم حديثًا، فيطلبون منه أن يعيد تلك الكلمة والتي لا يعرف أصلًا معناها، فيفعل الطفل ببراءة، فيبدأ أفراد الأسرة بالضحك والتصفيق له، بل ويشجعونه على ترديدها مرة ومرات من باب التحبب والدعابة، (وأنها تخرج حلوة من فمه)، فيكبر الطفل وتترسخ فيه مثل هذه الكلمات ليستمر بترديدها بعفوية وتلقائية، فما يكون من الوالدين إلا أن يوبخاه على هذه الكلمات… لماذا؟ لأنه أصبح كبيرًا، ومن غير اللائق أن يتفوه بها، متناسيين أنهما السبب المباشر في التصاقها بذاكرته، لتبدأ رحلة معاناة الوالدين مع هذا الطفل وكيف يمكن أن يمنعاه من ترديدها.
كذلك من الأمور التي قد لا ينتبه إليها بعض المربين، تقديم الشكر للأطفال، فعادة وعندما يخطئ الأطفال يقوم الآباء والأمهات بتوبيخهم، ولكن القليل منهم من يحرصون على شكر أطفالهم عندما يقومون بأعمال جيدة، فكم تفعل كلمة الشكر والثناء في نفسية الطفل، وكم لها من مفعول السحر على بنائه الشعوري والعاطفي، والأهم من ذلك، أن الشكر يعلمه أن يشكر الآخرين، فالطفل الذي يسمع كلمات التقدير في أسرته غالبًا ما يتعلم أن يقدر جهود من حوله.
وهناك من يتجاهل وجود الأطفال عندما يكونون برفقة الكبار، فيسلم على الكبار ويبادلهم التحية متجاهلًا السلام على الأطفال (فعن أنس بن مالك رضي الله عنه – أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك).
وأمر آخر يلزم المقام التحدث عنه، هو أن الأبناء يدركون مدى محبتهم في قلوب الوالدين، ولكن ما أسعدهم لو سمعوا من آبائهم وأمهاتهم أنهم يحبونهم قدر الدنيا وما فيها، والأسعد من ذلك أن يستشعروا بدفء هذا الحب يتسلل إلى نفوسهم فيغمرها سعادة وثقة بالنفس تجعلهم إيجابيين في الحياة. قال البراء رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: (اللهم إني أحبه فأحبه)، ولا ننس أهمية اللعب مع الأطفال ولو لدقائق معدودة ولا تأخذنا هموم الحياة وضغوطاتها بعيدًا عنهم، بل لنعطي كل ذي حق حقه، وأما عن القبلة التي تطبع على خدود الأطفال، فليعلم الأهل أنها وجبة لا تقل أهمية عن الوجبات الثلاث، فلماذا يهملها البعض خصوصًا عندما يكبر الأبناء، معتقدين أنه لم يعد حاجة لها، مع العلم أن الأبناء بحاجة لها في كل مرحلة من مراحل حياتهم.
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم).
ومن الأمور التي قد يغفل عنها الأهل، أنهم عندما يطلبون من الطفل أمرًا ما فيرفض أن يستجيب لطلبهم، أو عندما يخطئ يوبخونه ويقولون له: لقد أصبحت كبيرًا، ولكنك لا تتحمل المسؤولية، وبالمقابل عندما يتكلم الطفل أو يريد أن يبدي رأيه في أمر ما، يزجره الأهل ولا يسمعونه، على اعتبار أنه لا يزال صغيرًا ولا ينبغي أن يحشر أنفه في أمور أكبر من سنه.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله فقال: أخبروني بشجرة تشبه المسلم لا يسقط ورقها وتؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولا شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تتكلم؟ قال: لم أركما تتكلمان فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
ومن الأمور التي يجب التنبه إليها، أننا في بعض الأحيان نظن أننا نؤدب الطفل أو نحفزه، وذلك عندما نقارنه بأخيه أو زميله… كأن نقول له عندما يخطئ: أنت دائمًا هكذا… أنت لا تفهم… انظر إلى أخيك، لماذا لا تكون مثله؟
فنحن قصدنا تحفيزه وتأديبه، ولكن الرسالة التي قصدناها قد لا يسمعها الطفل، بل قد يسمع شيئًا آخر “أنه لست جيدًا بما يكفي كأخيه أو زميله”.
أو حين يخاف أو يبكي نسارع بالقول له: “لا تبك أنت رجل… أو الأمر لا يستحق كل هذا” معتقدين أننا نعلمه القوة والرجولة، ولا ندري أننا نعلمه درسًا في عدم إبداء مشاعره.
وفي نهاية المطاف، لا توجد هنالك تربية مثالية ولا يوجد أب مثالي ولا أم مثالية، فكلنا نغضب ونرفع أصواتنا أحيانًا على أطفالنا، وكلنا نخطئ أحيانًا في أسلوب تربيتنا لهم، ولكن المشكلة ليست في ألا نخطئ أبدًا، بل في أن نعرف كيف نعود ونصلح الأمور، فلن تقل هيبة الأب مثلًا عندما يعتذر لطفله ويقول له: (أنا أخطأت عندما صرخت عليك)، بل يعلمه درسًا عظيمًا أن الاعتذار قوة وأن الخطأ يمكن إصلاحه، فالتربية ليست بالكلمات ولا بكثرة النصائح والتوجيهات فقط، فنحن نربي أبناءنا بأفعالنا وسلوكياتنا دون أن نتكلم أو نرشد أو ننصح، إنها التربية بالقدوة، والقدوة لا تعني أن نكون آباء وأمهات بلا أخطاء، فهذا مستحيل، وإنما تعني أننا نربي أبناءنا عندما يروننا نخطئ ثم نعتذر، ونربيهم عندما يروننا نحترم الآخرين، ونربيهم عندما نضبط أعصابنا، ونربيهم عندما نستمع إليهم بدل مقاطعتهم، ونربيهم عندما نختلف مع الآخرين ونبقي على حبال المودة والمحبة موصولة، نربيهم في كل لحظة يروننا فيها وفي كل سلوك نسلكه، فنحن مرآة ينظرون إليها ويتعلمون منها أفعالنا قبل نصائحنا.
