مهمة المرأة في بيت زوجها
ناجي خالد أمارة (زلفة)
خلق الله الناس، كما خلق سائر مخلوقاته الأرضية التي نعلمها، من ذكر وأنثى.
والإسلام، كدين ونظام؛ والدين من المداينة والحكم ونظام الحياة، أعطى كل فرد في المجتمع حقه الكريم والصواب، وكذلك واجباته الكريمة والمناسبة له، والتي لا تُثقِل عليه.
والمجتمع البشري مجتمع مركّب، وليس مركّبًا فقط من ذكر وأنثى، بل هو مركّب أيضًا من صغير وكبير، وأمير ومأمور، وعالم ومتعلم، وغني وفقير، ومن الفوارق الأخرى التي لها مقتضياتها وعدلها وإنصافها.
حتى إن صغار الناس، فلكل جيل حقوقه ورعايته ومستلزماته، وعندما يبلغ الصبي مرحلة البلوغ والرجولة، تكون له من الحقوق والواجبات المنصفة ما يناسبه، ومن هذه الحقوق: العبادة، والتعليم، والزواج، وكلٌّ حسب مقدراته، والتي لا مجال لتفصيلها حاليًا.
والحديث في موضوعنا هنا عن بعض حقوق المرأة وواجباتها، وخصوصًا في بيت زوجها. ونحن نعلم أن من قمة سعادة المرأة أن يكون لها زوج وأولاد وبيت ترعاهم، وأن يكون لها اعتبار كريم وتقدير جليل.
ونحن نعلم أن كل مسلم راعٍ، وكل مسؤول عن رعيته، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عما استُرعيت فيه.
وقد درجت الحياة، منذ خلق الله آدم عليه السلام، على أن تكون مسؤولية المرأة في بيت زوجها وأبنائها، وهذه هي القاعدة الأصلية في الناس وكافة المجتمعات، وهي في الإسلام أيضًا. وطبعًا، لها استثناءات سنتحدث عنها بإذن الله. وهذه الحقيقة تسعد بها عامة النساء في غالبية مجتمعات الناس، وهذا الأمر، مع ما وجب لهن من كبير احترام وتبجيل وتقدير.
وقبل أن نسهب في الموضوع قليلًا، فلا بد من ذكر حالات فقهية تبيّن كثيرًا من الجوانب في هذا الموضوع، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”. متفق عليه.
وقال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن، الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته.
وهناك حديث آخر؛ إذ سُئلت أمنا عائشة رضي الله عنها: “ما كان يصنع النبي في أهله؟” فقالت: “كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج”.
وهذا، طبعًا، من اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حسن خلقه، وهذا أولًا، وثانيًا، نفهم أن مهنة أهل الرجل تكون في رعاية البيت والسكن ومستلزماته.
ثم هناك حديث آخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت”. رواه ابن حبان في صحيحه.
وبما أننا هنا نناقش قضية يجب إظهار الحق فيها، والصحيح والمُرضي فيها، وما لا يخالف الفطرة السليمة ولا الإنسانية الحكيمة، فإننا نعلم أن ما خلقه الله تعالى ثم حكم فيه هو قمة العدل والسعادة للفرد والمجتمع، وهو قمة صون الحقوق والواجبات لكل فرد، وهو قمة تنشئة المجتمع الصالح والسليم والمتكامل والمعافى، والذي لا تخرمه الآفات ولا المفاسد.
ولا يشك أي عاقل في أن الله تعالى قد فطر الناس ذكرًا وأنثى، ولكلٍّ طبيعته الخاصة به، والتي يسعد بها، وله من الحقوق والواجبات ما يناسب وينصف ما فُطر عليه.
وهي حقوق وواجبات تحفظ وتبني البيت المسلم والمجتمع، والنشء المسلم السليم والمعافى والسعيد، كما أسلفنا.
ونحن نعلم قدرات الرجل في العمل والكفاح نحو احتياجات العائلة، وأن ذلك من واجبه، ومن قدراته الجسدية التي حباه الله إياها، والتي فيها مشقة وقوة جسدية، وهذه هي القاعدة العامة.
وقبل أن نجيب عن سؤال قد يكون مفتعلًا، وهو: هل واجب المرأة أن تعمل في بيت زوجها؟ سنذكر حادثة يعلمها جلّ المسلمين، وهي عندما طلبت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمة في بيتها، وكيف كان تجاوب الرسول مع هذه القضية.
فقد روى البخاري ما يلي: “أن فاطمة رضي الله عنها شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: على مكانكما. فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: ألا أعلمكما خيرًا مما سألتُماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين، وتسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحْمدا ثلاثًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم”.
فمن هنا نفهم:
- أن مهنة المرأة تكون في بيت زوجها.
- أن أعمال المنزل ليست واجب الرجل، لما له من واجبات أخرى.
- التواضع والصبر والذكر.
ومن هنا سنذكر بعض الاستثناءات والرخص، وبعض ما لا بأس به، وبعض ما هو واجب.
فنقول: مع أنه من الأولى أن تقوم المرأة بعمل بيتها، فقد يكون عند البعض القدرة على استعمال خادم يقوم ببعض أعمال البيت، ولكن لكل أمر شروطه، وهي:
- ألّا يجلب هذا الأمر للإنسان الكِبر والغرور؛ فلا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر.
- ألّا يجلب الخلوة والفتنة، اللتين قد تؤديان إلى المعصية.
- إن واجب الأمومة ومسؤولية النشء لا ينفكان عن واجب الزوجة والأم، فهناك من الواجبات والمستلزمات ما لا ينبغي لغير الأم القيام بها، وهي مسؤولة عن رعيتها أمام الله تعالى، ومسؤولة عن خُلق أبنائها ودينهم.
ونسأل: هل يجوز للمرأة أن تعمل خارج بيتها؟
والجواب هنا: إنه جائز إذا لم يتعارض ذلك مع مسؤولية رعاية البيت، ورعاية الأبناء وتنشئتهم التنشئة الصالحة، وهي من فروضها إن لم يكن هناك بديل صالح وحقيقي. وإذا كان بمقدور الرجل التعاون على ذلك في حال الضرورة، ودون الإضرار بعمله ومقامه ومسؤولياته، فلا بأس.
وهناك حالة أخرى؛ فإذا كانت المرأة مريضة ولا تستطيع العمل، وجب توفير من يرعى ما استُرعيت فيه. ونكرر أنه متى كان من المقدور صيانة الواجب والأولى والفرض، فلا بأس بمعاونة خادم، ولكن واجب الأمومة والحنان على النشء لا يُفرَّط فيه بتاتًا.
ثم إن واجب التواضع، وواجب العمل الذي يُؤجر عليه الإنسان، أولى من رفاهية قد تكون زائدة ومضرّة، وهذا ما حثّت عليه السنة، مع مراعاة الاستثناءات التي ذُكرت.
وعمل المرأة في بيتها خير لها، ولكن هناك حالات يكون عمل المرأة فيها ممكنًا، مع ضرورة الحفاظ على الواجبات والمستلزمات في البيت، ومع واجب الحفاظ على عفتها وطهارتها وعفة المجتمع. والرجل، إن استطاع باختياره، ودون تحميلٍ عليه، أن يساعد في بعض المهام المقدّرة، فله ذلك مختارًا محترمًا.
وهنا ننوه إلى أن بعض القضايا تُفتعل من جهات تغريبية، يُقصد بها تفتيت المجتمع وإفساده، ونعوذ بالله من ذلك. ونكرر أنه لا بأس بأداء مهام لم يحرّمها الشرع، ما دام أن الأولويات لم تُهمَل، ولم تذهب الواجبات والفروض.
