خلافا لتصريحات ترامب.. التطبيع ليس شرطا للمضي في الاتفاق النووي مع السعودية

كشف نص الاتفاق النووي المدني الموقع بين السعودية والولايات المتحدة أن الرياض لم تغلق الباب أمام تخصيب اليورانيوم، خلافا لما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يتيح الاتفاق، بشروط وعلى مراحل، إمكانية الوصول إلى نسبة تخصيب تبلغ 20 في المئة.
وحصلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” على النص الكامل للاتفاق، المؤلف من 72 صفحة، بعد تقديمه إلى الكونغرس الأمريكي، وذلك بعد نحو ستة أسابيع من توقيعه. وأظهر تحليل الوثيقة أن عددا من التصريحات التي أدلى بها ترامب بشأن طبيعة الاتفاق لا تتطابق مع ما ورد في نصه الرئيسي.
لا شرط للاعتراف بإسرائيل
وكان ترامب قال في 24 تموز/يوليو الماضي، بعد يوم من توقيع الاتفاق، إن الموافقة على التعاون النووي المدني مع السعودية ستكون مشروطة بانضمامها إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، مشيرا إلى أن الاتفاق “لن يتضمن أي تخصيب للمواد على الإطلاق” وأنه سيقتصر على الاستخدامات المدنية.
وكتب ترامب عبر منصته “تروث سوشال” أن الاتفاق النووي “مشروط تماما” بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
لكن النص الذي اطلعت عليه “بي بي سي” لا يتضمن في نسخته الرئيسية أي إشارة إلى إلزام الرياض بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية أو الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي.
وكان مسؤولون سعوديون رفضوا تصريحات ترامب حينها، إلا أن عدم نشر البيت الأبيض نص الاتفاق حال دون التحقق من طبيعة التفاهمات بين الجانبين.
مسار تدريجي للتخصيب
وتنص المادة السابعة من الاتفاق على إمكانية تخصيب اليورانيوم المنقول أو المنتج في إطار الاتفاق، وذلك بناء على اتفاق خطي بين الولايات المتحدة والسعودية، وبعد إجراء “دراسة مشتركة بشأن التخصيب والتحويل”.
وبموجب الاتفاق، تبدأ هذه الدراسة خلال عامين من دخوله حيز التنفيذ، فيما تحدد فقرة أخرى من المادة نفسها مسارا تدريجيا لعملية التخصيب.
وفي المرحلة الأولى، تقتصر أي منشأة تخصيب في السعودية تستخدم معدات أو تكنولوجيا أمريكية على إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة لا تتجاوز 5 في المئة.
لكن الاتفاق يتيح للرياض، بعد استكمال دراسة إضافية والتوصل إلى اتفاق خطي مع واشنطن، رفع مستوى التخصيب إلى نسبة تصل إلى 20 في المئة.
وبذلك، فإن الانتقال إلى مستويات أعلى من التخصيب لا يبدو تلقائيا، بل يرتبط باستكمال الدراسات المطلوبة والتوصل إلى تفاهم سياسي بين الطرفين بشأن شروط المرحلة التالية.
وتكتسب نسبة 20 في المئة أهمية خاصة في ملف منع الانتشار النووي، إذ يرى معارضو تخصيب اليورانيوم الإيراني عند مستويات تتجاوز 5 في المئة أن الوصول إلى 20 في المئة يقطع جزءا كبيرا من المسار التقني نحو مستويات التخصيب اللازمة لصناعة سلاح نووي.
غياب البروتوكول الإضافي
وبحسب “بي بي سي”، لا يلزم الاتفاق السعودية بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم إلزامها بقبول عمليات التفتيش المنصوص عليها في الاتفاق.
كما يخضع نقل المعدات والمواد والمكونات المرتبطة بالبرنامج النووي، حتى تلك المخصصة للاستخدامات غير الحساسة، لاتفاق ضمانات ثنائي بين واشنطن والرياض، يحدد آلية الرقابة على التعاون النووي بين البلدين.
ويثير هذا الجانب مخاوف لدى خبراء ومراقبي منع الانتشار النووي، بسبب اختلاف نطاق الرقابة التي يفرضها الاتفاق عن تلك التي يوفرها البروتوكول الإضافي.
فالضمانات الأمريكية السعودية تركز على ما يعرف بـ”المواقع المشمولة”، وهي المواقع المرتبطة مباشرة بالتعاون النووي بين البلدين أو التي تستخدم مواد أو تكنولوجيا نووية أمريكية.
أما البروتوكول الإضافي، فيمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية نطاقا أوسع للرقابة، يشمل البرنامج النووي للدولة بشكل عام، بما في ذلك المواقع التي قد لا تكون مرتبطة مباشرة بالتعاون النووي مع الولايات المتحدة.
تنازلات أكبر للسعودية مقارنة بالإمارات
وتبرز الفوارق بشكل أوضح عند مقارنة الاتفاق السعودي الأمريكي بالاتفاق النووي الذي أبرمته واشنطن مع الإمارات العربية المتحدة.
فقد تعهدت الإمارات بموجب اتفاقها بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي على أراضيها، سواء تعلق الأمر بمواد أمريكية أو غير أمريكية.
كما جعلت واشنطن انضمام أبوظبي إلى البروتوكول الإضافي شرطا مسبقا لإصدار تراخيص تصدير نووية إليها.
وكان أي توجه إماراتي نحو تخصيب اليورانيوم يعد خرقا للاتفاق ولإطار التعاون النووي الثنائي، حتى إذا لم ينطو على انتهاك لالتزام آخر.
أما الاتفاق مع السعودية، فلا يتضمن القيود نفسها، إذ أبقى الباب مفتوحا أمام التخصيب على الأراضي السعودية، وإن ربطه بشروط ومراحل تفاوضية.
وفي رسالة وجهها البيت الأبيض إلى الكونغرس، أشار إلى وجود “رسالتين جانبيتين سريتين” لم يكشف عن مضمونهما حتى الآن.
وبحسب تحليل “بي بي سي”، فإن معرفة محتوى هاتين الرسالتين قد تضيف تفاصيل إلى التفاهمات بين واشنطن والرياض، لكن إدراج أي قيود أو ترتيبات إضافية فيهما لن يغير عمليا من طبيعة التعاون ما لم توافق السعودية عليها وتوقعها.
